Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكيموف وزير الكرملين والباشا الأحمر في السعودية

فيصل بن الحسين أول من عقد مع الحركة الصهيونية اتفاق تبادل العلاقات في 1919 قبل قيام دولة إسرائيل

كريم حكيموف أول رئيس للممثلية الدبلوماسية السوفياتية في الحجاز ثم المملكة العربية السعودية (ويكيبيديا)

إنه كتاب شديد الأهمية، ليس فقط نظراً لمضمونه وتوقيت صدوره، بل أيضاً "لما يجمع من تقارب في الرؤى والمصائر بين المؤلف، والشخصية التي تمحورت حولها أحداث الكتاب"، بحسب قول الأكاديمي فيتالي نعومكين، الذي قال في كلمته إلى القرّاء، "هناك الكثير مما يجمع بين الشخصيتين. فالمؤلف هو أوليغ أوزيروف الذي شغل منصب سفير روسيا الاتحادية في المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 2010 وحتى 2017، أما الشخصية الرئيسة الثانية، فهو كريم حكيموف أول رئيس للممثلية الدبلوماسية السوفياتية في الحجاز ثم المملكة العربية السعودية خلال الفترتين 1924-1928 ثم 1936-1937".

"كريم حكيموف سيرة حياة"، هو الكتاب المقصود الذي احتفلت بتقديمه الأوساط السياسية والدبلوماسية في العاصمة الروسية، في لقاء خاص نظمته الأكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية الروسية.

وكان ألكسندر ياكوفينكو النائب السابق لوزير الخارجية، والرئيس الحالي للأكاديمية، استهل اللقاء بكلمة موجزة المفردات ثرية المضمون، قال فيها، "إن مثل هذه الكتب تثري ليس فقط المكتبة الروسية، بل تبدو أقرب إلى أن تكون ميثاقاً إرشادياً للدبلوماسيين الشباب، ولكل من يسعى نحو استيعاب فنون العمل الدبلوماسي".

توقف ياكوفينكو عند ما نقله السفير أوليغ أوزيروف، أحد أبرز رجالات الخارجية الروسية الذي قضى بين جنبات السعودية ما يزيد على السبع سنوات، عن زميله غينادي تاراسوف أول سفير للاتحاد السوفياتي في الرياض، بعد استئناف العلاقات بين البلدين في 1990، وهو الذي اعتبر أن استراتيجية ونشاط السفراء الروس كان يمكن أن تصبح أكثر جدوى، لو كانت ظهرت مثل هذه المؤلفات قبل ذلك، في إشارة منه إلى كتابي البروفيسور فيتالي نعومكين والسفير أوليغ أوزيروف عن السعودية. 

وفي هذا الصدد تساءل ياكوفينكو عن ماهية التغير الذي كان من الممكن أن يحدث، وهو ما رد عليه السفير أوزيروف بقوله إن كتابه تطرق ضمناً، إلى "ضرورة مراعاة الظروف والمتغيرات في البلد المضيف، وما تموج به حياته الاجتماعية والثقافية من أحداث، فضلاً عن أهمية الاعتماد على العلاقات الشخصية". استعاد أوزيروف بعضاً من ملامح الماضي، مؤكداً أهمية ذلك المؤتمر الذي أسهم في تنظيمه كريم حكيموف في مكة المكرمة بالتعاون مع جيورجي تشيتشيرين مفوض الشعب (وزير) الشؤون الخارجية في عشرينيات القرن الماضي. 

شراكة لم تتحقق

وربط أوزيروف بين ما قام به حكيموف آنذاك، وما تقوم به اعتباراً من عام 2006 مجموعة "رؤية استراتيجية - روسيا والعالم الإسلامي" التي وقف وراء تأسيسها الأكاديمي الراحل ورئيس الوزراء الروسي الأسبق يفغيني بريماكوف، والرئيس السابق لجمهورية تتارستان بروسيا الاتحادية منتيمير شايمييف، وآخرون من البلدان العربية والإسلامية.

وذكر أوزيروف في المقدمة أنه عكف على كتابة مؤلّفه حول حكيموف منذ سبتمبر (أيلول) 2011، حين جمع في نشاطه بين عمله كسفير لبلاده في السعودية، وتمثيلها في منظمة التعاون الإسلامي، ما جعله يخلص إلى "أن التاريخ مؤثر في الحاضر"، وأن "عدم معرفة التاريخ لا يعفي من المسؤولية". كما أضاف، "أن تجاهل التاريخ أو عدم فهمه، إما أن يضر بعلاقات البلدين، وإما أن يقلص مساحة المناورة أمام الدبلوماسيين".     

