Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انهيار تاريخي للريال اليمني وفقدان السيطرة على القطاع المصرفي

متخصصون يعتبرون أن "انخفاض قيمة العملة أمر طبيعي نتيجة غياب السلطات الشرعية عن ممارسة مهماتها داخل البلاد"

يمنيون ينتظرون أمام محلات الصيرفة في مدينة عدن الساحلية (أ ف ب)

تشهد العملة اليمنية حالة انهيار تاريخي غير مسبوقة مع فقدان السيطرة على القطاع المصرفي، بعد كسر الدولار حاجز الـ 900 ريال للمرة الأولى، ما يعقد ظروف اليمنيين المنهكين أصلاً بفعل الحرب الدائرة في البلاد منذ حوالى ستة أعوام.

وسجّل الريال انخفاضاً شديداً هو الأسوأ منذ بدء الحرب في مارس (آذار) 2015، إذ تجاوز سعر الدولار الأميركي الواحد حاجز الـ900 ريال في مؤشر غير مسبوق، ينذر بكارثة اقتصادية ستفاقم جراح الأزمة الاقتصادية والإنسانية في البلاد، وسط توقعات بمزيد من التدهور خلال الأيام المقبلة جراء غياب السلطات الشرعية عن الأرض.

وأفاد مصرفيون بأن تعاملات الإغلاق المسائية والتداول الصباحي، الخميس العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، بلغت 910 ريالات للدولار الواحد في عدن، فيما تفاوتت الأسعار في باقي المحافظات الخاضعة للحكومة الشرعية بين 900 و905 ريالات.

وخلال العشرة أيام الماضية فقط، انهارت العملة اليمنية بأكثر من 50 ريالاً أمام الدولار، إذ كان سعر الصرف المسجل في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) متوقفاً عند 860 ريالاً أمام الدولار، لتبدأ بعدها مسألة الانهيار غير المسبوق.

ضعف القوة الشرائية

وبطبيعة الحال، تنعكس أزمة العملة على القوة الشرائية في غالبية المحافظات اليمنية، جراء ارتفاع أسعار السلع التي تستورد من الخارج بالعملة الصعبة، ويرفع التجار سعرها لتغطية العجز الحاصل في قيمة الريال، الأمر الذي يزيد المخاوف من شبح مجاعة تلوح في الأفق المعتم أكثر من أي وقت مضى.

غضب شعبي

وتسود الشارع اليمني موجة عارمة من الغضب، إذ شهدت مناطق عدة، منها محافظات تعز (جنوب غربي البلاد) ولحج (جنوب) وحضرموت (جنوب شرقي) وقفات احتجاجية طالبت بوضع حدٍّ لتدهور العملة وتحسين الخدمات الأساسية والتحذير من كارثة اقتصادية وشيكة.

ضغط سياسي

وبالتزامن مع حملات إلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعي، تدعو الحكومة إلى تدخل عاجل، طلب مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مساء الاثنين، من المجتمع الدولي، إيلاء الاقتصاد أهمية أكبر في سياساته تجاه اليمن.

وطالب المركز في نشرة اقتصادية خصصت لمناقشة تدهور العملة اليمنية، بـ"ممارسة الضغط السياسي المتزايد على الحوثيين والحكومة الشرعية لوقف التصعيد الحالي وإنهاء معركة السيطرة على المصارف اليمنية وشركات الصيرفة".

وحذّر المركز من أنه في حال تركت الأطراف المتحاربة تتصرف كما يحلو لها، فإن الحرب الاقتصادية ستستمر في التصاعد، والاقتصاد سيشهد مزيداً من الانقسام، وكلما طالت مدة الأزمة كلما زادت صعوبة إصلاح الضرر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفيما أشار إلى أن الصراع العسكري قد أودى بحياة عدد كبير من الأشخاص وتسبب في دمار كبير للبلاد، لفت المركز إلى أن الحرب الاقتصادية "لها تأثير أوسع ويمكن القول إنها أكثر تدميراً على السكان والبلد بشكل عام".

ووفقاً للمركز، فقد أصبح نقص النقد الأجنبي في اليمن خلال هذا العام أكثر حدّة بشكل متسارع، نظراً إلى الانكماش الاقتصادي الإقليمي الذي أدى إلى انخفاض كبير في التحويلات المالية من اليمنيين في الخارج، وتقليص المانحين الدوليين تمويلهم لجهود الإغاثة، ونفاذ الدعم السعودي الذي قدّم عام 2018 والبالغة قيمته ملياري دولار، فضلاً عن معاناة الحكومة من انخفاض الإيرادات وتدفقات النقد الأجنبي من صادرات النفط الخام بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في مارس وأبريل (نيسان) 2020.

