Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"هوغو" يكتشف جورج ميلياس مرة أخيرة قبل نهايته الغامضة

حكاية عن بائع عجوز مكتئب في محطة قطار باريسية

مشهد من فيلم "هوغو" لمارتن سكورسيزي (من موقع الفيلم، الصورة خاضعة لحقوق الملكية الفكرية)

مقابل نحو 150 مليون دولار أنفقها السينمائي الأميركي مارتن سكورسيزي على الفيلم الذي أنجزه عام 2010 حقق القيلم طوال العام التالي أكثر من 185 مليون دولار كمداخيل. ومقابل 11 ترشيحاً لجوائز أوسكار حاز خمس جوائز. كان عنوان الفيلم "هوغو" وهو مأخوذ عن رواية تكاد تكون للصغار تتحدث عن "هوغو كابريه" الفتى الذي يعيش في زوايا محطة قطار باريسية خلال السنوات السابقة على الحرب العالمية الثانية، منصرفاً إلى ابتكارات تقنية صغيرة واستكمال عمل والده الراحل الذي كان يشتغل على دمية آلية متحركة قبل أن يموت تاركاً الولد لمصيره.

جاذبية حكاية حقيقية

كان السؤال يومها: ما الذي اجتذب سكورسيزي إلى تلك الحكاية؟ فكان الجواب: جورج ميلياس رائد سينما الغرائبية الروائية في تاريخ الفن السابع الذي كان بعد مجد صاخب عند أوائل القرن العشرين اختفى تماماً بحيث خُيّل لكثر أنه بات نزيل الكتب والمتاحف والتارريخ لا أكثر. ولكن هاكه في الفيلم: يعمل وقد تقدم به العمر، بائع ألعاب ومكسّرات في رواق محطة القطار الباريسية، وها هو الصبي "هوغو" يكتشفه هناك فيما يعيد اكتشاف دمية أبيه.

من المؤكد أن هذا الحضور غير المتوقع لميلياس في حكاية الفيلم هو ما جذب سكورسيزي إلى المشروع هو الذي كان يهتم به منذ زمن بعيد ويحاول إعادته إلى واجهة الحياة السينمائية. كان الفيلم مناسبة ذهبية لفعل ذلك ولا بد من اقتناصها في لحظة إبداع مدهشة، وصالحة لإعادة ترميم واحد من أشهر أفلام ميلياس "رحلة إلى القمر" وأروعها الذي اقتبسه السينمائي الساحر في العام 1905 جاعلاً منه أول فيلم خيال – علمي في تاريخ السينما، وأول ملوّنٍ بألوان يدوية تفيض شعراً وإبهاراً. ونعرف أن سكورسيزي دمج في فيلمه "هوغو" فيلم ميلياس المرمّم بأكمله فأتى السحر مزدوجاً بل أكثر من ذلك.

في "هوغو" قام بدور ميلياس الممثل البريطاني الكبير بن كينغسلي صاحب الأدوار الرائعة في "غاندي" و"شاتر آيلند" و"لائحة شندلر" وغيرها. وبالتالي كان من الواضح أن اختياره ينقل محور الفيلم من الصبي هوغو إلى البائع العجوز الذي يتبين أنه ليس في الحقيقة سوى جورج ميلياس الذي يعيش آخر أيامه كئيباً يائساً منزوياً يحاول أن ينسى ماضيه وإنجازاته السينمائية الكبيرة بعدما نسيته السينما بحاضرها الواقعيّ، في ذلك الحين، ووضعته في المتحف بينما يقبع هو في ذلك الدكان البائس، حتى يعيد الفتى في الفيلم اكتشافه ويكون سبيلاً لتقديم أسمى آيات التكريم له بعد إخراجه من انطوائه.

هو وأبولينير في سياق واحد

الحال أن ما من سينمائي كُرّم على تلك الشاكلة التي اختارها سكورسيزي نهاية بديلة لسلفه الكبير. ونعرف على أي حال أن ميلياس كان قد كُرّم كثيراً قبل أن يطويه النسيان هو الذي قال عنه يوماً الشاعر غيّوم آبولينير: "السيد ميلياس وأنا، نمارس المهنة نفسها: إننا معاً نضفي السحر على المادة العادية". وطبعاً كان جورج ميلياس، الفنان الغريب الأطور الذي دار الكلام عنه كثيراً على أية حال في عام 1995 لمناسبة احتفال العالم كله بمئوية الفن السينمائي، مع أنه حين رحل عن عالمنا في عام 1938 كان نسياً منسياً مرمياً في مستشفى يموت فيه وحيداً بعدما أُودع فترة في مأوى للعجزة، وهو ما لم يُروَ لنا في فيلم سكورسيزي طبعاً!. مهما يكن فإن اسم ميلياس يعود إلى الذاكرة في كل مرة ينسحر فيها الجمهور بفيلم أميركي، بخاصة، المليء بالخدع السينمائية والمؤثرات الخاصة، بكل بساطة لأنه كان، وقبل أي شخص آخر، المخترع الأول والرائد الأساسي لفن الخداع البصري في السينما.

