Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وسائل التواصل الاجتماعي "مسدس غير مرخص" بيد الجمهور العربي

تكشف عوار الرأي والحوار في المجتمعات والاتهام بالخيانة ظاهرة تنتشر بالجزائر والأحزاب العراقية تتخذ منها أداة سياسية للتزييف وانقسامات لبنان تنعكس على منصاتها

كرنفال يصور قاضيا ممسكا بذيل كائن فضائي مكتوب عليه فيبسوك وتطرف وكراهية واندفاع  (أ ف ب)

على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي تهدف في الأساس إلى معرفة الرأي الآخر عبر إرساء ثقافة الحوار البناء، فإن الأمر في عدد من الدول العربية أمسى غير ذلك تماماً بعد ما كشفت منصاتها عن قصور الرؤية لدى الغالبية العظمى من جمهورها وروادها، الأمر الذي أدى بالتبعية إلى عوار أصاب الرأي والمجتمع ليرى تفاصيل المشهد أياً كان بعين واحدة، في وقت يظن أن الصورة مكتملة على هذا النحو ما دامت تتوافق مع هواه وهوى من يوافقه الرأي في ظاهرة سلبية للاصطفاف، بينما يقع مخالفوهم في الرأي تحت قصف السب واللعن والمس بالعائلات والأصول والطعن في الشرف، ناهيك عن تبادل الاتهامات بالخيانة من دون سند أو مبرر، كل هذا جعل بعض الأحزاب والميليشيات السياسية يستغل هذه المنصات ويدشن جيوشاً إلكترونية تقود الجموع الغافلة نحو الانقسامات والفوضى لتعكس الصورة ذاتها الموجودة على أرض الواقع في عدد من البلدان العربية.

"اندبندنت عربية" تفتح ملف الاغتيال المعنوي على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب اختلافات الرأي في البلدان العربية، وكيف أمست هذه المنصات "مسدساً غير مرخص" يستخدمه الجمهور على كل ما لا يوافق هواه، ولو كان حقيقياً يمشي بيننا في الطرقات ويراه هو رأي العين.

الاتهام بالخيانة ظاهرة تنتشر في الجزائر

مع كل مناسبة أو حدث تشتعل معارك عبر وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الجزائر، بين مؤيدين ورافضين، بين مشجعين وناقمين. وتسوء الأوضاع من تبادل الأفكار إلى اتهامات بالخيانة والعمالة وخدمة الأجندات الخارجية.

وعرفت الجزائر مواقف عدة دفعت إلى تبادل اتهامات بالخيانة بين أبناء الشعب الواحد. وتفتح الموضوعات كلها على مصراعيها، من النظام والسلطة إلى الانتخابات واللغة والتاريخ، مما جعل الوضع ينفلت في أحيان كثيرة تدخل فيها القضاء، إذ تطايرت الاتهامات وجرى المس بالعائلات والأصول والطعن في الشرف.

 

 

انحراف وأزمة مجتمعية

يعتقد الباحث في علم الاجتماع السياسي أسامة لبيد أن "المشكلة الأساسية في الصراع الحاصل على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، يستند إلى اللغة والمصطلحات المحملة بمشاعر الكراهية والتخوين والتجريح للنيل من الرأي الآخر، عكس ما يجب أن يكون عليه نقاش الأفكار بعقلانية لتجاوز أي عائق بقوة الحجة". ويقرأ لبيد في "اللجوء إلى هذه التصرفات انحرافاً يكشف عن أزمة سلوكية وفكرية عميقة يعاني منها المجتمع الجزائري، وقد أنجبت فقراً سياسياً تمخضت عنه نزعة شمولية، مما مكن الانتهازيين من الاستحواذ على الممارسة السياسية".

يتابع، أن "هيمنة الأيديولوجية السياسية على التعاطي اليومي وتغييب المعرفة، هما ما أديا إلى الحرب الأهلية الفكرية المشتعلة بين الخصوم الجزائريين الذين يتخندقون في كهوف فكرية وحزبية ضيقة، ويتراشقون بتهم التخوين والتكفير والتخطئة". ويشير إلى أنها "معارك حول احتكار الحقيقة والصواب، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يعتبر كل طرف نفسه هو الممثل الوحيد للفرقة الناجية".

أربعة عوامل

ويرى مدير أحد المواقع الإلكترونية، الإعلامي حكيم مسعودي أن "تنامي سلوك التخوين في المجتمع يعكس حقيقة هشاشة الحوار الاجتماعي بين الجزائريين، بسبب عوامل عدة، أولها، خطاب التخوين الجاهز الذي لطالما شكل إحدى أدوات السلطة لبسط شرعيتها المعنوية على الشعب. فعلى سبيل المثال، خونت السلطة معارضيها واعتبرتهم أذناباً لأطراف أجنبية للدفع بالإحراج عن نفسها وشيطنة الطرف الآخر".

والعامل الثاني، وفقه، هو "خطاب الكراهية والطعن في الرموز الذي بثه سياسيون وإعلاميون لديهم خلفيات تدفعهم إلى البحث عن الانقضاض على الطرف الآخر كلما سنحت الفرصة".

والعامل الثالث، يقول مسعودي، "هو الوضع الهش للحوار والتفاوض الاجتماعي بين الجزائريين بفعل التراكمات التاريخية والسياسية والثقافية الإقصائية، ويجب ألا نغفل أن التخوين هو التعبير الوحيد الذي بقي للجزائريين في ظل العنف المعنوي الممارس عليهم من قبل السلطة التي لطالما اشترت الذمم وفرضت أمراً واقعاً بفضل الذين قبلوا خدمتها مقابل مكاسب ومواقع".

أما العامل الرابع، يختم مسعودي، فهو "الأكثر أهمية"، ويتمثل في "غياب المشروع لدى المتحاورين، سواء تعلق الأمر بمشروع الدولة أو بمشروع المجتمع أو حتى أي إنتاج فكري، بالتالي هو مظهر من مظاهر العجز والفشل التي تدفع إلى التمسك بالحقيقة المطلقة".

