Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قليل من الحرية" رواية ترسم مصير عائلة سوداء على مدى 3 أجيال

مارغريت سكستون تغوص في قضايا التمييز العرقي في أميركا وتكشف مظاهره

الروائية الاميركية مارغريت سكستون (دار اكت سود)

يفترض "الحلم الأميركي" أن تتحسن ظروف الحياة على مر الأجيال، وأن يتمكن ابن مهاجر فقير من أن يصبح محامياً أو طبيباً، على سبيل المثال. لكن الأشياء لا تتبع هذا المسار دائماً في بلاد العم سام، تقول لنا الكاتبة الأميركية مارغريت ويلكنسون سكستون في روايتها الأولى "قليل من الحرية" التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود"، وتستكشف فيها إرث التمييز العرقي في الجنوب الأميركي عبر تفحصها قدر عائلة سمراء البشرة في مدينة نيو أورلينز من الحرب العالمية الثانية وحتى عام 2010، من خلال ثلاث سرديات متقاطعة نصغي فيها إلى ثلاثة أصوات متميزة تتصادى.

لدينا أولاً، الشابة إيفلين التي تدرس باجتهاد لافت في الجامعة كي تصبح ممرضة، متمثلةً بوالدها الذي نجح، بعد جهد جبار، في انتزاع شهادة في الطب سمحت له بإيصال عائلته إلى الطبقة العليا داخل مجتمع نيو أورلينز الأسود في الأربعينيات. في مطلع الرواية، نراها تعيش في ثراء نسبي يحميها من واقع أبناء البشرة السمراء القاسي في مدينتها، وتستسلم مع أختها روبي للعبة تقييم الشبان والشابات حولهما وفقاً لمدى بياض بشرتهم ونعومة شعرهم. لكن لا يلبث هذا الامتياز الذي تنعم به أن يصبح عائقاً حين تقع في غرام رونار، وهو شاب فقير يحلم بأن يصبح طبيباً ويعمل ساعات طويلة في مطعم لدفع تكاليف دراسته بأجره البائس الذي غالباً ما يقتطع رجال الشرطة جزءاً مهماً منه كـ"خوة" أو ضريبة لعدم مضايقته وتعنيفه.

لدينا ثانياً، ابنة إيفلين، جاكي، وهي أم منهكة تعاني من إدمان زوجها الصيدلي تيري، ولا تلبث أن تفقده وتفقد معه امتيازات الطبقة الوسطى التي كانت تنتمي إليها مع انتشار مخدر الـ"كراك" الخطير في شوارع نيو أورلينز خلال الثمانينيات. وفي اللحظة التي تتقبل فيها فكرة مغادرة زوجها نهائياً أسرته، تراه يعود جاهزاً لاستئناف حياتهما السابقة، فتحتار بين تصديق وعده بالإقلاع عن الإدمان والاعتناء بها وبابنهما، ويقينها بأنه سيقع مجدداً في محنته ويغادرها، كما حصل ذلك مراراً في السابق.

لدينا، أخيراً، ابن جاكي وتيري، الشاب تي سي الذي كان يحب زراعة القنب أكثر من تدخينه، وكان بارعاً في هوايته هذه قبل أن توقفه الشرطة وترمي به في السجن بتهمة حيازة مخدرات بقصد الاتجار. وحين يخلى سبيله، كانت نيو أورلينز قد فقدت معالمها كلياً بعد إعصار "كاترينا" الذي ضربها عام 2005 وحولها إلى أنقاض. لكن ليست المدينة وحدها هي التي تغيرت، بل تي سي أيضاً إثر تجربة السجن، ولذلك نراه لدى خروجه مسلحاً بقرار بدء صفحة جديدة من حياته وسعيداً بفكرة الاعتناء بالطفل الذي أنجبته صديقته منه. لكن محاولاته ستبوء بالفشل أمام إرث قرون من الاضطهاد للسود في أميركا...

