Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتحول مدينة جدة إلى مكان غير صالح للعيش؟

أشارت دراسة محلية إلى أن المصانع والمركبات والمنازل هي سبب معظم الانبعاثات الكربونية في السعودية

مدينة جدة حيث تتوقع دراسة دولية أن ترتفع درجات الحرارة فيها لمستويات غير صالحة للسكن (غيتي)

في عام طغت فيه التحديات العابرة للحدود على التحديات المحلية، بدأت بجائحة صحية لم تعترف بالحدود حتى بعد إغلاقها، تعود اليوم لتقرع الأجراس القديمة التي لا يمكن حصرها ضمن نطاقات جغرافية محددة، بعد تقرير حديث نشره فريق بحثي عن أزمات مناخية قد تجعل مدناً سعودية نابضة غير قابلة للحياة بسبب ظروف لا يمكن التعايش معها.

لكن وقبل استعراض الدراسة، يجدر الإشارة إلى حجم التحديات المناخية المحدقة بالكوكب الأزرق، فبحسب ما نشرته الهيئة المعنية بالتغير المناخي في الأمم المتحدة، فإن العالم بحاجة إلى تغييرات ضرورية بعيدة المدى، تفضي إلى أن يكون صافي الانبعاثات العالمية لغاز ثاني أكسيد الكربون مساو لـ "الصفر" بحلول عام 2050، وهو التاريخ الذي حددته الهيئة كموعد تصبح فيه الأرض في وضع لا يمكن التعايش معه من حيث درجات الحرارة، لو استمر تصاعد الاحتباس الحراري الناجم عن انبعاثات الكربون في معدلاته الحالية.

هل تشيخ عروس البحر الأحمر؟

قاد فريق مشترك من الباحثين يتبع برنامج علوم وسياسة التغيير العالمي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وبمشاركة فريق آخر من مركز مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا للأنظمة الهندسية المعقدة، مشروع الدراسة التي قاست تحديات المناخ خلال القرن الحالي في السعودية، التي ستؤدي على المدى الطويل إلى ارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر، ومن المرجح أن تتسبب في استنفاد موارد المياه الضرورية لتلبية الحاجات الزراعية والصناعية والاستخدام المنزلي في البلاد، في حين تهدد مناطق أخرى قادرة على احتجاز المياه المتبخرة بالغرق، حيث يمكن أن تتسبب في فيضانات شديدة في حدود المناطق المطيرة، تؤذي المساحات الزراعية والبنى التحتية.

 

وسعت الدراسة إلى استشراف تأثير الانبعاثات الكربونية على المناخ في السعودية منتصف القرن الحالي، وذلك خلال الفترة الممتدة بين شهري أغسطس (آب) ونوفمبر (تشرين الثاني)، كونها تمثل الموسم الأكثر جفافاً وحرارة على البلاد، وهو ما اصطلحت الدراسة على تسميته "فترة التطرف المناخي".

وخلصت إلى أن العشرية الواقعة بين الأعوام 2041 و2050 ستشهد ارتفاع درجات الحرارة في جميع أنحاء هذا البلد، بما في ذلك خمسة مواقع استراتيجية على رأسها العاصمة الرياض، والمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى مناطق تدخل ضمن نطاق المشاريع السياحية المستقبلية التي تعمل الحكومة على تجهيزها خلال السنوات العشر المقبلة، مثل منطقة تبوك شمال غربي البلاد.

لكن السيناريو الأكثر سوداوية هو ما رسمته الدراسة لـعروس البحر الأحمر، مدينة جدة الساحلية، وثاني المدن اكتظاظاً وثقلاً من الناحية الاقتصادية بعد العاصمة، حيث ستكون المدينة الأكثر تضرراً بحسب الدراسة التي ترجح أن تصبح غير قابلة للسكن، بسبب زيادة درجات الحرارة ووصول الرطوبة إلى مستويات لا يمكن التعايش معها.