عقلية إقصائية

في السياق ذاته، يلاحظ أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر حبيب بريك الله، أن "ظاهرة التخوين تنتشر منذ فترة بين مختلف الأعمار عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما يستدعي دق ناقوس الخطر من أجل التصدي لهذه التصرفات والسلوكيات الغريبة عن المجتمع الجزائري".

ويعتبر أن "العمل على نبذ الفرقة بين أطياف المجتمع أصبحت ضرورة تفرضها دوافع أخلاقية وتاريخية واجتماعية، مع احترام القوانين والتشريعات المنصوص عليها في المواد القانونية التي تحمي الحقوق والحريات"، مشدداً على "ضرورة البعد عن المساس بقدسية الاختلاف في ممارسة الديمقراطية". ويقول إن "ما نراه على مستوى مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص، من تفشي ظواهر التخوين والاتهام بالعمالة الأجنبية وخدمة مصالح بعض الأجندات الخارجية، لا يخدم المجتمع".

 

 

"الجيوش الإلكترونية" تجتاح الساحة السياسية في تونس

في تونس يطغى الخطاب المتشنج على المشهد السياسي، ويتجلّى من خلال العنف اللفظي المستشري في الخطاب، تحديداً تحت قبة البرلمان، الذي أصبح موسوماً بالصراعات الأيديولوجية الحادة، على حساب المصلحة الوطنية، ما أفقده وجاهته بالممارسة السياسية بنظر التونسيين. وتعود جذور الخطاب العنيف، وغياب ثقافة الحوار، وعدم الاستئناس بالرّأي المخالف، إلى إرث ثقيل، تراكم بفعل سنوات من الاستبداد، والعلاقة العمودية بين الحاكم والمحكوم، وربّ الأسرة وبقية أفرادها.

التمرين الديمقراطي الصعب

وأرجع أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس محمّد الجويلي، هذا الواقع إلى "صعوبة التمرين الديمقراطي بالنسبة إلى الشعوب التي مرت بفترات طويلة من الاستبداد"، مشيراً إلى أن "التجربة الديمقراطية الأميركية اليوم، على الرغم من عراقتها، تواجه صعوبات، حيث شهدت الحملة الانتخابية للمرشحَين الديمقراطي والجمهوري حالات من السب والتخوين وحتى العنف".

وأضاف، أن "الديمقراطية رياضة يومية، تُراكِم الشعوب من خلالها قيم التفكير الحرّ، مهما اختلفت الآراء، والقبول بالتنوّع، والاستئناس بالرأي المخالف"، مشيراً إلى أنه "من السهل بناء مرحلة من الاستبداد، إلا أنه من الصعب تدريب المجتمعات على الديمقراطية، لأن إرث الاستبداد ورفض الرأي الآخر، أصبح ثقافة متغلغلة في سلوكنا، وحياتنا اليومية بدرجات مختلفة".

فضاء يعج بالعنف والكراهية

ودعا الجويلي إلى "ضرورة قبول النقد، من أجل توسيع الرؤية حول موضوع أو فكرة"، مؤكداً أن "تونس اليوم، تعيش مرحلةً صعبة سياسياً واقتصادياً"، معتبراً أن "ترسيخ ثقافة القبول بالآخر المختلِف، يتطلّب وقتاً، لذلك يلجأ الفاعل السياسي اليوم في تونس، الذي يرفض الآخر المختلِف عنه، إلى تخوينه وتشويهه بكل الأشكال والوسائل، من أجل تقزيمه، وإضعافه. وهي عقلية استبدادية كامنة، تتجلّى من خلال بعض الاستخدامات المنحرِفة لتطبيقات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تعجّ بخطاب الكراهية والعنف والشتم والتشويه والمسّ بالخصوصيات، بسبب أن المنافس مختلف إيديولوجياً أو سياسياً".

وأشار إلى أن هذه المنصّات (السوشيال ميديا) "تتيح الانتشار على أوسع نطاق، وفي حيّز زمني وجيز، لذلك تفطّن الفاعل السياسي لهذه الخصوصية، وأمعن في استخدام هذه المنصّات لتشويه الخصوم السياسيين، وتخوينهم، وليس لمراكمة الأفكار، ومناقشتها، من أجل المصلحة الوطنية".

الدعاية والدعاية المضادة

وتشاطر أستاذة الإعلام والاتصال في معهد الصحافة وعلوم الإخبار سمية رجب هذه المقاربة، إذ تعتبر أن "منصات التواصل الاجتماعي، مجال رحب للدعاية، والدعاية المضادة، التي تنتج خطاباً مشحوناً بالكراهية، والعنف، بخاصة خلال الأزمات السياسية، أو الاجتماعية، ويتم فيها تحميل جهات سياسية مسؤولية تردّي الوضع، على غرار الوضع الصحي جراء تفشي فيروس كورونا. كما تم في مناسبات عدة تخوين جهات سياسية واتهامها بمحاربة النمط الثقافي المجتمعي في تونس، علاوةً على شيطنة الآخر المختلف، والتحريض عليه. وشهدت البلاد اغتيالات سياسية نتجت من التحريض وانتشار خطاب العنف في المشهد السياسي.
وشبّهت سمية رجب، وسائل التواصل الاجتماعي، "بغرف استقبال لمختلف المواضيع السياسية والثقافية والاجتماعية"، مشيرةً إلى أن "موقع فيسبوك تحديداً، يعكس كل ما يدور في الفضاء العام في تونس، بخاصة عندما يتعلق الأمر بقضية تثير جدلاً في المجتمع، فسرعان ما تتحوّل، بعدما تكون أحياناً معزولة، إلى قضية رأي عام، ما يعكس قدرة هذه المنصات على الانتشار".