مدينة الإنحدار

وتجدر الإشارة هنا إلى أن سكستون ولدت ونشأت في نيو أورلينز، لكنها لم تختَر هذه المدينة إطاراً جغرافياً لروايتها لهذا السبب فقط، بل لأنها تشكل أيضاً أرضية مثالية لمشاهدة انحدار عائلة سوداء، على مدى ثلاثة أجيال فقط، من حياة في حي يقطنه أبناء الطبقة العليا إلى حياة في حي يقطنه الفقراء. اختيار صائب إذاً سمح لها بتسليط ضوء كاشف على الطرق المختلفة التي تضيف العنصرية بها صعوبات على تلك التي يواجهها أبناء هذه المدينة السود في حياتهم. وفي مقدم هذه الصعوبات قوانين "جيم كرو" العنصرية التي كانت ما تزال فاعلة في الأربعينيات، وبسببها كان على إيفلين وعائلتها التنحي من درب البيض على الأرصفة أو مشاهدة الأفلام السينمائية من المكان المخصص لـ"الزنوج" في صالات العرض. قوانين ألغيت عام 1964، لكن التمييز العرقي بقي على حاله في الثمانينيات، وحتى في مطلع الألفية الثالثة، كما يتجلى ذلك مع رفيق درب جاكي، تيري، الذي يفقد عمله في الصيدلية لصالح أحد أصدقائه البيض، بينما يتابع هؤلاء عيشهم الحلم الأميركي خلال الأسبوع، وتعاطيهم المخدرات في نهايته؛ ثم مع ابنه تي سي الذي يرمى في السجن مجدداً قبل أن يتمكن من الاستفادة من فرصة العمل التي وفرتها له خالته المحامية سيبيل.

وبالتالي، ثمة رسالة مركزية توجهها سكستون في روايتها ومفادها أن العمل الجاد لا يضمن النجاح للجميع في وطنها، والتقدم لا يسير دائماً على خط مستقيم. وهذا من دون شك ما دفعها إلى سرد قصص إيفلين وجاكي وتي سي عبر القفز بين الماضي والحاضر باستمرار وبطريقة تجعل المراحل التاريخية الثلاث المقاربة تبدو وكأنها يوم واحد وراهن لا هوادة فيه، وما يمنح قول رونار التالي كل معناه: "بين 1944 و2010، حصلت تغيرات كثيرة، لكنها ليست كافية لجعل من الماضي زمناً مضى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن اختصار "قليل من الحرية" بموضوع التمييز العرقي ونتائجه الوخيمة في أميركا يقلل من الإنجازات الأخرى العديدة التي حققتها صاحبتها داخلها، كرسمها بورتريه ثرياً بالألوان لعائلة وذهابها في استكشاف محنة أفرادها أبعد من لون بشرتهم، أو حبكها القصص الثلاث التي تسردها بطريقة متشابكة، لكن مع اعتماد لغات مختلفة لكتابتها، ما يمنح الانطباع بأن كتاب ثلاثة يقفون خلفها وليس كاتباً واحداً، ويعكس بالتالي قدرة مدهشة لدى سكستون على تغيير أسلوب كتابتها وتكييفه وفقاً للحقبة التي تقاربها.

وإلى هذين الإنجازين، يمكننا أن نضيف الطريقة الحيوية التي تجسد الكاتبة فيها شخصياتها، على الرغم من القصر النسبي لنصها (228 صفحة)، وهو ما دفع الناقد في صحيفة "نيويورك تايمز" إلى مدح مهارتها هذه بقوله "نجاحها في منح حيوات مستقلة وواقعية لشخصياتها من دون الوقوع إطلاقاً في العاطفية- أو في توأمها القبيح، السيكولوجيا المرضية- ينبئ بكاتبة ذات موهبة تخرج عن المألوف".

يبقى أن نشير إلى أنه كان متوقعاً أن تختم سكستون "قليل من الحرية" مع دخول الشاب تي سي مجدداً إلى السجن، بحكم التسلسل الزمني لأحداثها، أو مع أمه جاكي التي تمثل تلك النساء اللاتي يتأرجحن بين خياراتهن الضيقة ويتركن وحدهن للملمة ما تبقى من حطام حياتهن، بحكم الرسالة المركزية المسيرة على طول صفحاتها. لكن الكاتبة اختارت ختمها بالفصل الأخير والسعيد من قصة إيفلين ورونار، الأمر الذي يرسخ روايتها الآسرة في الحب والأمل، على الرغم من كل شيء، ويمنحها قيمة إضافية.

المزيد من ثقافة