مصدر الانبعاثات

لم تورد الدراسة المشار إليها تفاصيلاً حول أسباب الارتفاع المتوقع لدرجات الحرارة، إلا أن دراسة سابقة أجراها مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كاسبارك)، قالت إن أغلبية انبعاثات الكربون في السعودية مصدرها ثلاث قطاعات رئيسة تستهلك معظم الطاقة المهدرة في البلاد، وهي قطاع الصناعة الذي تبلغ نسبة استهلاكه للطاقة حوالى 44 في المئة من مجمل الاستهلاك المحلي، في حين يحتل قطاع المباني المرتبة الثانية في حجم الاستهلاك، بنسبة تصل إلى 29 في المئة، بينما يأتي قطاع النقل في المرتبة الثالثة باستهلاك مقداره 21 في المئة تقريباً من مجمل الاستهلاك المحلي، بحسب المركز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتسبب هذا الاستنزاف الضخم في إنتاج كربون منبعث وضع السعودية في المرتبة العاشرة في سلم الدول الأكثر إنتاجاً للكربون المهدر ضمن قائمة دول مجموعة الـ 20، بحسب دراسة نشرها مركز "إنير داتا" الفرنسي المتخصص في مجال الأبحاث والاستشارات عام 2018.

ويضيف المركز أن مجموعة الـ 20 التي تضم السعودية، كانت مصدراً لـ 80 في المئة من الانبعاثات الكربونية العالمية في العام ذاته، وكانت السعودية الدولة العربية الوحيدة الأسرع تاريخياً في نمو معدلات الانبعاثات الناتجة من استهلاك الوقود، وذلك بحوالى خمسة في المئة سنوياً.

لكن دراسة "كابسارك" التي أكملت من حيث توقفت الدراسة الفرنسية، كشفت عن أن معدل الانبعاثات الكربونية في البلد شهد ابتداء من العام 2018 انخفاضاً مقداره 4.4 في المئة، ما يعني أن هذا البلد يعي حجم الخطر المحدق، والذي حولها من أسرع دولة في إنتاج الكربون من بين دول الـ 20، إلى ثالث أسرع دولة في خفضه بعد البرازيل وفرنسا.

لكن كيف؟

يطرح هذا التحول السريع في الاستجابة لتحديات المناخ تساؤلاً عن كيفية صنع هذا التغيير، وهو ما يجيب عنه "كابسارك" في استعراضه لتنظيمات الطاقة التي انتهجتها الرياض في سبيل إصلاح سياسات استهلاك الوقود، من طريق "خفض استخدام الطاقة غير النظيفة في المصانع بمعدل 5.48 في المئة، والذي بدوره تسبب في خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 81 في المئة". وزاد، "تم خفض كثافة انبعاثات الكربون في إمدادات الطاقة بنسبة 1.3 في المئة، والتي كانت وراء الانخفاض الإجمالي بـ 19 في المئة، في مقابل زيادة استهلاك الغاز بدلاً من الوقود التقليدي وبخاصة الديزل، الذي تراجع استخدامه بحوالى 43 في المئة".

ويضيف المركز سببين آخرين هما، إصلاح أسعار وقود المركبات، وإصلاح أنظمة البناء من خلال إطلاق "كود البناء" الذي وضع مواصفات عالية الجودة للإنشاءات، ما أسهم في خفض درجات الحرارة المتسربة للمنازل، ورفع كفاءة استخدام الطاقة للوحدات.

وأدت هذه الخطوات التي استهدفت علاج مصادر الانبعاث الرئيسة، الصناعة والمباني والنقل، إلى خفض الكربون في الهواء، بحسب "كابسارك".

"السروات" المستفيد الوحيد

وعوداً على بدء، لا تستثني الدراسة التي حذرت من المستقبل المناخي المظلم للدولة الخليجية الكبيرة أية منطقة في البلاد، حتى تلك المطيرة في غربها وجنوب غربها على مرتفعات جبال السروات، إلا أن استثناء صغيراً يمكن أن يحدث لو تم التعامل مع هذه الظروف بطريقة أكثر نفعية في هذه المناطق بالتحديد.

فعلى الرغم من توقّع فريق الباحثين أن يتسبب هطول الأمطار الكثيف على تلك الجهات في تدمير البنى التحتية والمساحات الزراعية بحلول منتصف القرن، إلا أنها تملك فرصة أن تكون مخزناً للمياه الجوفية في منطقة تشهد شحاً وجفافاً.

إذ تنص الدراسة على أن "الساحل الغربي الجبلي قادر على أن يكون مصدراً للمياه المتبخرة، ما يشير إلى إمكان أن تسهم تلك المناطق في تجميع المياه القادرة على تغذية طبقات المياه الجوفية المحلية، وتمد المناطق الأخرى المجاورة بتعويضات مائية صالحة للشرب"، مما يجعل منها منطقة استراتيجية في عملية التكيف مع أزمة المناخ لتجنب شح المياه، لو تم استغلال العملية بشكل سليم.

المزيد من بيئة وجيولوجيا