Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النيجيري فيلا كوتي... مبتدع "الآفروبيت" المتمرد ينهض من قبره

هاجم الجيش داره بالمدرعات وتزوج 27 امرأة في ليلة واحدة

فيلا كوتي خلال حفل أقامه في ديترويت بولاية مشيغان الأميركية عام 1986 (غيتي)

على مر العصور اتخذ الغناء أدواراً له تتعدى الترفيه والطرب إلى التعبير السياسي. ولننظر مثلاً إلى "البلوز" الخارجة من رحم العبودية في الجنوب الأميركي، ولننظر إلى المساهمة التي قدمتها أغاني الاحتجاج إلى حركة الحقوق المدنية عندما نال السود الحرية، وليس المساواة. ولنستمع إلى أنشودات المصري سيد درويش والجزائري مغني الثورة على معاشي واللبناني مارسيل خليفة كمثال للموسيقى باعتبارها محركاً سياسياً جماهيرياً. ولن تجد على وجه الأرض شعباً يرزح تحت نير الظلم من دون مُغنٍّ واحد على الأقل يصدح بآلامه وآماله ويطالب الحاكم – ظاهراً أو باطناً – بالرحيل، وإن لم يستطع فبأضعف الإيمان، وهو الرفق في الضرب بيد الحديد، لكن لا أحد بلغ نوع الآفاق التي أوغل فيها المغني النيجيري الفريد فيلا كوتي (Fela Kuti) الذي أنتج أكثر من سبعين ألبوماً غنائياً على مدى مسيرته الفنية التي استمرت أربعين عاماً، ووصلت إلى النهاية فحسب بسبب وفاته في 1997، وهو في سن الثامنة والخمسين. وقد ذاع صيته في أفريقيا السوداء أولاً، ثم العالم أجمع، عندما صارت أغانيه صوت النضال ضد الديكتاتورية النيجيرية.

ولأن نيجيريا صنعت في الآونة الأخيرة عناوين الأنباء بسبب إضرابات وأعمال شغب كادت تتحول إلى ثورة، فقد ترددت مجدداً – في الغرب على الأقل – سيرة هذا الموسيقي الذي عاش حياة أقرب ما تكون إلى رواية من كاتب خصب الخيال.

حالة خاصة

أفريقيا في العالم حالة خاصة، فبعدما مرت عليها قرون التهجير إلى العبودية، صارت مائدة أولاً للمستعمرين الأوروبيين، ثم لأبنائها الحكام. وفي أفريقيا نفسها صارت نيجيريا حالة خاصة، فقد استقلت عن بريطانيا (1960) بعد أربع سنوات على اكتشاف مواردها النفطية الهائلة. وكان يتوقع لها أن تصبح قوة اقتصادية عظمى لولا أن ثروات النفط صبت في جيوب النخب الحاكمة، بينما ظل السواد الأعظم من الشعب يرزح في فقره القديم. ونتجت عن هذا حالة من الفساد قلما شهدتها أي دولة أخرى. وفي هذا الوضع الفريد، صار محتماً أن يطفو إلى السطح من يرفع راية المقاومة الفريدة، فجاء فيلا كوتي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جمهورية كلاكوتا

كان فيلا كوتي مغنياً وموسيقياً موهوباً، وكان للأمر أن ينتهي عند هذا الحد، وخاصة أنه لم ينل في سنوات شبابه الباكر أي قدر من النضج السياسي، ولم يدخر شيئاً منها للتوجه بفنه خارج العلب الليلية، لكنه عندما تنبه إلى حجم المحنة التي تضرب شعبه وبلاده تحت ظلم الأنظمة العسكرية المتعاقبة، قرر أن يحاربها بنوع السلاح الذي يجيد استخدامه، وهو الموسيقى. وقال في هذا الصدد: "عندما يتعلق الأمر بأفريقيا فإن الموسيقى ليست وسيلة للمتعة، وإنما هي وقود الثورة".

قد يكون هذا كله أمراً عادياً، لكن نوع المعركة التي دارت بينه وبين عسكر بلاده اتخذت لها أبعاداً غير عادية وصلت إلى حد أنه أعلن داره المسماة Shrine "المزار"، والتي فتحها لمحبيه ومريديه في لاغوس دولة مستقلة سماها "جمهورية كلاكوتا". وبعد إنتاجه، مع فرقته Nigeria 70 "نيجيريا 70"، في 1977 ألبوماً باسم Zombie "زومبي" (الميت الحي) صب فيه جام غضبه على الجيش، ورواج الألبوم الكاسح وسط النيجيريين، أرسلت الحكومة كتيبة من ألف جندي تدعمهم العربات المدرعة في 18 فبراير (شباط) العام نفسه إلى داره، فهاجمتها. وفي هذا الهجوم قتلت والدته بإلقائها من نافذة علوية، ونجا هو من الموت إثر الضرب المبرح، لأن أحد القادة الضباط تدخل وأوقف جنوده، لأنه نال ما يكفي من تأديب، لكن الكتيبة دكت الدار وأحرقتها، بما فيها الاستوديو والشرائط الأصلية لتسجيلاته وآلات فرقته الموسيقية.

