Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسكو تستدعي ستوليبين في مسرحية لإصلاح الحاضر

فارس من ذلك الزمان تحت عنوان "رئيس الوزراء قليل الأصدقاء" تعرض إلى 11 محاولة اغتيال

تمثال السياسي الروسي بيتر ستوليبين أمام مقر الحكومة على ضفاف نهر موسكو منذ 2008 (غيتي)

بعد النجاح فائق النظير الذي حققته "مسرحة" قصة حياة الزعيم السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف، عادت موسكو إلى ما سبق وسنته من تقاليد حميدة، تستمد أصولها من تراث "استدعاء الماضي لإصلاح الحاضر". وها هو المسرح الأكاديمي الفني (مخات)، أحد أهم مسارح الدراما في العاصمة الروسية، والذي يحمل اسم الأديب الروسي ماكسيم غوركي، يستدعي شخصية رئيس الحكومة الروسية في مطلع القرن الـ 20، وأبرز رموز الحركات الإصلاحية في تاريخها الحديث، بيتر ستوليبين، لتقديم سيرته ومسيرته في دراما مسرحية بعنوان، "رئيس الوزراء قليل الأصدقاء"!

بيتر ستوليبين رجل الدولة ورئيس حكومة الإمبراطورية القيصرية وفارس إصلاحاتها الحديثة في مطلع القرن الـ 20، عاد ليستعيد رونقه وبريقه في عقول أبناء الوطن وقلوبهم. فمنذ استدعاه الرئيس فلاديمير بوتين في العام 2008 ليشغل موقعه الذي يستحق أمام مبنى البيت الأبيض، مقر الحكومة الروسية على صفاف نهر موسكو، والحديث لم ينقطع عن أبرز إنجازاته التي تحققت في الإصلاحات السياسية والعسكرية ومختلف مجالات الحياة، ومنها التعليم والقضاء والثقافة والاقتصاد والصناعة والزراعة. ولعل الأهم في ذكرى ذلك الإصلاحي المتمرس والمتفرد، يتلخص في أنه كان من أوائل من طرحوا تنفيذ ما أعلنه من إنجازات وإصلاحات، بعيداً من الاضطرابات الثورية والهزات الاجتماعية والسياسية في مسار الدولة. وثمة من يقول إن ما حققه من إصلاحات آنذاك، أضاف إلى وقار الإمبراطورية ومكانة القيصر، من دون أن ينال من النظام الاجتماعي والسياسي للقيصرية.

وكان ذلك من مسوغات عودته إلى صدارة اهتمامات بوتين حين تحول إلى قيادة الدولة من موقعه المؤقت كرئيس لحكومتها في الفترة من 2008 وحتى 2012، وما تلا ذلك من اتخاذه قرار تكريمه وتخليد مآثره، من خلال إقامة تمثاله المهيب الذي يربض شامخاً منذ ذلك الحين أمام مقر الحكومة الروسية على ضفاف نهر موسكو.

من يكون ستوليبين؟

إنه سليل عائلة من النبلاء تمتد أصولها إلى ما قبل القرن الـ 16، ولد في مدينة درزدن الألمانية العام 1862، والتي خدم فيها الرئيس فلاديمير بوتين ممثلاً للاستخبارات السوفياتية "كي جي بي" في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وتلقى ستوليبين دراسته الجامعية في مدينة سان بطرسبورغ، على ضاف نهر نيفا، حيث ولد بوتين ونشأ، ودرس الحقوق قبل أن يلتحق بجهاز "كي جي بي" (لجنة أمن الدولة).

اختار ستوليبين بعد دراسته الفيزياء في جامعة سان بطرسبورغ العمل في وزارة الداخلية بعد سنوات من العمل في جهاز الحكم القيصري قبل انتقاله إلى وظائفه الجديدة محافظاً لعدد من المدن والمقاطعات الروسية، ومنها إلى منصب وزير الداخلية الذي انتقل منه إلى منصب رئيس الحكومة. وكان ستوليبين كثير التشدد والقسوة في تعامله مع الخارجين على القانون، مما جعله هدفاً لكثير من محاولات الاغتيال التي بلغ عددها 11، انتهت الأخيرة بمصرعه على يد مغامر يهودي يدعي دميتري بوغروف (موردخاي)، في بهو دار الأوبرا بالعاصمة الأوكرانية كييف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعبّر الأديب الروسي ليف تولستوي عن احتجاجه على قسوة ستوليبين بقوله، "إنني لا أستطيع السكوت"، وهو ما سارع الإصلاحي المتشدد بالرد عليه بقوله، "إن الضرورة والحفاظ على وقار الدولة يقتضيان ذلك".

وحين انتقد مجلس الدوما استصداره قراراً بحل المجلس ذاته، حين احتج على قمعه ثورة 1905- 1907 بعد هزيمة الإمبراطورية الروسية في حربها مع اليابان، أعلن تصريحه الأشهر، "أنتم تريدون هزات كبرى، ونحن نريد روسيا العظمى".

