Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستقبل لبنان بين استكمال تنفيذ الطائف أو زوال الميثاق

بنود أخرى لم تُبحث أبرزها إنشاء مجلس للشيوخ وإلغاء الطائفية السياسية واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة

المبعوث الجزائري الأخضر الإبراهيمي خلال محادثات الطائف في 29 سبتمبر 1989 (أ ف ب)

أكثر من 31 عاماً مرت على وثيقة الوفاق الوطني اللبناني، التي وضعت بين الأطراف المتنازعة في لبنان، بوساطة سعودية في 30 سبتمبر (أيلول) 1989 في مدينة الطائف، وأُقرت بقانون بتاريخ 22 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه منهية الحرب الأهلية اللبنانية بعد أكثر من 15 سنة على اندلاعها، حاسمة الجدل حول عروبة لبنان بتأكيدها أنه دولة عربية مؤسسة في جامعة الدول العربية.

وعلى الرغم من تضمن الاتفاق جدولاً زمنياً لتطبيق بنوده خلال خمس سنوات، إلا أن الظروف التي مر بها لبنان طوال السنوات الماضية، أعاقت تطبيق بنود أساسية فيه والتحايل لتمرير بنود لم يذكرها الاتفاق، مثل بند حل جميع الميليشيات اللبنانية، ما دفع "حزب الله" لتجاوز البند بعد منحه لقب "المقاومة" بدلاً من ميليشيا بعد تدخل من سوريا وإيران، وكذلك بنود أخرى لم تُبحث حتى الآن، أبرزها إنشاء مجلس للشيوخ وإلغاء الطائفية السياسية واعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة، بعد إعادة النظر في تقسيم المحافظات، ما دفع البعض إلى اعتبارها تمهيداً نحو اعتماد النظام الفيدرالي كبديل عن النظام المركزي.

وعدم استكمال تنفيذ الاتفاق أدخل لبنان تحت الوصاية السورية، منذ عام 1990 تحت شعار تنفيذ الطائف، ومن ثم الهيمنة الإيرانية من خلال "حزب الله" بعد انسحاب الجيش السوري عقب اغتيال الرئيس الأسبق للحكومة رفيق الحريري، ودفع بعض القوى السياسية إلى تحميل الفشل لـ"الطائف" فاتحاً شهية آخرين للإطاحة به، سواء تحت عنوان "المثالثة" لضمان حقوق الشيعة في النظام اللبناني، أو "الفيدرالية" لحماية المسيحيين من المتغيرات الديمغرافية، إلا أن آخرين يعتبرون أن المشكلة في لبنان تكمن في عدم تطبيق البنود المتبقية من الاتفاق، وهي كافية لتبديد مخاوف جميع المكونات، وأنه لا يمكن طرح أي تغيير في النظام قبل استكمال تطبيق ما تبقى من بنود.

تمنين المسيحيين

وفي هذا السياق، أشار الأمين العام للمؤتمر الدائم للفيدرالية الفرد رياشي، إلى أنه لا بد من طرح نظام جديد للبنان قائم على الفيدرالية، كون روح الطائف القائمة على المناصفة سقطت لدى المسلمين قبل المسيحيين، وبدأت أصوات إسلامية تمنّن المسيحيين كونهم باتوا يمثلون 38 في المئة من السكان، معتبراً أن المسيحيين هم الأكثر تضرراً من اتفاق الطائف، كونهم لا يحصلون سوى على 20 في المئة من الوظائف الأساسية في الدولة، في حين فلسفة الطائف قائمة على المناصفة، وتقدر نسبة إسهامهم في واردات الدولة الضرائبية والإنتاجية بنحو 70 في المئة، بينما يسيطر الشيعة على المرفأ والمطار ووزارة المالية، وميزانية الدولة تصرف في مجلسي الجنوب والإنماء والإعمار.

وأوضح رياشي أن الأرقام تشير إلى أنه في ظل النظام الحالي هناك مكون لبناني يهيمن على باقي المكونات، وهذا خلل جوهري في تركيبة النظام، معتبراً أنه لو استُكمل ما تبقى من بنود في اتفاق الطائف فإن الخلل سيظل قائماً، مشدداً على أن اعتماد النظام الفيدرالى يزيل الغبن اللاحق بمكونات أساسية للبنان، ويحيي مجدداً الهدف المنشود بالمناصفة بعيداً عن المتغيرات الديمغرافية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

السلاح أعاق التنفيذ

إلى ذلك، شدد النائب السابق فارس سعيد على أهمية اتفاق الطائف، كونه الإطار الناظم للعلاقات اللبنانية اللبنانية، وعلى ضرورة تطبيقه فعلياً وبكل حذافيره نصاً وروحاً، من أجل اكتشاف ثغراته ومن ثم تجاوزه أو تطويره عند الحاجة، سعياً لإنقاذ هذا البلد، مؤكداً أن ما أدى إلى التنفيذ المجزأ لاتفاق الطائف مرده إلى السلاح السوري ومن ثم الإيراني عبر "حزب الله"، فضلاً عن القراءات المغلوطة لهذا الاتفاق، كونه لا يمكن لأي طائفة أن تحقق مكتسبات على حساب الشريك الداخلي، فالمكتسبات للدولة وحدها.