ولد جورج ميلياس في باريس، قبل ولادة فن السينما بعقود من السنين، ولم يحدث في طفولته وصباه ما من شأنه أن يشير إلى أن فناً كفنّ الصور المتحركة الذي سيبعثه الأخوان لوميار في أواخر العام 1895، سوف يثير اهتمامه. ففي شبابه الباكر عمل ميلياس في صناعة الأحذية حيث اكتسب مهارة يدوية حرفية جيدة، غير أن هذا العمل سرعان ما أثار سأمه فذهب إلى لندن عام 1885، حيث درس ومارس صناعة اللعب ذات الحركة الذاتية وأولع بفن السحر وألعاب الخفة فتعلم منها ما طاب له ثم عاد إلى باريس يمارس مهنة السحر والخديعة في متحف غريفن، ثم اشترى مسرح هوديني الذي كان على وشك الإفلاس، ليمارس فيه مهنته ويلقى نجاحاً كبيراً.

اكتشاف مبكر

بعد ذلك بسنوات كان عرض الأخوين لوميار أفلامهما المتحركة الأولى، وكان من البيّن للجميع أنها ستكون فن الواقع من دون منازع، وأن الصورة المتحركة لن تتمكن إلا من نقل صورة الواقع كما هي. لكن ميلياس كان، ومنذ اللحظة الأولى، قد نظر إلى الأمر من وجهة نظر أخرى: اكتشف باكراً مدى ما في هذا الفن الجديد من إمكانات سحرية، ومن فرص تمكنه من تطبيق نظرياته في مجال الخداع البصري. بيد أنه لم يسرّ بأفكاره لأحد. كل ما في الأمر أنه توجه إلى والد الأخوين لوميار غداة العرض الأول للشرائط السينمائية وعرض عليه شراء الاختراع فرفض الأب. لم يأبه ميلياس بالرفض، بل سارع من فوره ليصنع آلات خاصة به، انطلاقاً من خرائط اختراع أميركي مماثل. ثم جلس يفكر، كيف يمكن الآن المزج بين فن السينما وفن المسرح وفنون السحر والخفة؟

في البداية كان الجواب بعيداً عن إدراكه. لكن المصادفة سرعان ما لعبت دورها، بحسب ما يروي في مذكراته إذ يقول إنه، ذات يوم كان يصوّر بالقرب من ميدان الأوبرا في باريس، مشاهد للسيارات والمارة وفجأة وسط التصوير تعطّلت الكاميرا طوال ساعة متوقفة عن التصوير، والفيلم في داخلها وقد التقط العديد من المشاهد، بعدها عادت إلى الحركة واشتغلت واستأنف جورج ميلياس تصوير مشاهد الشارع وحركة الناس والسيارات وكأن التصوير لم يتوقف أبداً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مفاجأة في الانتظار

بعد ذلك حين حمّض ميلياس الفيلم وظهّره كانت المفاجأة الكبرى في انتظاره: إذ خلال الفترة التي توقفت فيها الكاميرا عن التصوير كانت السيارات قد تبدلت والمارة تغيّروا، وهكذا بدا على الشاشة لدى تتابع المشاهد وكأن السيارات قفزت وتبدلت بقدرة قادر. على ذلك النحو توصل ميلياس إلى ابتكار أولى أساليب الخدع السينمائية وأكثرها بساطة وأقلها كلفة بالطبع، بخاصة أنه لاحظ حين عرض الشريط في ما بعد كم كانت دهشة المتفرجين كبيرة، وكم كان سرورهم عظيماً.

منذ تلك اللحظة لم يكفّ جورج ميلياس عن الاكتشاف والابتكار والتجديد. وكان ذلك قبل عقود طويلة من اختراع المخترعين تلك الأجهزة المتطورة التي تجعل من الخدع السينمائية، الآن، مجرد لعب أطفال. كان ميلياس يحقق "معجزاته" الصغيرة بأسلوب يدوي حرفي معتمداً على الإمكانات التقنية البسيطة، كما على ما لديه من مهارة في فنون السحر والخفة. وعلى هذا النحو امتلأت الأفلام التي حققها، وأربى عددها على الخمسمئة فيلم، بمئات الخدع والمشاهد العجيبة، من صواريخ تنقذف إلى سطح القمر، إلى رجال برؤوس مطاطية، إلى بيوت تختفي إلى حيوانات تمسّخ وغير ذلك من التي صارت من بعده عادية لا يكاد واحد يسأل كيف صنعت. اليوم تعتبر أفلام مثل "رحلة إلى القمر" و"20 ألف قدم تحت الماء" و"الدمية الحية" وعشرات غيرها من كلاسيكيات السينما، ويعاد الاعتبار لجورج ميلياس بعدما طواه النسيان طويلاً، وبعدما كان مصيره مصير الرواد الكبار الذين عرفهم فن القرن العشرين المميز: فن السينما.

المزيد من ثقافة