وورد في مصادر تاريخية أن ستوليبين حاول تحقيق ما فكر فيه من إصلاحات اقتصادية وزراعية إلى جانب تحديث الجيش ووضع روسيا في الموقع الذي تستحق على خريطة البلدان الرأسمالية المتقدمة، من دون تغيير نظامها الإمبراطوري القيصري، مستخدماً في ذلك كل الأساليب التي اتسمت بأقصى قدر من التشدد، بما فيها إعدام المئات من زعماء التنظيمات البلشفية والاشتراكية الثورية.

وتضيف المصادر أن ستوليبين حقق كثيراً من الإنجازات على غرار ما سبق وحققه أسلافه من عظماء روسيا، وفي مقدمهم بطرس الأكبر الذي يسمونه عن حق "باني روسيا الحديثة".

وتوقف المراقبون عند اعتباره أحد أهم فرسان ذلك الزمان الذي يذكرون له قوله المأثور عن "الدولة القوية يمكن أن تهتز تحت وقع الهزات الاجتماعية التي قد تودي بها إلى الانهيار، إذا ما أبدى حكامها أي بوادر ضعف"، وهو ما كشفت عنه الأحداث التي أعقبت ثورة أكتوبر الاشتراكية في العام 1917، ومنها ما اضطرت إليه الدولة من تخليها عن كثير من أراضيها، في فنلندا وبولندا ومنطقة البلطيق، قبل أن تستعيد توازنها وتغير سياساتها مع بدء تطبيق زعيم ثورة أكتوبر فلاديمير لينين ما أطلق عليه آنذاك اسم "السياسة الاقتصادية الجديدة".

بوتين وستوليبين

ولعلنا نرى في مسيرة ستوليبين كثيراً مما يجمعه مع الرئيس الحالي فلاديمير بوتين، في رؤيته لإصلاح الدولة واستعادة روسيا مواقعها بين الدول العظمى بجيش حديث يكون في صدارة القوى العسكرية العالمية، تأميناً لحدود الدولة وحماية لمصالحها. ومن هذا المنظور تستعيد روسيا وأوساطها الثقافية والسياسية والاجتماعية، ذكرى رئيس حكومتها الراحل الذي تعيد له الاعتبار والمكانة.

ومن كتاب يحمل اسم "بيتر ستوليبين" نفسه، صدر ضمن سلسلة حياة العظماء لمؤلفه سفياتوسلاف ريباس، تلقف كاتب النص المسرحي سفياتوسلاف يوريفيتش فكرة استعادة تاريخ إصلاحات رئيس الحكومة الروسية الأسبق ستوليبين، واستعرض مفردات حياته، لينسج منها مسرحيته التي اختار لها عنوان، "رئيس الوزراء بلا أصدقاء"، وكأنما يريد تكرار القول العربي المأثور، "لا كرامة لنبي في وطنه"!

وثمة من وصف المسرحية بأنها "مأساة سياسية اجتماعية" لأحد أهم رموز العصر، فالرجل وعلى الرغم من تاريخه وإنجازاته إلا أنه لم يكن يحظى بمودة وحب وتعاطف الملايين ممن كان يعمل من أجلهم، فقد أثارت قرارات له سخط من تضرروا جراء هذه القرارات، وكان معظمهم من النخبة وأصحاب المال. وفرض مثل هذا التوجه تلك التخمة من الشخصيات التي حرص المخرج المسرحي على استدعائها للمشاركة في هذا العرض المسرحي، بداية من الإمبراطور نيكولاي الثاني وقرينته ألكسندرا فيدوروفنا، وحتى بقية أعضاء العائلة الإمبراطورية ووجهاء العصر من أدباء وشعراء وقادة عسكريين، إلى جانب ممثلي بقية طوائف المجتمع، من دون إغفال "رعاع" ذلك الزمان، بمن فيهم المتطرفون بما اقترفوه من آثام وجرائم.

ولعل من غرائب الصدف أن يصطدم ستوليبين في مسيرته بأحد أهم الرموز التاريخية للدولة السوفياتية، وهو جوزف ستالين باسمه الحقيقي دجوجا شفيللي، وكان لا يزال في مقتبل العمر طالباً في إحدى المدارس الدينية، قبل أن يصبح "أباً لكل الشعوب"، وهو ما شاهده الحضور المسرحي في حوار ستوليبين مع قرينته، حين شرع يحكي لها حكاية ذلك المشاغب، وما آل إليه من مصير في منفاه الإجباري، فيما هي تتحسر أسفاً على ما وصل إليه الشباب ورجال الكنيسة من تدن أخلاقي.

وعن هذا العرض المسرحي الذي تمتد مساحته الزمنية إلى نحو الساعة ونصف الساعة، تتقارب الآراء. فهناك من يقول إنه تعبير عن دراما شخصية لزعيم متفرد الرؤى يستدعيه عصرنا الحالي، بحثاً عما يمكن أن يقيل هذا الزمان من عثراته، فيما يقول آخرون إنه يقترب من المأساة الإغريقية لواحد من أهم نجوم عصره، تباينت في شأنه وجهات النظر بين مؤيد ومعارض، ومحب وساخط، وإن اجتمعوا حول قدراته كرجل دولة من طراز يليق باسم الوطن في فترة من أكثر المراحل التاريخية حرجاً وإثارة، إذ تدور أحداث المسرحية خلال الفترة التي تمتد من 1906 حتى 1911، أي منذ مطلع الملكية البرلمانية وحتى اغتيال ستوليبين في 18 سبتمبر (أيلول) 1911.