وأشار إلى أن الطائف لم يذكر كلمة "مقاومة"، ولا تبريراً دستورياً لامتلاك "حزب الله" السلاح، ويجب التمييز بين نص الاتفاق والبيانات الوزارية، التي فرضتها ظروف احتلالية أو تسويات ظرفية، مضيفاً أن واقع "المقاومة" فرض نفسه على جميع اللبنانيين، والتف حولها معظم اللبنانيين حتى عام 2000، عند تحرير الأرض اللبنانية بشكل كامل بعد الانسحاب الإسرائيلي، مؤكداً أن سلاح "حزب الله" ليس في إمرة لبنانية، فقرار استخدامه أو حله هو في يد إيران وليس في يد الحزب، وهذا الموضوع لا يمكن معالجته من خلال المطالبة فقط بتنفيذ اتفاق الطائف، إنما يتطلب ظروفاً موضوعية على مستوى المنطقة وتراجعاً للتضخم السياسي الذي يعيشه الفريق الإيراني.

وأوضح سعيد أن ميثاق عام 1943، ارتكز على ثنائية مارونية سنية وهمش الطائفة الشيعية، كما همش أيضاً الدروز، ما أدى إلى انتقال الشيعة من مكون أهلي في اتجاه اليسار والحركة الوطنية وقيام حركة الإمام موسى الصدر، الذي أعطى لحركته عنوان "المحرومين"، ودعا الزعيم الدرزي الراحل كمال جنبلاط الحركة الوطنية للانقلاب على النظام، الذي كان مسؤولاً عن تكريس هذه الثنائية وتهميش الشيعة والدروز، مشدداً على أن اتفاق الطائف أعطى الطائفة الشيعية كياناً، وأدخلها كمكون أساس وشريك في النسيج الداخلي اللبناني، وأعطاها موقعاً أساسياً في المعادلة الوطنية ودوراً يوازي أدوار الطوائف الأخرى، فضلاً عن أن الطائف بدد مقولة الحرمان عبر إدخال عدد هائل من الموظفين الشيعة إلى الإدارات، وأكد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري في أحد تصريحاته، أنه مسؤول عن إدخال أكثر من 10 آلاف موظف شيعي إلى هذه الإدارة، بالتالي من غير المقبول أن يقول فريق من اللبنانيين، وعلى رأسهم الشيعة، إن اتفاق الطائف يكرس مجدداً ما كان مكرساً في عام 1943، وإنه يأتي على حساب الطائفة الشيعية، مؤكداً أنه لا يمكن تعديل اتفاق الطائف على قاعدة موازين قوى، إنما أولاً يجب على اتفاق الطائف أن ينفَّذ، ومن ثم إذا كانت هناك من تعديلات أو تجاوزات أو تطوير، يجب أن يكون ذلك من خلال توافق اللبنانيين فقط لا غير.

مئوية التكاذب

في المقابل، رأى الناشط السياسي المحامي مازن غريب، أنه بعد أن سبق للميثاق الوطني أن أعطى للسلطة رأساً متمثلاً برئيس الجمهورية، وأوجد له بالعرف رأساً ثانياً ممثلاً برئيس مجلس الوزراء، جاءت وثيقة الوفاق الوطني لتزيد عليهما رأساً ثالثاً هو رئيس مجلس النواب، وأصبحت السلطة التنفيذية في لبنان متنازعة بين قوى طائفية متصارعة ثلاث، مارونية وسنية وشيعية بسبب توزيع الصلاحيات بشكل متشابك وغامض.

وأضاف، "اتفاق الطائف لم يكن سوى خليط من برامج الأحزاب والقوى التي تصارعت على الساحة اللبنانية، فأخذت من هذا لترضي ذاك، وجعلت من سوريا وصية على الدولة اللبنانية، التي كرست لها حقوقاً وامتيازات على الأراضي اللبنانية في النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية عبر معاهدة الصداقة والتعاون، التي أعطت سوريا حصتها من التركة"، موضحاً أنه وعلى عكس ما يحاول البعض إشاعته، "وثيقة الطائف لم تكن لبناء دولة عصرية وكيان حر مستقل، بل اعتبرت لبنان غنيمة وأسلاب حرب اقتسمها من في الداخل والخارج، إذ إن تلك الوثيقة، التي جاءت لتوقف القتال، حملت في ثناياها جراثيم مشكلات وصراعات لاحقة طيلة 30 عاماً منصرمة، وليس من فريق واحد آمن بالوثيقة وتبناها، إنما قبل جميعهم بها على مضض، بعدما رأوا فيها وسيلة لإسكات المدفع وفتح باب الحوار، واعتبروها هدنة مؤقتة ومرحلة زمنية وجسراً للعبور إلى وثيقة أخرى من نوع آخر، أي وثيقة تتوافق مع برامجهم وطروحاتهم ومشروعاتهم الأساسية التي بنى كل منهم لبنانه على أساسها".

ولفت إلى أنه بعد أن قبض من أعطي له جزء من حقه، على أمل الحصول على الجزء المتبقي لاحقاً بحصول متغيرات تسمح له بتحقيق ذلك، قبع الجميع بانتظار حدوث معجزة إقليمية أو دولية تسمح لهم بإعادة الجزء الذي دفعوه، مؤكداً أنه من غير الممكن لشعار إلغاء الطائفية السياسية وفق ما جاء في وثيقة الطائف أن يتحقق في لبنان، حيث الطائفية، ظاهرة طبيعية متجذرة في عمق التاريخ، وكانت مسبب وجود لبنان الكبير ومبرره منذ إعلانه عام 1920، ولا يمكن إزالة الطائفية السياسية بقرارات سطحية وفوقية إرضاء لطموحات بعض مكوناته، أو لمجرد مصالح فردية، بل إن هذه الظاهرة الطبيعية تتطلب منا إيجاد التدابير والنظام السياسي والاجتماعي الذي يتوافق ولا يتصادم معها.