الحشد الإلكتروني

واعتبرت رجب أن "للمؤثرين في هذا الفضاء، القدرة على تحويل الأحداث إلى قضايا قوية، عبر استخدام أسلوب "الحشد الإلكتروني"، من أجل الدفع نحو تحصيل رد فعل من الحكومة أو غيرها، وقد تحولت بفضل هذه المنصات أحداث عدة إلى مساءلات سياسية، على غرار مقتل الشاب آدم، والاعتداء على الشابة رحمة، وغرق طفلة في بالوعة في ضاحية المرسى في العاصمة، وهي أحداث تداولتها منصات التواصل الاجتماعي بكثافة ما دفع بالحكومة إلى تسريع اتخاذ إجراءات بشأنها".

على الصعيد السياسي، أكدت أستاذة الإعلام والاتصال أن "الأحزاب في الحكم أو المعارضة، تستخدم ما يسمى بـ"الجيوش الإلكترونية" من أجل تصفية حساباتها السياسية"، مشيرةً إلى "حملات إلكترونية على فيسبوك نظمتها حركة النهضة من أجل الدفاع عن مصالحها السياسية، أو ضرب خصومها عبر الشيطنة والتخوين وصولاً إلى التشهير وهتك الأعراض".

ضبط منصات التواصل

هل يستدعي هذا الوضع ضرورة التفكير في ضبط هذه المنصّات أو تعديلها؟ سمية رجب أجابت بالتعبير عن تخوّفها من المساس بالحريات، فمصطلح "الضبط" يحيل، في تقديرها، مباشرةً إلى التضييق على حرية التعبير، وفضّلت عبارة "تعديل" هذه المنصات "من خلال وضع مدونات سلوك تفرض احترام الآخر المختلف سياسياً، وعدم المسّ بالخصوصيات أو الانتهاكات الأخلاقية أو نشر صور مستفِزّة أو عنيفة، من أجل حماية المراهقين الذين يستخدمون هذه المنصّات بكثافة وقد يعمدون إلى إعادة إنتاج العنف أو تقليد ما يشاهدونه من فيديوهات صادمة".

التداول العقلاني والرأي العام

تعديل هذه المنصّات سيقطع الطريق أمام بعض "الغوغاء" المتستّرين بها، لنشر العنف والكراهية، ويفسح المجال أمام النخب الثقافية والسياسية لممارسة النقاش البنّاء والتداول العميق للأفكار. فمَن يصنع فعلاً الرأي العام في تونس اليوم؟

يؤكد أستاذ الإعلام في معهد الصحافة إبراهيم البوغانمي، أن "صناعة الرأي العام في البلاد، عملية معقدة وغير ثابتة نظراً إلى ارتباطها بمتغيرات المشهد السياسي"، مشيراً إلى "عدم وجود جهة بعينها تحتكر صناعة الرأي العام، بل إن هذا الفعل يتقاسمه طرفان على الأقل، هما الفاعلون الواقعيون والفاعلون الافتراضيون".

وأوضح البوغانمي، "يعمل الفاعلون الواقعيون كالإعلاميين، على توجيه الرأي العام، نحو قضايا بعينها على حساب قضايا أخرى. ويصنع تشابك المال والسياسة، استراتيجية تأطير الأحداث وفقهما".

ولفت البوغانمي إلى "أفول نجم وسائل الإعلام الكلاسيكية، مع ظهور الإنترنت. كما انتزعت الميديا الاجتماعية (مواقع التواصل) جزءاً مهماً من صناعة الرأي العام، من يد السياسيين والإعلاميين، عبر تفكيك التصريحات والأفعال والأحداث وتدويرها، مستفيدةً من التطور الهائل للتكنولوجيا الذي كسر فكرة المُرسِل والمتلقي الرّابضَين على طرفَي مسار خطي، بل أضحت العملية دائرية تفاعلية وتشاركية. وهي خصوصية تفطّن إليها الفاعلون السياسيون الذين باتوا يستعينون بما يسمى "الذباب الإلكتروني" لتمرير أفكارهم والترويج لوعودهم".

مدونة سلوك للحد من العنف الإلكتروني

وأبرز البوغانمي، أهمية اعتماد الفاعلين السياسيين في الانتخابات التشريعية والرئاسية الأخيرة في تونس، على وسائل التواصل الاجتماعي، مستشهداً بالرئيس التونسي الحالي قيس سعيد "الذي صنع حوله رأياً عاماً مؤيّداً داخل الفضاء الافتراضي".

وزاد أنه "انطلاقاً من أن السوشيال ميديا مُتاحة، وغير مقنّنة، سمح المستخدمون لأنفسهم بممارسة (العنف الإلكتروني) من خلال تشويه الخصوم، وتسميم الفضاء العام، بأفكار متطرفة". ودعا إلى تبني مدونة سلوك واضحة، تحدد كيفية استخدام هذه المنصات وحدودها.

الاحتماء بالجهة والقبيلة

أمام ما يعجّ به المشهد السياسي في تونس، من مظاهر العنف، وتفشي ظاهرة الإفلات من العقاب في جرائم التحريض والكراهية على منصات السوشيال ميديا، أصبح الاحتماء بالجهة والقبيلة ملاذاً لبعض الفاعلين السياسيين من أجل "شرعنة" وجودهم.

أكد أستاذ علم الاجتماع بالعيد أولاد عبد الله، أن "العروشية (الانتماء إلى عائلة كبرى) في تونس لم تندثر، كما يتم الترويج لذلك"، وهي بتقديره "نعرة كامنة في الوجدان، والعقل الباطني، تحفّز خلال الأزمات، بخاصة عندما تضعف الدولة ومؤسساتها". واستشهد بلحظة سقوط نظام زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011، عندما تفككت مؤسسات الدولة واحتمى التونسيون بعشيرتهم، وتولى الشباب حماية أحيائهم السكنية وشكلوا لجان حماية بطريقة تلقائية".

تابع، إن "المصالح الحزبية الضيقة، طغت اليوم في الممارسة السياسية، وبات الانتماء إلى الوطن شعاراً انتخابياً ممجوجاً. ويأمل التونسيون من الطبقة السياسية الالتفات إلى أوضاعهم، والعمل على معالجة همومهم، والكفّ عن العراك السياسي باستخدام كل الوسائل بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي"، داعياً إلى "ضبط هذه المنصات وتحديد المسؤوليات لكل مَن يتجاوز الحدود". ولفت إلى "نفور بعض النخب من ممارسة العمل السياسي، توقياً لشرّ التشهير، والقدح، والمسّ بالأعراض على هذه المنصات".