ومن هذا المنظور يتناول الكتاب الكثير من "المعلوم والمجهول" في حياة كريم عبدالرؤوف حكيموف ابن "بشكيريا"، الجمهورية ذات الأغلبية السكانية المسلمة في أواسط روسيا الاتحادية. وفي معرض المعلوم في هذه الحياة الثرية الغنية بالمعلومات والمعارف والخبرات، لم يغفل المؤلف ما كتبه سابقوه من أساطين العمل العلمي الأكاديمي والثقافي ومنهم غاديلوف وغوميروف وخيرالدينوف وكوساتش، إلى جانب الأكاديمي الكيسي فاسيليف الذي خص بالذكر كتابه الموسوعي "تاريخ العربية السعودية"، الصادر عن دار نشر "التقدم" في موسكو 1986"، وأوليغ بيريسيبكين السفير السوفياتي الأسبق في اليمن، والباحث السعودي ماجد التركي وكتابه "العلاقات السعودية - الروسية في السياسة العالمية 1926-2007". ولم يغفل المؤلف بطبيعة الحال، الأكاديمي فيتالي نعومكين وكتابه الأخير "شراكة لم تتحقق، الدبلوماسية السوفياتية في العربية السعودية بين الحربين العالميتين".

وفيما استعرض السفير أوزيروف أهم هذه الأعمال العلمية، خلص إلى ضرورة أن كثيرين يريدون معرفة حكيموف الإنسان بكل خصاله وصفاته، وليس من منظور الحاضر وما يحفل به من معلومات، بل أيضاً بعيون معاصريه ممن عاشوا معه وعايشوه.

ومن هنا استهل أوليغ أوزيروف كتابه هذا، بتناول مرحلة الصبا والشباب في حياة كريم حكيموف من منظور ما تيسر من وثائق ومؤلفات، إلى جانب ذكريات أقاربه وذويه ممن لا يزالون على قيد الحياة. قال إن ابن بشكيريا المسلمة ولد في قرية ديوسيانوفو على ضفاف نهر ديوما، محافظة أوفا والعاصمة الحالية لبشكورتستان الروسية، في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1890.

وفيما أعاد المؤلف إلى الأذهان عدداً من مشاهد حياته الاجتماعية وأوضاع ذويه الاقتصادية، انتقل إلى الحديث عن رحلة حكيموف بحثاً عن الله. 

وقال إنه من الخطأ ترديد ما قاله البلاشفة حول أن مواطني ذلك الزمن تحولوا بين عشية وضحاها إلى الحركة الثورية، وتبني شعاراتها فور التحاقهم بصفوف البروليتاريا. وأضاف أنه انطلق في رحلته بحثاً عن الحقيقة في القرآن، بداية من أبناء عقيدته، وما تبع ذلك بين جنبات "المدرسة" التي كانوا يتلقون فيها العلوم الدينية. وتستمر مسيرة البحث عن العلم والمعارف التي لم تقتصر على الإسلام والعلوم الدينية، ولكن كذلك بين ربوع آسيا الوسطى حتى تاريخ اندلاع الحرب العالمية الأولى. وكان حكيموف تلقى من العلم واكتسب من الخبرات ما يؤهله إلى التحول ليكون شخصية سياسية ذات حيثيات، وإن ظل على علاقته بالإسلام ورموز طائفته الدينية، في توقيت مواكب لتحول كثير من المسلمين لاحقاً إلى تأييد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917. 

ويتناول المؤلف التحولات التي طرأت على شخصية حكيموف، وما حدث من مفارقات وخلافات بين الدين والثورة من جانب، وما طرأ من تفاعلات نفسية تحت وقع الإيمان بالثورة وبالشيوعية من جانب آخر، والتمسك بالإيمان والعقيدة الإسلامية من زاوية ثالثة. وتوقف الكاتب عند الخلافات الضمنية بين الاشتراكيين الديموقراطيين غير المؤمنين بالله، وبين المسلمين الموحدين بالله. على أن ما لحق بذلك الزمان من أحداث، رفع حكيموف إلى مصاف الثوريين ورجال السياسة، ضمن صفوف الاشتراكيين الديمقراطيين، بوصفه واحداً من أفضل العارفين بقضيتين أساسيتين، وهما المسالة القومية وما تستند إليه من حق تقرير المصير، إلى جانب ما يتعلق بقضية الأديان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مقارع لينين وستالين

