Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ليلي مارلين" أغنية النازيين في خدمة الحلفاء

فاسبندر اكتفى في فيلمه بتبديل الأسماء

هانا شيغولا في مشهد من فيلم "ليلي مارلين" (غيتي)

"خارج الثكنة عند زاوية الضوء/ سأظل على الدوام واقفاً انتظرك في الليل/ لكي نبني معاً عالماً لنا نحن الإثنين/ سأنتظرك طوال الليل/ سأنتظر من أجلك أنت، ليلي مارلين/ من أجلك أنتِ ليلي مارلين...

"هذا المساء لن يطلق باغلر بوقه منادياً لامتشاق السلاح/ فأنا أريد مساءً آخر مليئاً بضروب سحرها/ بعده فقط سأقول إلى اللقاء ونفترق في دروب منفصلة/ لأحفظكِ إلى الأبد في قلبي/ دائماً معي ليلي مارلين/ دائماً معي ليلي مارلين...

"هاتِ لي معكِ وردة إشارة منكِ على كم تحفلين لأمري/ واربطي بجذعها خصلةً من شعرك الذهب/ يقيناً أنك غداً سوف تشعرين بالكآبة/ ولكن حباً جديداً سوف يصل إليك/ سيكون من أجلك وحدك ليلي مارلين/ سيكون من أجلك ليلي مارلين..."

هل يمكن أحداً أن يصدق اليوم أن هذه الكلمات البسيطة عرفت يوماً، ومن دون أن يقصد كاتبها، كيف تجابه حرباً عالمية و"تدمّر" معنويات جيش بأكمله تقريباً... لكن بعدما تحوّلت بفضل لحن وُضع لها، إلى أغنية باتت أشهر أغنية في أوروبا في ذلك الحين؟

كلهم غنوا لليلي مارلين

كثر غنوا هذه الأغنية، وعلى رأسهم مارلين ديتريش، لكن عنوانها كان دائماً واحداً: "ليلي مارلين" وهو بالطبع العنوان الذي سوف يختاره المخرج الألماني فاسبندر لواحد من أجمل أفلامه وأكثرها تحدثاً عن النازية والحروب التي دمرت العالم ذات يوم. لكن حتى لو بدا أن العلاقة بين الفيلم والأغنية واهية، فإن الواقع يقول لنا إن النازيين والحلفاء سواء بسواء استخلصوا وجود العلاقة وأهميتها، فتعامل كل منهم مع الأغنية استناداً إلى النتائج التي توصل إليها. فما هي الحكاية بعد كل شيء؟ وكيف يمكن تبسيط ما نقول ووضع هذه الأغنية في موقعها التاريخي وبالتالي... السياسي؟

ولدت الأغنية أصلاً في العام 1914 حين كان الشاعر الشاب والمجند في الجيش الألماني هانز ليب، يقوم بدوره في الحراسة عند مدخل ثكنة، فراح يتمتم لنفسه: "تحت ضوء فانوس عند مدخل الثكنة..." وهي العبارة التي سرعان ما تحولت إلى قصيدة أنجز كتابتها بين 1914 و1915 ليطلق عليها عنواناً مركباً من اسمين: اسم صديقته ليلي واسم صديقة رفيق له تدعى مارلين. بيد أن القصيدة لم تكتمل تماماً إلا في العام 1937، لتظهر في مجموعة له ويموسقها بالتالي صديقه نوربرت شولتز. بيد أن الشهرة لن تطاولها إلا في العام 1941 حين راحت محطات الإذاعة النازية تبثها بصوت ليل آندرسن في تسجيل أول يعود إلى عام 1938. وكان الهدف نشر الأغنية بين جنود الحلفاء لإضعاف معنوياتهم... غير أن القيادات الحليفة التي أدركت قوة تأثير الأغنية سرعان ما قلبت الآية لتنشر الأغنية عبر محطاتها الموجهة إلى المجندين الألمان. وهكذا باتت "ليلي مارلين" الشغل الشاغل لدعاية الطرفين. وبعد حين إذ غنتها مارلين ديتريش تلقفها جنود الحلفاء في الجيش الثامن ليجعلوا منها نشيدهم المفضل وأغنيتهم المفعمة بالأمل، متغاضين تماماً كما فعلت قيادتهم عن كونها في الأصل أغنية نازية، بخاصة أن ديتريش التي كانت قد انخرطت تماماً في الدعاية للحلفاء ضد النازيين، راحت تظهر في الحفلات وهي مرتدية ثياب الجنود الأميركيين وتصدح بالأغنية بتعبير لم يكن يبدو حزيناً إلا حين تنشد "ليلي مارلين" بالألمانية موجهة إلى الجنود النازيين، بينما يتحول التعبير إلى شعور بالفرح والنصر حين يكون البث موجهاً إلى الحلفاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حكاية حب