 

 

التواصل الاجتماعي يؤجج الخلافات الافتراضية في لبنان

أما في لبنان، وفي ظل النظام القائم على الانقسامات والفوضى والفساد، فلا يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تكون مستقلة عن هذه الأجواء بل تعبر عنها، وذلك يعود إلى عدم وجود أحزاب وطنية تتحدث بمنطق الدولة، إذ إن معظمها يتحدث بمنطق الزعماء والطوائف، وهذا ما يزيد الإشكالية.

ففي الموضوع الحكومي مثلاً، تأخذ الانقسامات مداها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لدعم فريق سياسي أو معارضته وتزداد الأمور سوءاً مع استخدام ألفاظ نابية كالسب أو التخوين أو اتهام البعض بـ"خدمة أجندات خارجية". ولا تهدأ حدة النزاعات إلا بعد نداء الزعماء للتخفيف منها. وبالتالي باتت وسائل التواصل الاجتماعي بعيدة عن صياغة وعي وطني شامل لأنها تخضع لمنطق الانقسامات.

حملات إلكترونية

تقول المستشارة الإعلامية والصحافية ليلى حاطوم عن تجربتها بهذا الشأن، "تعرضت لحملات عدة، خاصة عندما كنت أبدي رأيي وأنتقد سلوكيات حزب معين أو قرارات دولة ما، إذ تتم مهاجمتي من قبل جيوشهم الإلكترونية عبر منصة "تويتر". للأسف في لبنان، لا تزال القوى الحزبية تتدثر بشعارات (العمل من أجل مصلحة الوطن)، لكنها في الحقيقة تعمل للحصول على السلطة والاستئثار بها لصالح تمرير أجنداتها ومشاريعها. وبالتالي، تعمل على تأجيج الصراعات بين أبناء الوطن الواحد، خصوصاً أنها تحيا وتستمر بعدد متابعيها، ويزداد هذا الأمر سوءاً مع الأحزاب المبنية على أساس عقائدي إذ تنتشر الجيوش الإلكترونية لإثارة النعرات أو لدعم موقف معين".

الأحزاب و"بروباغندا التخوين"

في هذا الإطار، يشرح رئيس قسم الإعلام في الجامعة اللبنانية الأميركية جاد ملكي الإستراتيجيات الإعلامية التي تتبعها معظم الأحزاب السياسية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويوضح "أن أسهل وأسرع "بروباغندا" في الرد تكون من خلال تخوينهم وربطهم بأجندات أجنبية، إذ إن اعتماد ثقافة الحوار باتت تتطلب كثيراً من الجهد والوقت"، معتبراً أن "مشكلة الإعلام الجديد أننا لا نعرف هوية المستخدم ولا يوجد أي شخص يتحمل مسؤولية كتاباته".

ويرى أن "الحملات الإعلامية ليست بالضرورة مبنية على الجهود البشرية، بل أيضاً على التقنيات والبرامج الحديثة والذكاء الاصطناعي لضخ هذه المعلومات"، لافتاً أن "تنظيم داعش قد اتبع هذه الإستراتيجية في التسويق لنفسه إعلامياً، إذ كان سباقاً في هذه الأمور، ولولا الاحتراف الإعلامي لما استطاعوا أن يصلوا إلى ما هم عليه اليوم والدخول إلى حياة الناس".

وعن سلوكيات التخوين أو الاتهام بالعمالة، بحسب ملكي، فهي نابعة من فكرة "الهجوم الشخصي" المتعارف عليها في الثقافة البشرية منذ آلاف السنين.

ويعتبر أن "المشكلة التي نواجهها اليوم عبر هذه المنصات هي الاستسهال في الهجوم والرد العنيف من دون بذل أي جهد للبحث ومعالجة النقاش بطريقة مقنعة وحوارية. وأحد الأسباب التي عززت الموضوع، النظرية الإعلامية التي تدعى بـ"التعرض الانتقائي"، إذ يبني الفرد اختياراته على الموضوعات التي تتشابه مع وجهة نظره فقط، وبالتالي يدور الفرد في فلك خاص به ما يعرف بـ"فقاعات التصفية".

وبناء عليه، تعمل وسائل التواصل على تأجيج التصرفات العدوانية، بخاصة أنها لا تخضع لأي ضوابط. ويعتبر خالد ناصر المحاضر في التواصل بالجامعة اللبنانية الأميركية والاستشاري في العلاقات الأسرية أن "الأشخاص الذين يلجأون إلى خلق الإشاعات أو تصديقها هم الأشخاص الذين يشعرون بأنهم مستضعفون. وبناء عليه، تتعطل آلية النقد الفكري لدى الفرد. كما أن عملية "التعرض الانتقائي" تزيد من نسبة التقوقع وتعيد صياغة الأفكار ذاتها، وبالتالي يعيش الشخص داخل فقاعة أو دائرة خاصة به يلجأ إليها للاحتماء. إضافة إلى أنها تعمل على تعزيز التعميم غير الموضوعي وإطلاق الأحكام المتسرعة بناء على التجارب الشخصية وليس العلمية، وذلك ما شهدناه مع وباء كورونا المستجد".

مقاومة الخوف

وعن الأسباب والدوافع الأساسية التي تنتج عن ذلك، يؤكد ناصر أن "الخوف هو الدافع الرئيس في تحديد السلوك العدواني خاصة الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة. وبالتالي تشكل هذه المنصات هروباً من الواقع إلى البيئة التي تمثله، وهذا ما يعرف بحالة (التنافر المعرفي)".

ويشير الى أنه "تطغى في لبنان تحديداً نسبة مرتفعة من القلق العام وهي موزعة على كل الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتعمل الاصطفافات الطائفية على تعزيزها. لذلك كلما ازداد الخوف من الآخر وكلما اعتبرت مجموعة معينة أنها تشكل خطراً على الأخرى تزداد حدة الصراعات. والمؤسف في لبنان أن الأحزاب تعمل على استغلال هذا الموضوع لمصالحها الشخصية".