ورداً على تعدي الجيش عليه توجه كوتي بجنازة والدته إلى الثكنات العسكرية في لاغوس بغرض أن يسلمها التابوت. وكتب أغنيتين إحداهما "تابوت للرئيس"، والأخرى "الجندي المجهول"؛ لأن السلطات زعمت أن جندياً مارقاً مجهولاً هو الذي أحرق الدار.

استمع إلى Zombie هنا:

 

واستمع إلى Unknown Soldier هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=ngCvZ1xibwM&ab_channel=FelaKuti-Topic

27 زوجة دفعة واحدة

لم يكن هجوم الجيش بالمدرعات على دار مدنية لا سلاح فيها غير الموسيقى هو الحدث الوحيد غير العادي في حياة هذا الرجل غير العادي. فبعيد ذلك انتقل كوتي إلى فندق في لاغوس ومعه بطانته الموسيقية المؤلفة في معظمها من عازفات وراقصات وأصوات كورس. فشاع بين الناس أن هؤلاء النسوة مومسات في الواقع مهمتهن إشباع رغباته. وعلم كوتي أن مصدر الإشاعة على الأغلب هو جهاز الاستخبارات، وأن النظام سيستغل الفرصة للهجوم عليه مجدداً بحجة "القضاء على الرذيلة". فما كان منه إلا أن أقام في الثاني من فبراير (شباط) 1978 (الذكرى الأولى لإحراق داره) حفلة عرس ضخمة في لاغوس دعا إليها سائر العاملين في مجال الإعلام وتزوج فيها سبعاً وعشرين من أولئك النسوة في الليلة نفسها - حفاظاً على سمعتهن كما قال. وفي وقت لاحق طلق 15 منهن دفعة واحدة أيضاً قائلاً إنهن ما عدن بحاجة لحمايته.

في ذلك العام نفسه، أقام كوتي – الذي كان يعتبر نضاله أفريقياً، وليس نيجيرياً وحسب – حفلة في العاصمة الغانية أكرا، فأيقظ في الحضور مشاعر دفينة، وعندما أدى أغنية "زومبي" كان كمن أطلق مارداً من قمقمه، إذ انطلق الجمهور في أعمال شغب عام أخمدتها السلطات الأمنية، ثم أبعدت كوتي نفسه فوراً وحظرت عليه دخول غانا إلى الأبد.

وفي 1979 أعلن ترشحه لرئاسة البلاد في أول انتخابات بعد حكم عسكري دام 10 سنوات، لكنه حرم من خوضها باعتباره غير مستوفٍ لشروط الترشح. وفي العام التالي شكل فرقة موسيقية سماها Egypt 80 "مصر 80" قائلاً إن سبب التسمية هو أن مصر الفرعونية بحضارتها ومعارفها أفريقية 100 في المئة، وبالتالي يتعين أن تعاد مصر إلى أمها الأفريقية، وكان ذلك رداً على ما يقال في الغرب من أن الأفارقة غير قادرين على بناء حضارة من ذلك النوع، وتالياً فهي إما حضارة شيدها أوروبيون أو زوار من الفضاء الخارجي.

وفي معرض تأكيده هويته الحقيقية مضى كوتي في سنوات عمره الأخيرة ليعلن وثنيته واعتناقه ديانة اليوروبا العائدة إلى قبيلته وتسود في جنوب البلاد إلى اليوم. وقال إن الديانتين المسيحية والإسلامية كلتاهما مستوردة من الخارج ولا علاقة لأي منهما بالتقاليد والتراث النيجيريين الأصيلين.

شاهده مع فرقته Africa 70 في برلين (1978) هنا:

 

وشاهده مع فرقته "مصر 80" في باريس هنا:

 

محطات أخرى في حياته

ولد أوليفيلا أوليسيغن رانسوم – كوتي في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 1938 في أبيوكوتا (عاصمة إقليم أوغن) في الجنوب الغربي لأسرة ميسورة الحال. ويبدو أنه ورث روحه المتمردة من أبويه، إذ كانت والدته فنميلايو في واجهة النضال ضد الاستعمار البريطاني، وأيضاً من كبار دعاة حقوق المرأة. كما كان والده، إسرائيل، قسيساً أنغليكانياً صار أول رئيس لنقابة المعلمين النيجيرية. ويذكر أن فيلا كوتي والكاتب المسرحي الشاعر وولي سوينكا، الذي صار أول أفريقي يحصل على جائزة "نوبل" للآداب (في 1986)، ابنا عمومة مباشرة.