طبعاً لن يكون من السهل القول هنا إن "ليلي مارلين" لعبت دوراً أساسياً في هبوط معنويات النازية، لكن من المؤكد أن دورها في تعزيز معنويات المجندين الحلفاء لم يكن بسيطاً. أما الحكاية الجانبية هنا والتي عبّر عنها فاسبندر إلى حدّ ما في فيلمه الذي استعار عنوان الأغنية ولعبت فيه هانا شيغولا دور ليل آندرسن، فإنما هي حكاية هذه الأخيرة حيث استعاد فاسبندر في عام 1981، أي قبل انتحاره بأقل من عشرين شهراً، في واحد من أفضل أفلامه، وأشهرها، حكاية المغنية الشابة التي بفضل أغنيتها تلك باتت معبودة الشبيبة النازية، على الأقل حتى اليوم الذي تمكنت فيه من الهرب إلى سويسرا لتلحق عشيقها رولف ليبرمان الذي كان هرب إلى هناك لاجئاً بعدما "اكتشف" النازيون أصوله اليهودية. ولا شك في أن هذه الحكاية لم تلعب دوراً كبيراً في النجاح الاستثنائي الذي حققه الفيلم، بل لعبت ذلك الدور أغنية "ليلي مارلين" التي تشكل منطلق الفيلم.

صحيح أن فاسبندر بنى موضوع فيلمه هذا انطلاقاً من حكاية المغنية ليل آندرسن، غير أنه بدّل في الأسماء - لكن ليس في الأغنية ذاتها بالطبع - إلى درجة أن زوج ليل آندرسن الأخير سيقول حين يشاهد الفيلم أن لا علاقة له بزوجته. ومهما يكن من أمر لن ينكر فاسبندر هذا بل سيقول إنه حاول أن يحقق فيلمه مستنداً من بعيد إلى الحكاية الحقيقية، لمجرد أنه رأى في المشروع كله إمكان تقديم صورة سينمائية جديدة لامرأة من ألمانيا، هو الذي فعل الشيء ذاته في عدد لا بأس به من أفلامه.

 

في انتظار لحظة المجد

في نهاية الأمر أن "ليلي مارلين" فيلم سيرة، لكنها تحمل الكثير مما هو متخيّل، والأغنية حقيقية وجميلة جداً. هي التي صنعت مجد تلك المغنية المغمورة الشابة التي تسمى في الفيلم ويلي وتعيش في زيوريخ السويسرية مغنية في كاباريهاتها في انتظار لحظة المجد. وستأتي تلك اللحظة حين تُقدّم لها تلك الأغنية بالتوازي مع تعرّفها على روبير وهو شاب يهودي ينتمي إلى عائلة سويسرية ثرية تعمل سراً على إخراج اليهود وثرواتهم من ألمانيا النازية. وويلي كما نراها في الفيلم لا تبدو ذات علاقة بذلك النشاط كله. كل ما في الأمر أنها ترتبط بعلاقة حب مع روبير عازف البيانو الثري وترافقه يوماً في رحلة سرية إلى ميونيخ فتبدأ مشكلاتهما إثرها. لكن ليلي تتعرف في الوقت ذاته على القائد النازي هنكل الذي سيكون على الفور طريقها إلى النجاح المدوّي، إذ يساعدها على بث أغنيتها على شتى الإذاعات، لا سيما على أثير إذاعة بلغراد النازية. والحال أن هذا النجاح يؤمن لليلي نوعاً من حماية تنقذها من براثن النازيين حيت يكتشفون علاقتها بروبير. لكنهم لا يستطيعون شيئاً ضدها. كل ما في الأمر أنهم يمنعون أغنيتها، لكن جماهيرهم تنتفض في طول أوروبا وعرضها. وهي نفسها إذ تقابل هتلر المعجب بدوره بأغنيتها، تُفتن به. لكن افتتانها والقبض على روبير يدفعانها إلى نوع من التكفير، غير الواعي على أي حال، حين تقوم بجولة غنائية في الشمال الأوروبي تعود منها بعد زيارة بولندا بفيلم مهرب عن "إبادة النازيين" في هذه الأخيرة. ولئن كان الفيلم سيستخدم دليلاً للإشارة إلى الجرائم النازية للمرة الأولى، سوف يبقى لسان حال ليلي ثابتاً: إنها لا تفقه شيئاً من هذا كله. لكن في النهاية إذ تؤدي أغنيتها على خلفية الدمار النهائي الذي ينهي النازيين، وتحاول بعد ذلك أن تستفيد من "تعاونها مع المقاومة" لدحض تهمة التعاون مع النازيين، فلن تجد من يصدقها. وحتى روبير الذي كان قد تزوج في تلك الأثناء سيتخلى عنها، تاركها ضائعة ذات ليلة غائصة في المجهول.

تلك هي، إذاً، الحكاية التي اختار فاسبندر أن يرويها في الفيلم وقد ابتعد إلى حدّ ما عن الحكاية التاريخية الحقيقية. غير أن حضور الأغنية في الفيلم لم يكن بعيداً بحيث أتى الفيلم في نهاية المطاف نوعاً من تكريم الأغنية المدهشة إنما البسيطة والتي إذ نسمعها اليوم، سيكون من المستحيل علينا أن نصدق أنها لعبت يوماً ذلك الدور التعبوي الكبير... ولدى الجانبين المتقاتلين معاً.

المزيد من ثقافة