استنجاد حكومي

الانهيار الاقتصادي الذي اعتبره مراقبون مؤشراً إلى خروج القطاع المصرفي عن السيطرة، دفع الحكومة اليمنية، الثلاثاء، إلى الاستنجاد بحشد موارد دولية عاجلة لوقفه.

وجاء ذلك في تصريحات لرئيس الوزراء معين عبد الملك خلال لقائه المبعوث البريطاني الخاص لمنع المجاعة والشؤون الإنسانية نيك داير، في العاصمة السعودية الرياض، بحسب وكالة الأنباء الرسمية "سبأ" التي قالت إن الطرفين بحثا الأولويات الاقتصادية والإنسانية المطلوب دعمها في اليمن، وفق برنامج الحكومة الجديدة المرتقبة وآليات التنسيق والتعاون لحشد الموارد والدعم الدولي لليمن، إضافة إلى تحسين وصول المساعدات الإنسانية.

وشدّد رئيس الوزراء على أن "أي انهيار أكثر للاقتصاد اليمني، سيسهم في مضاعفة الكارثة الإنسانية القائمة".

وبحسب عبد الملك، فإن هذا الانهيار غير المسبوق، "يتطلب حشد الموارد الدولية بشكل عاجل لدعم برنامج الحكومة الجديدة في هذا الجانب".

وأضاف "الحكومة الجديدة ستركّز فور تشكيلها على وضع حدٍّ لتدهور العملة الوطنية ومواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية والإدارية".

حاجة عاجلة للإيراد

واعتبر خبراء يمنيون أن انهيار العملة المحلية، خصوصاً في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، متوقع، وذلك جراء غياب السلطات الشرعية عن ممارسة مهماتها داخل البلاد.

وقال المتخصص في المجال الاقتصادي اليمني عبد الواحد العوبلي إن أي احتجاجات أو إغلاق للمخابز والبنوك ومحال الصيرفة لن يحل المشكلة بقدر حاجة البلاد للسيولة الكافية من العملة الأجنبية المتدفقة إلى الداخل لتغطية ما يخرج منها.

وعن المعالجات العاجلة المفترض اتخاذها، أفاد بأن اليمن بحاجة ماسة لزيادة إيراداتها من النفط، مضيفاً أن ذلك لن يتم إلا من خلال التصدير ورفع الإنتاج واستئناف تصدير الغاز المسال من ميناء بلحاف (أحد الموانئ الرئيسة لتصدير النفط والغاز المسال ويقع في محافظة شبوة) وتعزيز فائدتها من الموانئ والمطارات والمنافذ البرية".

السياسي قبل الاقتصادي

ولطالما اشتكت الحكومة الشرعية والمراقبون الاقتصاديون من أن عملية استيراد المشتقات النفطية، أنهكت الاقتصاد اليمني، وأفقرت خزانة الدولة من العملة الأجنبية التي يتم شراؤها بها، إضافة إلى عدم تفعيل عدد من المعالجات الاقتصادية التي سبق وأعلنتها نتيجة الانقسام السياسي الحاد في عدن والمحافظات التابعة لها. ولهذا يحذّر العوبلي من أن استمرار الوضع كما هو عليه من دون انفراج سياسي من خلال تشكيل حكومة، وفقاً لاتفاق الرياض تمارس مهماتها من الداخل، فمن المتوقع أن يتجاوز سعر الصرف 1000 ريال أمام الدولار".

بند النفقات

ويرى العوبلي أن من أولويات الحكومة في حال تهيئة الظروف المؤاتية لتأدية مهماتها وتوحيد جهود السلطات المسؤولة، إعادة تشغيل مصافي عدن التي عطّل عملها لصالح متنفذين في الحكومة، يتعمّدون الاستمرار في استيراد المشتقات النفطية لصالح شركاتهم الخاصة، وإعادة تشغيل هذه المصافي، كون ذلك سيخفف من تكلفة ما تصرفه الدولة بالعملة الصعبة، التي تغادر البلد لاستيرادها، كما سيعمل على تغطية السوق المحلية في مناطق البلاد كافة.

مساهمات المانحين لا تساعد اليمن

وأشار إلى بند المساعدات الإنسانية الذي تشرف عليه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وشركاؤها المحليين، واتّهمها بعدم توريد مبالغها لليمن، قائلاً إن المانحين قدّموا إلى البلاد خلال السنوات القليلة الماضية ما يزيد على 28 مليار دولار، استلمت منظمات الأمم المتحدة منها 15 مليار دولار فقط.