ولغرض دراساته العليا، أرسل كوتي إلى لندن لدراسة الطب، لكنه انخرط في كلية ترينيتي الموسيقية إذ كان عازفاً ماهراً للترومبيت والساكسفون والكيبورد والطبول، وهنا شكل فرقته الأولى Koola Lobitos "كولا لوبيتوس" (من 50 من الموسيقيين والراقصين والكورس) التي أنتج بها خليطاً من الجاز الأفرو أميركي، والـ"هاي لايف"، وهي موسيقى "الديسكو" النيجيري. وتزوج أولاً من مواطنته ريمي تيلور التي أنجبت له ثلاثة أبناء. وفي 1963 عاد إلى نيجيريا المستقلة حديثاً وعمل مخرجاً إذاعياً حتى 1967 عندما توجه إلى غانا التي صقل فيها أسلوبه الموسيقي الخاص، وهو تركيبة من موسيقى اليوروبا التقليدية والجاز و"الهاي لايف"، و"السالسا" (الصلصة)، والكاليبسو الأفرو لاتينيتين أطلق عليها اسم "آفروبيت" (النبضة الإيقاعية الأفريقية) يؤديها بالإنجليزية المخلوطة باليوروبا.

شاهده هنا في أغنيته Pansa Pansa كمثال لهذه:

 

إلى ذلك الوقت لم تكن الموسيقى بالنسبة لكوتي أي شيء أكثر من كونها موسيقى، ثم أتت نقطة التحول إلى الغناء كسلاح للمقاومة السياسية بعد أن قام مع فرقته بجولة لعشرة أشهر في الولايات المتحدة معظمها في لوس أنجليس. وهناك التقى عضو "الفهد الأسود"، ساندرا سميث – إيزادور، ونشأت بينهما صداقة وشراكة حميمتان فتحتا عينيه على حركة الحقوق المدنية. فتشرب منها أفكاره السياسية التي عاد بها إلى نيجيريا ليشن بها حربه الضروس على دكتاتوريتها وبقية الأنظمة الشمولية الأفريقية (أي جميعها).

كان كوتي أعلى الأصوات الناقدة لحكومة الرئيس محمد بهاري، فأودعته السجن بتهمة تهريب العملة. فتولت قضيته منظمة العفو الدولية، واعتبرته من سجناء الضمير، وقالت إن سجنه جاء لأسباب سياسية محضة، فأطلق سراحه بعد 20 شهراً في عهد الرئيس إبراهيم بابنغيدا. ولدى خروجه من السجن أعلن طلاقه من زوجاته الـ12 المتبقيات قائلاً إن الزواج لا يأتي إلا بالغيرة والأنانية، وإن بعضهن خُنّه مع رجال آخرين، ولذا فهو ليس الأب البيولوجي لاثنين من أبنائه، لكنه نشط موسيقياً، فقام بعديد من الجولات في بلاده، ثم الولايات المتحدة وأوروبا. وكان من أبرز ما أنتجه مع فرقته "مصر 80" ألبومه الذي دان فيه نظام "الأبارتيد" في جنوب أفريقيا وداعميه الرئيسين في الغرب سماه "وحوش بلا أمة" وحمل صورة الرئيسين الجنوب أفريقي بيتر بوتا، والأميركي رونالد ريغان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر.

شاهده يؤدي Beasts of No Nation هنا:

 

وفاته

كبح كوتي جماح إنتاجه من الألبومات الجديدة في التسعينيات حتى أوقف التسجيلات نهائياً، بل إنه رفض عقوداً مربحة لجولات أميركية وأوروبية قائلاً إن أرواح جدوده لا تريد له الخروج من نيجيريا، لكن نظام العسكر لم يجد راحة في ذلك، لأن أعماله السابقة صارت أكثر رواجاً. فاعتقلته مع أربعة من أفراد فرقته (التي صار اسمها Afrika 70) بتهمة القتل، حتى برأتهم المحكمة. وعموماً بدا أن معاركه الشرسة ضد الفساد الحكومي (خاصة في عهد الجنرال ساني أباتشا) نالت من صحته، ثم شاع أنه مصاب بمرض غامض، وأنه يرفض علاجه بالأدوية الغربية. وفي 3 أغسطس (آب) أعلن شقيقه أوليكويو – وكان وزيراً سابقاً للصحة – أن أخاه فيلا مات بمضاعفات الإيدز في اليوم السابق، لكن هذه الرواية قوبلت بكثير من الشكوك، وقيل إن النظام يسعى فحسب لتلطيخ سمعته (في مجتمع يعتبر الإيدز وصمة). وحتى في موته فقد تلقى النظام العسكري صفعة أخرى، إذ سار في جنازته أكثر من مليون شخص، ودفن في فناء داره القديمة "جمهورية كلاكوتا" التي أعاد بناءها، وصارت متحفاً بعد وفاته.

المزيد من فنون