وهذا ما حفظ له موقعاً مميزاً يستطيع من خلاله مقارعة أكبر رموز الحركة الثورية ومنهم لينين وستالين وبوخارين. وكان حكيموف استطاع الانتهاء من دراسته في إحدى مدارس تومسك بغرب سيبيريا، ليشغل بعدها عدداً من المناصب الحزبية والسياسية في أعقاب انتصار الثورة الاشتراكية، وفي توقيت مواكب لمحاولات زعيم الثورة فلاديمير لينين، التقريب بين الإسلام والشيوعية. وكان أوزيروف أورد في كتابه كثيراً من تفاصيل ما جرى من جدل ومناورات حول هذه المسالة، والتي انتهت بنجاح حكيموف في الفوز بترشيح "المركز" لإيفاده مفتشاً إلى تركستان في وسط آسيا، ليسافر إلى طشقند بصحبة القائد العسكري الفذ للجبهة الشرقية فرونزه. وقال إن حكيموف تعلم منه الكثير، وكان له بمثابة المعلم الإنسان، على الصعيدين الحزبي والسياسي.

اللافت أن المؤلف حرص على استعراض عن حكيموف تاريخ هذه المنطقة ومعها ما حققه البلاشفة والجيش الأحمر من انتصارات على الخصوم، مؤكداً على دور حكيموف في تحقيق ما اعتبره نجاحاً، استناداً إلى ما تراكم لديه من خبرات في تلك المنطقة.

في معرض الإشارة إلى تفاصيل ما جرى من مواجهات ومعارك، توقف أوزيروف عند إعلان قيام جمهورية بخارى الشعبية السوفياتية 1919 -1920، وما ارتبط بها من أحداث وتطورات، أسفر بعضها عن هجرة كثير من الأوزبك إلى المنطقة العربية، لينقلوا معهم "ميولهم المعارضة". وتناول انخراط هؤلاء المواطنين الوافدين من آسيا الوسطى مع ما عرف عنهم من تعليم ومعرفة في هيئات السلطة التي شكلها الملك عبدالعزيز مؤسس المملكة العربية السعودية، ومن هذه الهيئات وزارة الخارجية، إذ ظهروا كمعارضين للتقارب مع روسيا السوفياتية ثم الاتحاد السوفياتي، قبل أن يصطدم حكييموف لاحقاً بتلك التوجهات أثناء عمله في جدة.

مزيج الإسلام والشيوعية

وكان حكيموف انخرط في التنظيمات الحزبية في هذه المنطقة حتى انتخابه ممثلاً لسمرقند، ثم عضواً في اللجنة التنفيذية المركزية، أي الحكومة. وقد أقر المؤتمر التاسع للجنة التنفيذية المركزية الدستور الجديد لجمهورية تركستان السوفياتية ذات الحكم الذاتي، الذي حدد مجالات العلاقات المتبادلة مع جمهورية روسيا الاتحادية السوفياتية، وهي علاقة ظلت قائمة إلى حين الإعلان عن قيام جمهوريتي أوزبكستان وتركمانستان عام 1924.

وبكثير من التفاصيل، استعرض المؤلف النشاط الذي بذله حكيموف في الحياة السياسية والحزبية، عضواً بارزاً في قيادات المنطقة، ومشاركا أساساً في كل ما شهدته من أحداث وصراعات من مواقعه القيادية، وآخرها سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في بخارى، ثم ممثلاً لروسيا الاتحادية هناك. وكان ذلك أول منصب دبلوماسي تقلده على صعيد السياسة الخارجية، ولذلك أبلى فيه أحسن البلاء، ولاسيما على صعيد الصراع مع أفغانستان إبان تقسيم جمهورية بخارى.

وإزاء كل ذلك، وجدت القيادة السوفياتية في موسكو أن الوقت صار أكثر من مناسب لانتقال حكيموف من بخارى بعد صدور قرار تعيينه قنصلاً عاماً بإيران في 15 سبتمبر (أيلول) 1921، لمتابعة تنفيذ شروط المعاهدة التي وقعتها روسيا الاتحادية مع إيران في 26 فبراير (شباط) 1921. غير أن الكاتب أوليغ أوزيروف في معرض سرد تفاصيل ما جرى من مداولات في العاصمة الروسية حول تحديد المنصب التالي لحكيموف، نقل عن رشيد شاكروف الباحث التتري قوله إنه جرى آنذاك التفكير في نقل حكيموف للعمل ضمن جهاز المخابرات السوفياتية تحت غطاء دبلوماسي، لكنه سرعان ما تدارك ذلك ليقول إن هذه المعلومة تفتقد المصدر.

