Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نار تحت رماد نزاع أرمينيا وأذربيجان

منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1994 لم تتوقف الاشتباكات قط بينهما

الواضح أن التحرك نحو صوغ حل يرضي الطرفين الأذري والأرمني يمكن أن يصب في مصلحة روسيا أيضاً (غيتي)

بالرغم من أن المجتمع الدولي لا يزال يعتبر إقليم ناغورني قره باغ أرضاً تابعة لأذربيجان، ولم تعترف به أية دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، إلا أن أرمينيا تتعامل معه ككيان مستقل، وتنتشر القوات الأرمنية منذ فترة طويلة على أرضه.

كما جرت العادة، ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1994، لم تتوقف الاشتباكات قط بين أذربيجان وأرمينيا، فكل بضع سنوات ثمة جولة جديدة منها، وسط اتهامات متبادلة من الطرفين بالمسؤولية، وتتعرض هدنة 1994 لانتهاكات متكررة على طول خط التماس بين الجيش الأذري ونظيره الأرمني.

وما يثير القلق في هذا النزاع التاريخي، أن أية دولة سوفياتية سابقة حاولت خلال السنوات القليلة الماضية توطيد علاقاتها مع الغرب خسرت أراض مهمة لمصلحة روسيا، فجورجيا خسرت أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية حين سعت للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 2008، وبعد انضمام أوكرانيا ومولدوفا إلى "اتفاق الشراكة الشرقية"، استحوذت روسيا على شبه جزيرة القرم وبعض أجزاء من شرق أوكرانيا من حكومة كييف، وعززت انتشارها في منطقة ترانسنيستريا المولدوفية.

ويعتبر مراقبون النزاع تنافساً جيوسياسياً لا يشمل الأرمن والأذريين فقط، بل يتجاوزهما إلى الأتراك والروس والولايات المتحدة وإيران والاتحاد الأوروبي وإسرائيل، حيث يشكل هذا النزاع واحداً من مسارح صراع النفوذ بين الروس والأميركيين في جنوب القوقاز.

لا يمكن النظر إلى تجدد المواجهات في جنوب القوقاز بعيداً من إطار إقليمي دولي تعيشه منطقة الشرق الأوسط الكبير، "الشرق الأوسط، آسيا الوسطى، القوقاز"، والتصعيد المفاجئ يثير كثيراً من التساؤلات إذا أخذنا في الاعتبار التحالفات المعقدة لكل من باكو ويريفان مع دول المنطقة، التي تشهد أكثر من نزاع له امتدادات محلية وإقليمية ودولية.

روسيا

خشية عدوها التاريخي "تركيا"، أبرمت أرمينيا مع روسيا تحالفاً طويل الأمد لبقاء القواعد العسكرية الروسية على أراضيها، ما دفع البعض إلى اعتبار نزاع قره باغ استمراراً لعداء تاريخي محمّل بإرث كبير من الكراهية الدفينة من الأرمن لكل من الأذريين والأتراك.

تعي موسكو أن يريفان بحاجة إلى روسيا أكثر من حاجة روسيا إلى أرمينيا، لكن فقدانها يعني فقدان حديقة من حدائقها الخلفية في الفناء السوفياتي السابق، ما قد يؤثر على المدى البعيد في نفوذها وقدرتها على المناورة، وفرض رأيها كقوة دولية في الساحة العالمية عموماً، والسوفياتية السابقة خصوصاً.

تعدّ أرمينيا بالنسبة إلى موسكو حليفاً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً، ويبلغ حجم الاستثمارات أربعة بلايين دولار، أي ما يقارب 40 في المئة من حجم الاستثمارات الأجنبية في أرمينيا، وتسيطر روسيا على العديد من المؤسسات ذات الأهمية الحيوية في البلاد، إضافة إلى وجود القاعدة العسكرية الروسية في يريفان.

إلا أنه بحسب بعض المراقبين، ومع وصول نيكول باشينيان إلى رئاسة الحكومة بعد تزعمه حركة احتجاجات أطاحت رئيس الوزراء سيرج سركسيان "الرئيس السابق"، بدأت يريفان محاولات لإقامة توازن في العلاقات بين الغرب وروسيا، وهذا الأمر يصب في مصلحة باكو.

ويملك الكرملين نفوذاً أكبر في أرمينيا يختلف عن غالب جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة، بسبب وجوده العسكري الكبير فيها وسيطرته على أبرز مرافق الطاقة والبنى التحتية الأخرى لديها.

والواضح أن التحرك نحو صوغ حل يرضي الطرفين الأذري والأرمني، يمكن أن يصب في مصلحة روسيا أيضاً، فهي بحاجة إلى أرمينيا كحليف تقليدي، وكذلك إلى أذربيجان كبلد يحتل موقعاً جغرافياً سياسياً مهماً.

ترتبط موسكو وباكو في عدد من مجالات التعاون المشتركة، من الأمن والطاقة عبر الحدود، إلى استغلال موارد بحر قزوين ومشاريع النقل، ولا يرغب الكرملين في تحويل أذربيجان أو أرمينيا إلى جورجيا أو أوكرانيا ثانية، وبالتالي فلن تقوم موسكو بدفع باكو إلى المواجهة بأيديها، وبذلك تعطي الفرصة للقوى الخارجية من أجل إخراج روسيا من المنطقة.