الحلول والاقتراحات

بما أننا بتنا اليوم نتعايش مع واقع يفرض الرأي العام ويحركه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فـ"الضوابط القانونية المتطورة"، و"التثقيف المجتمعي"، و"إعادة تأهيل القطاع الإعلامي"، و"تعزيز الهوية الاجتماعية"، هي مجموعة من الحلول اقترحها أهل الاختصاص باعتبار أنها تحد من الانقسامات والنزاعات الوطنية وتداعيات هذه التصرفات على هذه المنصات المتشعبة.

وترى حاطوم، أن "من يملك المال والقوة، يستطيع السيطرة على المنصة ومستخدميها ويفرض الـ"ترند" أو "التوجه" الذي يريده لتأجيج الشارع خدمة لمصالحه"، مشيرة إلى أن "هذا الأمر أرغم عدة دول عربية وخليجية على وضع قوانين متطورة تحكم هذا الفضاء الافتراضي، وكذلك فعلت الشركات العالمية التي تدير هذه المنصات كـ"غوغل" و"تويتر" و"فيسبوك" وغيرها لمحاربة الأخبار الكاذبة من خلال إغلاق بعض الحسابات الوهمية أو تجميدها أو حذف تغريدات كعقوبة لمخالفة قوانين النشر التي يتبعونها".

من جهة أخرى، يؤكد ملكي أنه "مع حرية الإعلام وضد الضوابط القانونية لأنها تستغل بشكل خطأ من قبل الدولة"، مشدداً على "أهمية تثقيف وتربية المجتمع إعلامياً في القطاع التعليمي ليدركوا أهمية دور الإعلام في المجتمع، ولكي يعالجوا هذه المعلومات بطريقة حضارية تعزز أطر التواصل".

بدوره، يطالب ناصر بـ"إعادة تأهيل القطاع الإعلامي ككل على أسس الديمقراطية والمساءلة والمحاسبة"، مشدداً على "أهمية أن نتفهم ونستوعب اختلافاتنا وتنوعنا الطائفي لتعزيز الهوية الاجتماعية والوطنية".

 

 

وسائل التواصل الاجتماعي في العراق للتشهير والكراهية

على الرغم مما حققته وسائل الإعلام الحديثة من اختصار المسافات وتسليط الضوء على قضايا لم تكن تتداول في الوسائل التقليدية، فإنها في جانب آخر أصبحت وسيلة لإثارة الكراهية والتعصب، عبر جيوش إلكترونية حزبية حاضرة باستمرار لكي تشهر سلاحها أمام من يختلف عنها في الرأي.

يصف كرم نعمة الكاتب ومدير تحرير صحيفة "العرب" اللندنية، مواقع التواصل الاجتماعي بـ"مسدس غير مرخص بيد أكثر من ثلاثة مليارات مستخدم"، مشيراً إلى أنها "مسدسات لا تجيد لغة الحوار، فـ"فيسبوك" مهمته المعلنة جعل العالم متصلاً مع بعضه وأكثر انفتاحاً، لكن مثل هذا العنوان الفضفاض يمارس بالفعل ضغوطاً كبيرة على طبيعة حياة الإنسان المعاصر. لأن هذه الشركة دولة رقمية عظمى مارقة تضم أكثر من ملياري مستخدم خارجين عن السيطرة".

وذكّر نعمة بتعبير المخرج جيف أورلوفسكي بأننا جميعاً وقعنا "صفقة الشيطان" مع منصات العالم الافتراضي، وهو نموذج عمل وحياة غير طريقة تفكير وسلوك الإنسان المعاصر، عندما صار يعيش واقعاً افتراضياً متخلياً عن الطبيعة التاريخية السليمة للتواصل في المجتمع.

ولا يرفض نعمة التجربة الحية التي يقدمها الإنترنت للبشرية، لكن حفلة الفوضى المستمرة على مواقع التواصل التي تديرها "جيوش من الحمقى"، وفق تعبير الروائي الإيطالي الراحل أمبرتو إيكو، تحول الصداقة إلى فكرة بغيضة، والحوار إلى مجرد صراخ مستمر.

من دون تدقيق

من ناحيتها، ترى مينا العريبي رئيسة تحرير صحيفة "ذا ناشيونال" أنه في السابق كان من الممكن أن يكون هناك شخص مزعج أو حتى مختل في الميدان العام للمدينة يجلس ويصرخ على المارة، ولا يبالون به. اليوم، الشخص نفسه يمكن أن يصرخ عبر "تويتر" ويُتناقل صراخه وتوجيهه مباشرة إلى أي شخص. بالطبع هناك عامل آخر، وفق العريبي، وهو أن الإنسان في طبيعته يبحث عمن يتفق مع رأيه كي يقوي حجته، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مرجعاً للحصول على هذه الآراء خلال ثوان من دون التدقيق في صحتها.

لغة الإقصاء

على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي تتيح معرفة الرأي الآخر، لكن الواقع يسير عكس ذلك. توضح الإعلامية ذكرى نادر، أن التجربة المجتمعية الحالية في العراق تظهر بشكل مثير للقلق النقص الحاد في معنى تقبل هوية المختلف، سواء كان هذا الاختلاف في الجنس أو في الدين والمعتقد وحتى في أسلوب الحياة "فالصفة الغالبة علينا حالياً هي التشنج وعدم إتاحة الفرصة للمناقشة أو الاستماع".

