Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مولدافيا" السوفياتية السابقة والنزاع المجمد الذي يذكر بـ"أوسيتيا الجنوبية"

الفائزة في الانتخابات الرئاسية طالبت روسيا بإجلاء قواتها عن حدود بلادها

رئيسة مولدافيا المنتخبة مايا ساندو (أ ب)

طالبت مايا ساندو، رئيسة مولدافيا المنتخبة أمس الاثنين، بسحب قوات حفظ السلام الروسية من إقليم ترانسنيستريا، خلال المؤتمر الصحافي الأول لها بعد الانتخابات التي جرت منتصف شهر تشرين الثاني الماضي.

وقالت ساندو "توجد مجموعة عمليات تابعة للجيش الروسي في ترانسنيستريا، لم توافق مولدافيا أبداً على وجودها، لذا ينبغي سحبها وإزالة الأسلحة الروسية من أراضي مولدافيا". ووفقاً لساندو، فإنها تنوي مناقشة هذه المسألة مع موسكو، كما أشارت إلى أن مهمة حفظ السلام في المنطقة يجب أن تتحول إلى بعثة مدنية.

وأوضحت الرئيسة المنتخبة أن "لا يوجد شيء مشترك بين ترانسنيستريا ونزاع قره باغ، ولا يمكن حل النزاع إلا بالطرق السلمية، وسنواصل العمل بصيغة 5 + 2 لإيجاد حل". هذه الصيغة تضم  كيشيناو وتيراسبول كطرفين في النزاع، إضافة إلى روسيا وأوكرانيا ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا كوسطاء والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة كمراقبين يشاركون في المفاوضات حول تسوية ترانسنيستريا.

استقلال من طرف واحد

وأعلنت ترانسنيستريا، الواقعة شرق نهر "دنيستر" بين أوكرانيا ومولدافيا، استقلالها من طرف واحد عام 1990، حين كانت تابعة لجمهورية مولدافيا الاشتراكية السوفياتية، وأدى إعلان استقلالها إلى حرب بين أنصار الاستقلال والقوات المولدافية عام 1992.

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي أرسلت روسيا قواتها إلى ترانسنيستريا، لإنهاء القتال في المنطقة الناطقة باللغة الروسية، ووقعت اتفاق سلام في عام 1992 مع مولدافيا، انهى نزاعا مسلحاً بين كيشيناو وترانسنيستريا، أسفر عن سقوط آلاف القتلى. وتُعتبَر تلك المنطقة حالياً واحدة من "النزاعات المجمدة" في فضاء الاتحاد السوفياتي السابق.

وتُناقش قضية مولدافيا ومنطقة ترانسنيستريا منذ سنوات في إطار ما يُسمى صيغة 5 + 2، من دون إحراز تقدم. وفي عام 2006، أجرت ترانسنيستريا استفتاءً شعبياً للاختيار بين مستقبل داخل مولدافيا أو الاستقلال، يليه الانضمام إلى الاتحاد الروسي، فحاز الخيار الثاني على أكثر من 97 في المئة.

وكانت رئيسة الوزراء المولدافية السابقة مايا ساندو، القريبة من أوروبا، فازت في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي جرت في 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، وحصلت على 57,75 في المئة من الأصوات متقدّمة بفارق كبير على الرئيس المنتهية ولايته إيغور دودون القريب من موسكو. وعلى الرغم من أن نتيجة الانتخابات الرئاسية تشهد على تأثير النفوذ الغربي في البلاد، إلا أنها قد لا تؤدي إلى التقارب بين الغرب ومولدافيا، لكنها تسلط الضوء على عدم الثقة في قيادة دودون، الذي لم ينجح في تحقيق تقارب مع روسيا، خلال فترة رئاسته.