المؤلف بالرغم من كل ما سرده من معلومات تتسم بالجدية وتتركز في مجملها حول نشاط حكيموف كرجل دولة معني بالعلاقات الدولية، لم يغفل الإشارة إلى ما هو متعلق بحياته الشخصية، ومنها مسألة زواجه من خديجة عين الدين نوجايفا، إذ قال إنها من عائلة فلاحية تترية التقى بها خلال زيارة لها إلى تركستان ضمن مجموعة من الفنانين الذين وصلوا لتقديم عروضهم الفنية. وأضاف أنهما عقدا قرانهما في يونيو (حزيران) 1921، وأنجبا ابناً سمياه شاميل. ومن هنا أشار المؤلف إلى الطبيعة الرومانسية الفنية لرجل الدولة كريم حكيموف، الذي راقت له فكرة الاقتران بحسناء تترية تجيد الرقص والغناء، الذي ورثته ابنتهما فلورا المولودة عام 1927. لم لا؟ وحكيموف نفسه مال إلى الفنون وهو في مقتبل العمر حين شارك كممثل في إحدى الفرق الفنية خلال نشاطه في أورينبورغ وسط روسيا.

الحقبة العربية

وينتقل أوليغ أوزيروف إلى الحديث عن الحقبة العربية في سيرة كريم حكيموف، وهي التي قال إنها وجدت الكثير من التفاصيل في كتب عدد من الباحثين والعلماء الروس والسوفيات، ومنهم إلكسي فاسيليف وفيتالي نعومكين وغيرهما من أبرز نجوم الأوساط العلمية في موسكو وكبريات المدن الروسية، موضحاً أن كثيراً من هذه الكتب والأعمال العلمية تناول نشاط حكيموف استناداً إلى أرشيف وزارة الخارجية الروسية ومراسلات حكيموف مع قيادات هذه الوزارة إبان سنوات إقامته وعمله في العربية السعودية خلال الفترتين 1924-1926 و1936-1937.

وتحت عنوان، "مصادر اهتمام روسيا بالشرق الأوسط"، استعرض أوزيروف تاريخ اهتمام إمارة موسكو ثم الإمبراطورية الروسية، منذ تعميدها ودخولها المسيحية، بقوافل الحج إلى الأراضي المقدسة في القدس، وما تلا ذلك من أحداث على مر القرون حتى تاريخ حرب القرم في 1854، وهو التاريخ الذي تأسست فيه كلية الاستشراق في جامعة سان بطرسبورج. وأعاد المؤلف إلى الأذهان إسهامات الشيخ عياد الطنطاوي القادم من الأزهر إلى روسيا عام 1840 في تدريس اللغة العربية. كما تحدث عما أعقب ذلك من أحداث سجلت كثيراً من التقارب مع منطقة الشرق الأوسط وأراضيها المقدسة في منطقة الحجاز.

وقال أوزيروف، "إن الإمبراطورية الروسية سرعان ما عززت قوافل الحج لمسلميها إلى الأراضي المقدسة في مكة والمدينة، بافتتاح أول قنصلية لها في شبه الجزيرة العربية عام 1891، والتي وصل إليها في وقت لاحق الشخصية الرئيسة ومحور هذا الكتاب، كريم حكيموف".

موقف لينين من معاهدات "سايكس بيكو"

ولعل من محاسن الصدف أن يكون لينين زعيم ثورة أكتوبر الاشتراكية في 25 أكتوبر 1917، استهل إعلانه الاهتمام بهذه المنطقة بما كتبه في صحيفة "ازفيستيا" بإعلانه في ديسمبر من العام نفسه، إدانة معاهدات "سايكس بيكو"، وإسقاطه كل الاتفاقات التي عقدتها الحكومة القيصرية، وهو ما دفع الشريف حسين إلى بدء اتصالاته مع السلطة السوفياتية. وذلك ما سارعت بالرد عليه بريطانيا في الرابع من يناير (كانون الثاني) 1918 بمذكرة بعث بها مندوب المخابرات البريطانية في القاهرة باسم الحكومة الإنجليزية إلى ملك الحجاز، يؤكد فيها استعداد لندن لدعم قيام دولة عربية موحدة، بينما دعت الشريف حسين إلى بدء الحوار مع ممثلي الحركة الصهيونية.