توضح نادر، "نحن نتاج حروب طويلة، وأزمتنا الحقيقية تكمن في ارتفاع لغة البطش والاستقواء والإقصاء والعدوانية وتهميش المختلف بغض النظر عن قيمة وجودة اختلافه. ومن هنا، نستطيع تأطير مصير المختلف بأنه الضحية القادمة، فهو فريسة محتملة، حتى لو اقتصر اختلافه على أمور مظهرية كقصة شعر حديثة أو طريقة لباس، أو أسلوب حياة مغاير. إذ يمكن لركوب دراجة هوائية من قبل بعض الفتيات أن يتحول من حرية شخصية إلى مأزق اجتماعي يعامل على أنه شذوذ أخلاقي مستنكر يستحق العقوبة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غياب ثقافة الحوار

أما الصحافي الاستقصائي معن الجيزاني فيمضي في تأكيد غياب ثقافة الحوار بالعراق، إذ يخوض المتخاصمون عادة في أمور وقضايا شخصية ولا أحد يناقش في المضمون. ويوضح أن "التخوين والإلغاء هما كلمة السر السهلة التي يحفظها معظم الناس ويتراشقون بها صباح مساء، والسبب هو ثقافة الإلغاء التي رسختها الممارسة السياسية في العراق منذ 60 سنة، وحتى الآن".

بدوره، أرجع حيدر مزهر يعقوب الجوراني الباحث في علم النفس الاجتماعي والسياسي هذه الثقافة إلى غياب مفاهيم حقوق الإنسان، التي لا تزال تفتقر إلى متبنيات نفسية في المجتمع العراقي، "لذلك نجد أن تقبل الرأي المغاير أو المخالف هو مساس بما هو غير قابل للنقاش. ومن هنا، ينزع الفرد إلى سلوك عدواني لفظي أو معنوي، هو نبذ الرأي الآخر أو طمس معالمه أو تخوينه كآلية دفاعية نفسية".

من جانبها، أوضحت الباحثة في الإعلام الجديد بلسم مصطفى، أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تكون سيفاً ذا حدين تبعاً لطريقة استخدامها. فالخطاب غير المسؤول أو الموزون قد يسهم في تأجيج مشاعر الكراهية والتعصب. وفي العراق، وفق مصطفى، "لطالما أسهمت خطابات المسؤولين في إثارة الطائفية"، لكنها ترى أن الخطاب الطائفي "له في الغالب خطاب مضاد وواع ومسؤول يتصدى للتحريض".

وتوضح نادر أن منصات التواصل الاجتماعي أصبح لها على الصعيد السياسي مهمات وإستراتيجيات وجيوش إلكترونية تعمل وفق توجيهات معينة. وتضيف "في الغالب، أجد أن المنصات ابتعدت عن هويتها القديمة، متحولة إلى تناحر اجتماعي وعرقي، واستخدمت هذه المنصات لإشاعة التسطيح الفكري وبث روح الكراهية والفضائح. والأكثر حراجة، أنها تستعمل للتشهير بالآخرين، ولنا في ما يحدث للناشطين المدنيين مثال ساطع. فالجيوش الإلكترونية المدعومة من قبل الأحزاب والميليشيات تقود حملات شرسة مهمتها تشويه شباب ثورة أكتوبر (تشرين الأول) العراقية والإساءة إلى الفتيات والتشهير بهن. لكن ما يثير التفاؤل هو أن هذه الهجمات المشينة تجد أحياناً رداً شعبياً وأخلاقياً مناسباً يلجمها".

في مواجهة الحرب

تقول نور القيسي، مدونة، التي غالباً ما توجه انتقاداتها للسلطة السياسية عبر فيديوهات تبثها عبر منصات التواصل، إن "دور الأخيرة لا يختلف عن الإعلام المرئي والمقروء"، مشيرة إلى أن "التأجيج يكون دائماً لصالح من يملك المال، أي الأحزاب والميليشيات، التي تتحكم بأسطول من الإعلاميين".

وتوضح القيسي أنها غالباً ما تتلقى اتهامات غير أخلاقية، لأنها تنتقد كل المشاركين في العملية السياسية "المتساوين في الفساد".

من جانبه، يرى وعد الأمير أستاذ علم الاجتماع في جامعة الموصل، أن الرأي العام اليوم يصنع في مطابخ الإعلام، ويروج في أسواق التواصل الاجتماعي. "ومن يصنعه هم مثقفو المصلحة ويروجه غوغائيو الإعلام، ويستقبله أميو التواصل الاجتماعي". لكن محاولات ظهور رأي عام حقيقي في البلاد تتعرض غالباً، وفق الأمير، "للسرقة والتحريف والاتهام بالعمالة والخيانة".

وفي الإطار نفسه، يرى الجوراني أن "دور النخبة في مجتمعنا هش ولا يؤدي دوراً فاعلاً في صناعة الرأي العام. وفي مقابل هذا الغياب، يفتح المجال لمن يسمون "الغوغاء"، وهم فئة مستضعفة قابلة للاستغلال الفكري والسياسي، للعب دور في تشكيل أو صناعة رأي عام مزيف، يصب في مصلحة صاحب القرار السياسي أو صانعه". يضيف، "من هنا، أتت فكرة بناء الجيوش الإلكترونية كوسيلة سهلة وسريعة التأثير في صناعة رأي عام مزيف بتحريف وتشويه الرأي العام الحقيقي".

يوضح الصحافي والأكاديمي علي خلف، أن هناك ماكينات في العراق تتلاعب بالرأي العام، مستغلة وسائل التواصل الاجتماعي. ويؤكد أن "المثقفين ليس لهم أي دور في صناعة الرأي العام، لأن الشارع لا يعرفهم ولا يقرأ لهم".

غياب الانتماء الوطني

يرى سهيل العيسى الأستاذ في كلية الإعلام بجامعة تكريت، أن "تصاغر الانتماءات (من الوطن إلى الطائفة والمذهب إلى المنطقة والحزب) يؤدي إلى تقوقع الشخص داخل طائفته ومذهبه، ويصبح سلوكه عدوانياً وغير منضبط تجاه من يخالفه الرأي أو الانتماء الديني". ويشير إلى افتقاد العراق "ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر إذا كان لا يناسب توجهاتنا الفكرية والثقافية".

يوضح العيسى، أن "تصاغر الانتماءات ليس جديداً على العراق، لأن العراقيين لم يشهدوا حكماً قوياً يعزز ثقافة الانتماء للدولة"، موضحاً أن "سلطة البعث نجحت في خلق روح مركزية وليست وطنية، لكن سرعان ما بدأت بالتشظي بعد عام 1991، لأن عقد الترابط بين الدولة والمواطن حل بسبب الفقر".