استفتاء بين الشرق والغرب

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان لهذه الانتخابات مغزى مهم في تقرير وجهة مولدافيا المستقبلية، فمن أهم القضايا المتعلقة بها، هي مسألة علاقة هذا البلد بكل من الاتحاد الأوروبي وروسيا، ومصـير منــطقة "ترانس دنيسـتر" بريدنــيستــروفــيه الانــفــصالــية، وكونها أقرب إلى استفتاء للاختيار بين طريق تكامل أوروبي، أو الإبقاء على النظام الحالي المرتبط بالكرملين.
ما يجري في جمهورية مولدافيا، مرتبط الى حد كبير بموقف المجتمع الدولي من تلك الأحداث، لا سيما روسيا من جهة، والدول الغربية من جهة أخرى، فمواقف تلك الأطراف ستحدد مستقبل النظام القائم، والعلاقة بين السلطة والمعارضة في هذه الدولة السوفياتية السابقة التي يقطنها نحو 3 ملايين ونصف المليون شخص، وتُعد أفقر دولة في أوروبا، كما تعيش نزاعاً انفصالياً مشابهاً للنزاع في جورجيا القوقازية.
مولدافيا إذن، بؤرة التوتر المجمدة اليوم بين الغرب وروسيا، تعاني من الانقسامات العرقية مع إقليمي، غاغاوزيا (أغلبية تركية تتمتع بحكم ذاتي)، وترانسنيستريا (أغلبية روسية مستقلة بحكم الأمر الواقع)، وهما منطقتان قريبتان دبلوماسياً من موسكو. وتناوبت في مولدافيا على السلطة، القوى المؤيدة للتقارب مع روسيا وأنصار التكامل مع الاتحاد الأوروبي، لكن من دون أن يتمتع أي منهما بأغلبية واضحة.

ويُنظر تقليدياً في الآونة الاخيرة إلى أي حدث في الدول السوفياتية السابقة، على أنه صراع مستمر بين روسيا من جهة، والغرب وبروكسل وواشنطن من جهة أخرى، ولطالما سلّطت موسكو في حوارها مع مولدافيا الضوء على الحفاظ على حياد كيشيناو وعدم عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

هناك مصلحة استراتيجية لروسيا في زيادة نفوذها في مولدافيا من خلال دمج كيشيناو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسيوي، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، لكن هذا من شأنه أن يشجع دول المنطقة الأخرى مثل جورجيا على الاقتراب أكثر من الغرب، علاوةً على ذلك، فإن وجود القوات الروسية في ترانسنيستريا وموقف غاغاوزيا الموالي للكرملين يسمحان للروس بالبقاء في المنطقة، بغض النظر عن دبلوماسية كيشيناو.

النزاع المجمد

وتواجه مولدافيا الناطقة بالرومانية، إحدى أفقر دول أوروبا، منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي عام 1991 أزمات سياسية متكرّرة، وهددت في السنوات الأخيرة فضائح فساد كبرى طاولت النخب فيها، المساعدات المالية الغربية الحيوية، علماً أن مولدافيا ليست ذات أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، حيث أن القطاع التنافسي الوحيد هو المنتجات الزراعية، في حين أن فساد الطبقة الحاكمة ورحيل الخريجين الشباب يعيقان ظهور خدمات جديدة ومجتمع مدني نشط. يُضاف إلى ذلك إدارة النزاع المجمّد في ترانسنيستريا، المنطقة الانفصالية الموالية لروسيا والخارجة عن سيطرة الدولة في شرق البلاد على الحدود مع أوكرانيا، وهو النزاع الذي يذكّر بتجربة أوسيتيا الجنوبية.
يبقى القول إن من شأن العلاقات الروسية - المولدافية الجيدة، أن تعرقل أي تقدم محتمل للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي هناك، ويمكن أيضاً أن تجبر أوكرانيا على إعادة النظر في نهجها الدبلوماسي تجاه الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، بالإضافة إلى أن تعزيز التعاون العسكري بين موسكو وكيشيناو من شأنه أن يزيد الضغط على رومانيا، التي تُعتبَر طموحاتها مصدر قلق للمتحدثين باللغة الروسية، وحجة لصالح انفصال ترانسنيستريا وغاغاوزيا، علماً أن بوخارست مؤثرة بشكل خاص لأنها تبنت سياسة "جواز السفر" في مولدافيا، وتمنح الجنسية الرومانية لحامليه الذين يتقدمون للحصول عليها، مع إثبات أن لديهم أصولاً رومانية، وبالتالي منح الجنسية الأوروبية مع مزاياها.

المزيد من متابعات