وفي الواقع نجد روسيا تتحالف مع أرمينيا، وتوجد حال شراكة مع أذربيجان، وتلعب دور وسيط مقبول من الجانبين في تسوية النزاع الأرمني - الأذربيجاني، حيث لا توجد أية حالة عداء لدى الأذريين تجاه موسكو، بالرغم من اعتماد يريفان بشكل شبه كامل على روسيا عسكرياً، إذ تزود موسكو أرمينيا بـ 94 في المئة من وارداتها من السلاح، بينها مقاتلات من طراز "سوخوي-30"، إضافة لاستضافة الأراضي الأرمنية قواعد عسكرية روسية، كما تزود موسكو أذربيجان أيضاً بـ 31 في المئة من وارداتها من السلاح.

إيران

حيث لها حدود مع أرمينيا وأذربيجان وتقع على مقربة من خطوط الاحتكاك، ومع أن خلفيتها الإسلامية شيعية مشتركة مع أذربيجان، لكن ليس لطهران عموماً أي تضامن خاص مع هذا البلد، وبالرغم من أن طهران حرصت منذ بدء الصراع على الظهور في المشهد كوسيط محايد بين الطرفين، إلا أن الحقيقة تعكس بوضوح كيف تميل إيران نحو أرمينيا وتفضلها على أذربيجان، وقد لا يبدو أن باستطاعة إيران وأرمينيا أن تكونا شريكتين، ومع ذلك فالواقع يشير إلى أن علاقات طهران بيريفان تعتبر أقوى من تلك التي تربطها بكثير من الدول الإسلامية المجاورة.

ويبدو أن الضرورة تسير بالبلدين في اتجاه بعضهما بعضاً، فإيران في حاجة إلى أرمينيا لتوفير معبر بديل للنقل إلى روسيا وأوروبا، وأرمينيا بدورها تواجه انسداداً متواصلاً في طرق التجارة من جانب أذربيجان وتركيا، وهي معنية بتأمين ممر آمن وموثوق للتجارة. وتدعم إيران أرمينيا لأسباب اقتصادية، أبرزها حاجة يريفان للطاقة، كما أن إضعاف أذربيجان حاجة إيرانية حتى لا تشجع الأقلية الأذرية في إيران على المطالبة بمزيد من الحقوق.

وتشعر كل من تركيا وأذربيجان بالقلق من الشراكة الأرمنية - الإيرانية، ومصالح تركيا وأذربيجان في مجال الطاقة تضع كل منهما على النقيض مع إيران.

وفي السياق ذاته، فإن من شأن العلاقات الأرمنية - الإيرانية التأثير في المصالح الاقتصادية لروسيا، مع ملاحظة أن المصالح القومية الإيرانية دوماً تتعارض مع المصالح القومية الروسية.

تركيا

تقف تركيا مع أذربيجان لأسباب تاريخية ودينية وعرقية واقتصادية، وتعلن أنقرة موقفها بوضوح، بوقوفها الكامل إلى جانب "شقيقتها" أذربيجان لاستعادة "أراضيها المحتلة"، على عكس بقية الأطراف التي تعلن حيادها في هذا النزاع، بينما تدعم هذا الطرف أو ذاك، من تحت الطاولة، حيث تشهد الجمهوريتان أذربيجان وأرمينيا، نزاعاً منذ القرن الماضي حول إقليم "ناغورني قره باغ"، وهو جيب أذربيجاني تقطنه غالبية أرمينية.

وفي عام 1993 وبعد خمس سنوات من الحرب، سيطر الأرمن على "منطقة آمنة" داخل أراضي أذربيجان تقع بين ناغورني قره باغ وأرمينيا، تبلغ مساحتها نحو 8 آلاف كيلومتر مربع، أي نحو 20 في المئة من مساحة أذربيجان.

 يحدّد شكل التعاون الدفاعي الثنائي بين تركيا وأذربيجان إطاران قانونيان، الأول أنشئ أوائل التسعينيات، ويمكّن التدريب العسكري لأفراد أذربيجانيين في المؤسسات العسكرية التركية، والإطار الثاني هو اتفاق "الشراكة الاستراتيجية" الذي ينص صراحة على أن البلدين سيساعدان بعضهما بعضاً إذا طالب أحدهما بحقه في الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وبالرغم من أن طبيعة هذه "المساعدة" خاضعة لمشاورات ثنائية، إلا أن الاتفاق يؤكد بوضوح إمكان استخدام الوسائل العسكرية في الظروف الطارئة.

إسرائيل

يوجد تحالف قوي بين أذربيجان وإسرائيل، ومع وصول حكومة جديدة إلى السلطة في أرمينيا ظهرت كذلك تحركات لتعزيز علاقات يريفان مع تل أبيب، إذ بات ذلك يعتبر بأنه أمر مهم للغاية لمواجهة النفوذ الأذربيجاني هناك، إلا أنها لا تستطيع أن تمضي بعيداً في هذا الاتجاه خشية استفزاز طهران.

وتعتبر إسرائيل من أبرز الأطراف التي تزود أذربيجان بالسلاح، وفي عام 2011 سربت وثائق أميركية عبر موقع "ويكيليكس" تفيد بأن إسرائيل وأذربيجان وقعتا على صفقات أسلحة تقدر بملايين الدولارات، وهناك أيضاً علاقات تجارية وطيدة بين أذربيجان وإسرائيل، جعلت من الأخيرة واحدة من ضمن أكبر خمس شركاء تجاريين لباكو، فيما تعد الأخيرة واحدة من أكبر موردي تل أبيب بالنفط.

واشنطن والاتحاد الأوروبي

تجري باستمرار "مجموعة مينسك" التي تضم دبلوماسيين من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة وساطة في محادثات حول النزاع بشأن المنطقة، لكن المحادثات تراوح مكانها منذ التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عام 1994، وقامت واشنطن في فترات مختلفة بمحاولات لتقريب وجهات النظر بين باكو ويريفان، إلا أن معظمها باء بالفشل.

المزيد من تحلیل