العودة والمأساة

ويقول مخرج العرض ألكسندر دميترييف إنه حاول تجسيد هذه الفترة المعقدة من تاريخ الإمبراطورية الروسية التي نضجت فيها الحاجة إلى تقنين مصالح الملكية خلال فترات ظهور أولى أشكال الرأسمالية، أو بقول آخر، مجال رجال الأعمال الذي طرح ستوليبين فكرته، تحقيقاً لمبادرة القيصر نيكولاي الثاني، وكان في حاجة إلى وضع ضوابط لأدائه وتوجهاته.

يمضي ريباس ليقول إن ما جرى من تحولات بهذا الصدد طالت مختلف مناحي الحياة، بداية من التعليم وحتى سياسات الإصلاح الزراعي، لكن مأساة ذلك الزمان تلخصت في سرعة وقوع الصدام بين ستوليبين والنخبة الروسية على وقع تناقض المصالح وتضاربها، وهو ما نجد انعكاساً له في ما يجري اليوم من أحداث تتضارب فيها مصالح اليمين مع توجهات اليسار، على الرغم من انقضاء قرابة 100 عام.

ويضرب مثالاً على ذلك بما نشهده في مطلع القرن الـ 21 من احتدام للجدل حول أهم المشاريع القومية، وما يسمى بقضية الأرض والقضية القومية، بما يحملان في طياتهما من نقاط تقاطع مع الحاضر، على أن ذلك لا يعني التطابق، نظراً لأنه وعلى الرغم من الإغراق في توثيق مشاهد هذا العرض المسرحي والربط بينها وبين ما جرى من أحداث تاريخية، فإن هذا العرض يظل في مجمله في إطار العمل الفني الذي يمكن تطويع توجهاته ومساراته على النحو الذي تسمح به رؤية المخرج وانعكاساتها على المشاهد. 

ولكم أعرب كثير من المشاهدين عن اتفاقهم مع مخرج العرض المسرحي في ما كشف عنه من حاجة اليوم إلى شخصية على غرار شخصية ستوليبين كإنسان عاش حياة سعيدة، اتسمت بكثير من التوازن النفسي في كنف عائلته وأطفاله الذين بلغ عددهم ستة، ومع ذلك اختار مساراً بالغ التعقيد لعمله ونشاطه، مما أسفر وللأسف الشديد عن استهدافه واغتياله في نهاية المطاف.

في هذا الصدد يمكن أن نجد ما قد يكون تفسيراً لما خلص إليه ستالين بعد تسلمه الحكم من تقديرات مغايرة، إذ تحامل على ستوليبين واعتبره مجرد "صاحب فكرة الإصلاح الزراعي الذي سمح بوضع الأسس الاجتماعية التي دعمت مواقع القيصرية في القرية، أو بقول آخر ظهور الكولاك، أو طبقة كبار الملاك، وحملات دهمِ الدرك والشرطة لبسطاء الفلاحين والمزارعين". 

وعن هذه القضايا يقول مخرج العرض المسرحي، إن مجتمعنا المعاصر يبدو في أمس الحاجة إلى شخصية على شاكلة ستوليبين، بطلاً من ذلك الزمان. ويضيف أن المخرج ملتزم في هذا الصدد بالتقيد بوقائع الفترة الزمنية والنصوص التي استقى منها أحداث المسرحية، من دون إغفال السمات الشخصية لأبطال العرض، ويكشف عن رجوعه إلى الوثائق التي تضمنت محاضر اجتماعات ومناقشات عكست كثيراً من أجواء ذلك الزمان، وهو ما لا يملك المخرج حق التلاعب به.

من هنا، كانت التعقيدات التي اتسمت بها ديكورات العرض المسرحي، ومعها إبداعات الفنانين الذين أسهموا في اختيار ملابس المشاركين فيه، بل وكان اختياره للساحة الرئيسة التي تدور فيها أحداث العرض المسرحى داخل الديكورات المشابهة لدار أوبرا كييف التي شهدت واقعة اغتيال ستوليبين. وفي ذلك كله كانت الفكرة الرئيسة لكونها أولاً إشارة إلى مكان وقوع مأساة الاغتيال، وثانياً كمحاولة للإشارة إلى أن أي عمل إرهابي هو مأساة أو مسرحة سيئة لواقع ذلك الزمان.

ومن هنا أيضاً، اختار ومن دون سابق معرفة به، ما قاله الفنان المصري الراحل يوسف وهبي "وما الدنيا إلا مسرح كبير!"، عنواناً لمثل هذا التوجه الفني لمالعجة قضايا العصر.

المزيد من ثقافة