وأضاف العوبلي "لو وصلت هذه المليارات فعلياً إلى اليمن ووُرّدت للبنك المركزي ومن ثم الصرف عبره، لحافظت على قيمة الريال اليمني بحكم توفّر السيولة الكافية من العملة الصعبة، لكن ما يحصل هو أن المنظمات الأممية والدولية تحتفظ بهذه المبالغ في بنوك خارج البلاد، ولا تدخل إليها إلا بعض المساعدات العينية التي يكون بعضها منتهي الصلاحية".

استقرار وهمي

وعلى العكس من مناطق الشرعية، تشهد العملة المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين استقراراً ملحوظاً سواء في قيمة الصرف أو أسعار السلع، إذ حافظ سعر الدولار الواحد على مستوى 600 ريال.

وهنا يوضح العوبلي أن القبضة الأمنية التي يفرضها الحوثيون على شبكات الصيرفة، التي هي في الأساس تابعة لهم، إضافة إلى ضعف الطلب على الدولار، أسهم في بقاء قيمة العملة وإن بشكل مؤقت.

وقال إن الحوثيين حافظوا على سعر الـ600 للدولار ليتسنّى لهم نهب الفارق إلى حساباتهم الخاصة.

وخلص إلى أن "هذا الاستقرار وهمي وغير حقيقي لأنه لا ينعكس على أسعار المواد والبضائع التي يستهلكها المواطن".

إجراءات

وفي إجراء أهلي للإسهام في الحدّ من تدهور العملة، أعلنت جمعية الصرافين في عدن (غير حكومية)، الأربعاء، إغلاق جميع محال الصيرفة، عقب التدهور الكبير للعملة المحلية.

ودعت الجمعية في تعميم موجّه لشبكات التحويل المالية المحلية، جميع مالكي شركات الصيرفة ومؤسسات ومنشآت وشبكات القطاع المصرفي بعدن، إلى إغلاق المحال.

وذكرت أن سبب قرار الإقفال هو "التدهور الكبير للعملة المحلية أمام الأجنبية، الذي بلغ رقماً غير معهود، ولما تقتضيه المصلحة العامة".

طوابير الجياع بلا خبز

وفي تطوّر يعكس أولى المآلات المترتبة على الانهيار الاقتصادي، شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن على مدى الأيام الماضية، أزمة حادة وطوابير طويلة أمام الأفران، بعدما أوصدت معظم المخابز أبوابها في وجه المواطنين نتيجة الارتفاع الجنوني في أسعار مادة القمح (الدقيق) والغاز المنزلي.

وقال سكان محليون إن معظم المخابز في المدينة الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، أقفلت أبوابها، فيما شهدت أعداد قليلة من تلك التي ظلت تعمل، زحاماً شديداً من المواطنين الراغبين في شراء الخبز.

وأشاروا إلى أن أسعار الخبز تضاعفت بنسبة 150 في المئة خلال الأيام الأربعة الماضية، إذ وصل سعر الخبز (الروتي) الواحد، إلى 50 ريالاً مقارنة بـ20 ريالاً في الأيام السابقة.

وفي مدينة تعز، نفّذت مخابز المدينة، الثلاثاء، إضراباً عن العمل احتجاجاً على ارتفاع أسعار الدقيق.

ويصرّ أصحاب المخابز في المدينة على رفع أسعار الرغيف الواحد من 25 إلى 30 ريالاً، في حين يشتكي السكان من انخفاض وزن الرغيف على نحو واضح.

تخبط حكومي

وكما يبدو أن الحكومة باتت تعيش حالة من التوهان والتخبط، وراح مسؤولوها يتبادلون التهم.

 وفقدان البوصلة هذا، دفع مسؤولاً في الحكومة الشرعية للدعوة إلى إعادة إدارة البنك المركزي اليمني من العاصمة المؤقتة عدن، إلى صنعاء، وذلك بغية إيقاف تدهور العملة الوطنية.

وقال عضو مجلس الشورى عصام شريم على "تويتر"، "لو كانت إعادة إدارة البنك المركزي إلى صنعاء ستوقف تدهور العملة الوطنية وتعيد الريال إلى أجزاء من عافيته، ولو بالحدّ المقبول، فإنني أدعو إلى عودته إلى صنعاء".

وطالب شريم الذي يعدّ من أبرز قيادات حزب "المؤتمر الشعبي العام"، الحكومة بـ"الإقرار بالعجز والفشل في إدارتها للبنك عبر منظومة الشرعية غير المتسقة أو المتجانسة مع ذاتها حتى".

وقال "أعيدوا البنك إلى صنعاء لتروا من هي الدولة ومن هم الميليشيات... لقد فشلتم وذهبت ريحكم".

وكان الرئيس عبدربه منصور هادي، قد أصدر قراراً بنقل البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن في سبتمبر (أيلول) 2016، لكن العملة الوطنية شهدت انهياراً متزايداً وغير مسبوق.

المزيد من اقتصاد