ويوضح الجيزاني أن تضخيم الهويات الفرعية جزء من إستراتيجية سياسية استخدمتها أحزاب السلطة لاحتكار المشهد السياسي. لكنه يرى أن "هذه الأحزاب فقدت قبولها لدى الشارع العراقي بسبب فشلها في الإدارة وتورطها في الفساد، وبالتالي لم يعد هناك تأثير للدعاية الطائفية والقومية ولكل الهويات الفرعية، والدليل على ذلك احتجاجات أكتوبر وإسهامها في إعادة روح الهوية الوطنية العراقية الجامعة وعلى نحو مثير للانتباه".

 

 

مساحة للحوار

يقول المدون العراقي "حمزوز" إن "الاصطفافات الأيديولوجية التي تعمق نفي الآخر وقتية وليست دائمة". ويعتقد أن هذه الاصطفافات برزت بسبب الخوف والاستقطاب الطائفي والتوتر السياسي والصراع الإيراني- الأميركي. ويرى، أن "فرص الالتقاء موجودة، لكن ما نحتاجه هو المزيد من مساحات الحوار المستمر والابتعاد عن الشخصنة والاقتراب من المصالح المشتركة والمصلحة العليا".

وترى بلسم مصطفى أن المثقف تقع عليه المسؤولية في التواصل مع عموم المواطنين من خلال النقاش والحوار وتبادل الأفكار، ولا بد من استثمار وسائل التواصل الاجتماعي لخلق التغيير، قائلة إن "الباحث الأكاديمي يجب ألا يكتفي بنشر إسهاماته الفكرية بين الأوساط الأكاديمية، بل عليه أن يتداولها بين عامة الناس بأسلوب سلس ولغة مبسطة كي يفتح المجال لإثارة النقاش حول القضايا المهمة في الحقول والمجالات كافة".

رأي عام خاص في مصر

مضى عهد صناعة الرأي العام على أيدي النخبة من خبراء وعلماء ومتخصصين، وآن أوان صناعة رأي عام خاص لكل منا. تقول مدرس الإعلام في جامعة أسيوط دينا محمود إن "أغلب المنصات الإعلامية التقليدية بأنواعها لم يعد لديها أجندة تحدد معالم وملامح الرسالة الإعلامية، والرسائل التي يتوجب توصيلها، والأدوات التي يمكن استخدامها لصناعة الوعي وصياغة الفكر بشكل يناسب كل منصة ومؤسسة".

تضيف "ما يقدم حالياً هو وجبات سريعة أقرب ما تكون إلى محتوى مواقع التواصل الاجتماعي. ولأن صناعة التريند وتحقيق القدر الأكبر من المشاهدة والمتابعة لهما الأولوية، فإن كثيرين من العاملين والمسؤولين في الإعلام التقليدي لا يجدون حرجاً في تحقيق مآربهم، ولو كان ذلك عبر إلهاء الجمهور بقضايا ساخنة لكن تافهة، وأخبار مثيرة ولكن من دون قيمة".

صراخ الضيفين في الأستوديو ورشق بعضهما البعض باتهامات الجهل والخيانة والعمالة والتنقيب في تاريخ كل منهما وإخراج ما تيسر وجوده أو فبركته من فضائح من شأنها أن تغتال صاحبها معنوياً صارت سمة إعلامية على مدار السنوات العشر الماضية.

السنوات العشر الكاشفة

السنوات العشر الماضية أظهرت ما لم يكن ظاهراً من قبل، وأخرجت ما لم يكن موجوداً على السطح. أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 كنت علامة اجتماعية وأخلاقية وسلوكية وإعلامية فارقة، وليست فقط سياسية.

 يقول أستاذ الطب النفسي محمد مهدي إن "أحداث 2011 وما تلاها من نزاعات وخلافات أثبتت أن قطاعات عديدة في المجتمع المصري ليست لديها أي استعداد لقبول الاختلاف والتعامل مع الخلافات، وهو ما أسهم في إجهاض محاولات التغيير".

يوضح مهدي كيف أن "تشظي الانتماءات والتوجهات ووضع الأيديولوجيات المتضاربة في صدارة المشهد. وزاد من حجم التشظي حشد المتعاطفين والمؤيدين في وجوه بعضهم البعض، وهو ما أسهم في تطور المشهد إلى خطاب تخويني إقصائي استبعادي. وللأسف انتهج الإعلام التقليدي هذا المنهج الذي يعتنق استبعاد الآخر". يضيف "أصبح الآخر غير قابل للتفاوض أو التفاهم، وساد إيمان بوجوب اختفائه".

معركة صفرية

اليوم أصبحت المعركة على أثير الإعلام "معركة صفرية"، والغريب أنها أيضاً سمة على مواقع التواصل الاجتماعي التي نظر إليها العالم باعتبارها أفضل اختراعات القرن العشرين التي سهلت تداول المعلومات وأتاحت حرية التعبير للجميع. لكن ما كان حرية تعبير وحصول على معلومات للجميع قبل 15 سنة، صار حرية سب وشتم وقذف وتشويه الآخر هذه الآونة.

لكن أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق يوجه القدر الأكبر من اللوم للأنظمة التي تنعكس أجواؤها، سواء الديمقراطية أو الديكتاتورية، على أجواء التواصل والاتصال بين الجماهير. ويرى صادق أن جانباً معتبراً من أجواء العنف اللفظي والتعبيري السائدة في تدوينات وتعليقات مواقع التواصل الاجتماعي يعود إلى أن أجيال بأكملها تربت على التطرف والتشدد ورفض الآخر وكراهيته والعنجهية المتمثلة في الإيمان بـ"أنني وحدي على حق وكل الآخرين مخطئون ويمثلون خطراً عليّ وعلى عقيدتي وعلى توجهاتي الفكرية".