ومنذ تلك اللحظة رأت روسيا السوفياتية الجديدة، كما يقول المؤلف، إنها "صارت تملك من الأوراق ما يكفل لها حرية التحرك في الشرق الأوسط، لاسيما أن العرب لم يكونوا يريدون التخلي عن خططهم، بل ودخلوا في محادثات مع الصهاينة بناء على رغبة الإنجليز، باسم الدولة العربية التي لم تكن قامت بعد. ففي الثالث من يناير 1919 عقد فيصل ابن الشريف حسين، اتفاقاً مع زعيم الحركة الصهيونية حاييم وايزمان ينص على أن تراعي الدولة العربية وفلسطين التفاهم وحسن النوايا في كل علاقاتهما وما يتخذانه من إجراءات، ولهذا الهدف يجرى افتتاح واعتماد ممثليتين عربية ويهودية". (كتاب "سيرة حياة". أوليغ أوزيروف. موسكو 2020. ص148). 

أما بالنسبة لتاريخ العلاقة بين العرب والسوفيات، بخاصة تاريخ العلاقات السوفياتية – السعودية، فقد أشار المؤلف إلى أنها بدأت مع انعقاد مؤتمر لوزان 1922-1923 الذي شارك فيه وفد الاتحاد السوفياتي برئاسة جيورجي تشيتشيرين وممثلو كثير من المنظمات والحركات العربية من سوريا وفلسطين ومصر والحجاز. وقال إن المندوبين العرب أجروا في ما بينهم كثيراً من المحادثات التي كانت تستهدف دفع البلدان الغربية إلى تنفيذ وعودهم حول منح البلدان العربية استقلالها بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى. 

 

وكشف المؤلف عن أن فكرة افتتاح قنصلية سوفياتية في جدة ظهرت خلال عمل هذا المؤتمر. وكان تشرشل بعث إلى موسكو رسالة يقترح فيها ذلك "على اعتبار أن جدة قريبة من مكة، وبما يعني أن القنصل السوفياتي سيكون في قلب العالم الإسلامي، وبما يكفل إيجاد الفرصة للتقارب مع ممثلي كل البلدان التي تتحاشى التعامل معنا. ومن ثم فإنه يتوجب علينا أن يكون لنا الشخص المناسب في قلب العالم الإسلامي". (كتاب: سيرة حياة. كريم حكيموف ص150).

أول مفوض سوفياتي إلى العرب

ومن هنا كان القرار السريع الذي اتخذه المكتب السياسي لحزب البلاشفة حول إقامة علاقات رسمية مع هذه المنطقة من منظور تدعيم الوجود الجيوسياسي هناك في غضون أقل من أسبوعين. وفي 18 يناير 1923 جرى إقرار عدد أعضاء بعثة التمثيل السياسي في الحجاز بستة أفراد، هم المفوض السياسي وسكرتير ومترجم من العربية والتركية وعاملة طباعة وفرد مراسلة وموظف للحراسة.

 

وكانت موسكو أمام خيار البحث عن الموقع الملائم لأول بعثة دبلوماسية لها في المنطقة، قالوا بإنه من الأفضل ألا يكون في إطار التمثيل الدبلوماسي الكامل، والاكتفاء بقنصلية، ليستقر الرأي في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 1923 عند اختيار جدة مقراً للقنصلية، حين كانت تتبع إمارة نجد التي كان يترأسها الأمير عبدالعزيز بن سعود الذي قالوا "إنه يتسم بكثير من الغموض، وإن كان أكثر نشاطاً وعزماً على توسيع مناطق نفوذه" (ص150).

واستقر الخيار على كريم حكيموف ليكون أول مفوض سوفياتي من أصول إسلامية في منطقة شبه الجزيرة العربية، من منظور مخطط لموسكو حول الربط بين الإسلام والشيوعية، وهو ما لم يتحقق، وانتهي عملياً باستدعاء حكيموف إلى موسكو، حيث صدرت الأحكام بسجنه ثم إعدامه بتهمة التجسس في يناير 1938.

وتلك قصة شديدة التعقيد، متشابكة التفاصيل، متعددة التوجهات والاتجاهات، يمكن تناولها في تقرير آخر من موسكو.