ويشير سعيد إلى أمثلة عدة، "فالتدين المظهري المرتبط بأزياء بعينها صار أداة لرفض أصحاب الأزياء المختلفة والتشهير بمن يرتدونها لا سيما الإناث، وتصنيفهن باعتبارهن فاسقات أو سيئات السمعة أو باحثات عن تحرش جنسي. وهناك أيضاً حقن المجتمع بخطاب ذكوري، مفاده أن الرجل أرقى من المرأة، وأن المرأة أداة للجنس ووعاء للحمل والولادة، وبالتالي فإن المرأة التي تخرق الصورة النمطية تُرفض ولا مانع من التشهير بها على الملأ".

 

 

خفوق العقل والحكمة

وفي خضم هذا الصخب وفتح أبواب التخوين والتشهير على مصاريعها، تخفت حيناً وتختفي أحياناً أصوات العقل والحكمة والخبرة الإعلامية. تقول مدرس الإعلام دينا محمود إن "كبار الكتاب والمفكرين لم يعودوا قادرين على توصيل أفكارهم والتواصل مع الأجيال المختلفة بسبب التغيرات الضخمة التي طرأت على مشهد الإعلام، حيث التقليدي استسلم أمام غزو الجديد واعتنق أدواته القائمة على التريند والإثارة وليس الوعي والفكر". تضيف أن "ذلك أدى إلى إلهاء الجمهور بعيداً عن القضايا الرئيسة وإغراقهم في مسائل فرعية أغلبها لا قيمة له، وهو ما أثر سلباً في صناعة الوعي الذي يهيمن عليه حالياً المؤثرون والمؤثرات على "يوتيوب" و"فيسبوك" وغيرهما، وغالبيتهم المطلقة لم تخضع لتربية إعلامية ولا تلتزم أجندة مصلحة عامة أو أمن قومي".

تفاهات واستقطابات

وتشير محمود إلى أن الساحة الإعلامية الحالية لا تقتصر فقط على التفاهات والسخافات، لكن فيها كذلك قدراً هائلاً من الاستقطاب السياسي والديني. وتذكر أن قنوات عربية معروفة انتهجت مبدأ "الطبخة الفاسدة في طبق أنيق"، وتلقفت الطعم قنوات محلية متعقدة أن ما تقدمه من صراخ وصياح وتخوين هو الخلطة الإعلامية الناجحة المضمونة. تضيف "أجواء الاستقطاب الصارخة ساعدت في تجذير عدم قبول الآخر حتى على صفحات وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي".

ورغم ذلك، تشير محمود إلى أن العالم الحقيقي أكثر قبولاً للآخر، عكس العالم الافتراضي، حيث يترك المستخدمون لأنفسهم حرية التخوين واتهام الآخرين بالجهل والغباء والعمالة.

ميول انتقامية

"إنها ميول انتقامية" كما يصفها أستاذ الطب النفسي محمد مهدي الذي يقول إن "الحرب الدائرة رحاها على مواقع التواصل الاجتماعي أمر خطير للغاية، لا سيما حين يهرع متعلمون ومثقفون إلى "تنقية" و"تطهير" صفحاتهم بإقصاء (بلوك) من يؤمنون ويعتنقون آراء تختلف عنهم".

وما يزيد الطين بلة هو انتقال هذه الأجواء الإقصائية من مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات الإعلام التقليدي وكأنها نموذج يحتذى. يضيف "للأسف الشديد ظننا أنها (مواقع التواصل الاجتماعي) منصة التعبير لمن لا وسيلة متوفرة لديه للتعبير في ظل غياب أدوات التعبير الديمقراطي، لكنها أصبحت مستعرة ومشحونة بسعرات عالية من الرغبة العارمة في الانتقام من أصحاب الآراء المختلفة".

البحث عن التخوين

يضيف أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق بعداً أكثر غرابة ألا وهو الجهد الذي يبذله البعض للبحث عن الصفحات والتدوينات التي تحمل آراء أو توجهات متناقضة وما يؤمن به، ويدخل عليها ويبدأ في توجيه السباب والشتائم ونعوت العمالة أو الخيانة أو الكفر لأصحابها.

والوضع على أثير الإعلام التقليدي هذه الآونة لا يختلف كثيراً، حيث يرى صادق أنه أُقصيت وأُسكتت الأصوات المختلفة، وهو ما يصفه بـ"التوجه غير المنطقي في العام العشرين من الألفية الثالثة حيث التعددية والاختلاف ظاهرة من ظواهر الطبيعة والبشرية".

منطق مفقود

يتحدث محمد مهدي كذلك عن "منطق مفقود" في الإعلام لكنه يرجع السبب في فقدانه إلى عدم وجود رسالة إعلامية محددة أو واضحة يراد توصيلها أو تحقيقها. يقول "حين يكون الهدف إما الحشد أو مواجهة توجهات مضادة أو تحقيق مصالح ما، يتوارى المنطق بعيداً. وحين يتوارى المنطق، يجد الرأي العام نفسه مفتتاً فاقداً توازنه".

أما الحل، فيكمن في البحث عن منطق. هذا البحث يتمثل في "استعادة دور الإعلام التقليدي المفقود والقادر على توعية المتلقي وتزويده بالمعلومات والتحليل الصادق والتثقيف المنزع عن المصالح". ويتمثل في رأيه بضرورة الاعتراف بألا وجود لمجتمع الصوت الواحد، "لأن المجتمعات الأحادية المصطنعة سواء في الإعلام التقليدي أو على مواقع التواصل الاجتماعي غير منطقية وبالغة الخطورة، حيث يحتمي المتلقي والمستخدم بولاءاته الأولية مفضلاً إياها على انتمائه لوطن ما. ولا بديل عن فتح مجال التعبير دون إقصاء أو تخوين". ويسجل أستاذ الطب النفسي محمد مهدي "روشتة المنطق" بقوله "لا بديل عن التربية الإعلامية القائمة على المعرفة وقبول الاختلاف مع فتح المجال أمام الكتاب والمثقفين والخبراء ليسهموا في صناعة الوعي والرأي العام، حتى وإن كانوا مختلفين في توجهاتهم، عسى أن يعود للمجتمع رشده".