Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحريري ينقذ مبادرة ماكرون للمأزق اللبناني

تنازل زعيم "المستقبل" المشروط يفتح كوة في جدار تأليف حكومة مصطفى أديب

جاء بيان الحريري نتيجة إلحاح فرنسي عليه (غيتي)

كان واضحاً أن المبادرة الفرنسية لمعالجة مأزق لبنان السياسي المالي الاقتصادي، احتاجت إلى الخروج من المراوحة، بعدما فشلت ضغوط باريس على مدى 23 يوماً، في دفع الفرقاء اللبنانيين إلى تأليف الحكومة الجديدة، وإن إعلان زعيم تيار "المستقبل" رئيس الحكومة السابق سعد الحريري تنازله أمام مطلب الثنائي الشيعي تولّي وزير شيعي يسميه الرئيس المكلف السفير مصطفى أديب حقيبة المال "لمرة واحدة"، كان لإنقاذ هذه المبادرة.

فبيان الحريري في هذا الصدد، جاء نتيجة إلحاح فرنسي عليه استمر ثلاثة أيام ليقبل بصيغة تتجاوب مع مطلب الثنائي، لا تكرس حق احتفاظ الطائفة الشيعية بوزارة المال كعرف دستوري كما يطالب ركناها، رئيس البرلمان نبيه بري و"حزب الله".

فالفريق المحيط بالرئيس ماكرون وجد أن فرملة مبادرته تشكّل صفعة لفرنسا ونفوذها في لبنان الذي تستند إليه من أجل لعب دورها الإقليمي المندفع هذه الأيام في شرق البحر الأبيض المتوسط، بحسب اعتقاد عدد من الأوساط السياسية المواكبة لتحركات ماكرون حيال لبنان وليبيا والعراق وفي مواجهة تركيا.

إنقاذ مبادرة ماكرون قبل إنقاذ فرنسا للبنان

وبدلاً من أن تتقدم جهود ماكرون في إنقاذ لبنان من الانهيار الكامل عبر الروزنامة التي وضعها خلال زيارته إلى بيروت في الأول من سبتمبر (أيلول) الجاري، والتي كانت نصّت على إنجاز الحكومة الجديدة خلال 15 يوماً تخطاها الزمن بأكثر من أسبوع، باتت مبادرته بحاجة إلى إنقاذ، كما يقول مصدر سياسي لبناني بارز لـ"اندبندنت عربية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا ما يفسّر تعليق وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية بتوجيه التحية للحريري على "بيانه الشجاع الذي يدل على حسه بالمسؤولية الوطنية"، معتبرة أنه مدخل (أو انفتاح) على الجميع تقدير أهميته من أجل تأليف حكومة مهمة الآن، ينتظرها اللبنانيون وشركاؤهم الدوليون الذين يودّون تقديم المساعدة".

وذكّرت بضرورة احترام القيادات السياسية تعهداتها أمام ماكرون لملاقاة حاجات لبنان الملحة". ورددت الناطقة باسم الخارجية مضمون جملة جاءت في بيان الحريري حين دعت الرئيس مصطفى أديب إلى تشكيل حكومة مهمة "في أقصى سرعة مؤلفة من شخصيات مستقلة وكفوءة يختارها هو بنفسه".

وللعبارة الأخيرة دلالة، لا سيما أن بعض وسائل الإعلام الناطقة باسم الثنائي الشيعي كان علّق على قول الحريري إن وزير المال الشيعي يسميه أديب، بأن الثنائي لن يتخلى عن حقه بتسميته.

الثنائي الشيعي فوجئ وبري أقل تشاؤماً

وبدت ردود الفعل من أوساط الثنائي الشيعي حذرة، ونقل نواب التقوا الرئيس بري عنه قوله إن الحريري فتح كوة في الجدار، "وأنا أقل تشاؤماً وعلينا أن ننتظر"، معترفاً بأنه "لم يعد لدينا الكثير من الوقت" (من أجل إنقاذ الوضع).

فالثنائي فوجئ ببيان الحريري لأن الأخير لم يبلغه سلفاً به "خشية أن يتم إفشاله" كما قال قيادي مقرب من زعيم "المستقبل" لـ "اندبندنت عربية"، وأوضح أن الحريري نسّق بيانه مع الرئاسة الفرنسية أولاً وتداول فيه مع الرئيس أديب ومع رؤساء الحكومات السابقين نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة وتمام سلام، الذين عارضوا الفكرة، خوفاً من أن تكرس إسناد المال كتنازل يعتبره الثنائي الشيعي دائماً بدل الأخذ بقول الحريري إنه لمرة واحدة بهدف الحيلولة دون المزيد من التدهور المالي والمعيشي في البلد.

فالرئيس الفرنسي كان راهن على حاجة الفرقاء اللبنانيين إلى خطوات إنقاذية لسد الفجوة المالية التي أصابت البلد، عبر مؤتمر دولي وعد بالدعوة إليه في النصف الثاني من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لجمع أموال من أجل إعادة إعمار ما تهدم نتيجة انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس (آب) الماضي وتشجيع اتفاق لبناني مع صندوق النقد الدولي لتأمين بعض السيولة التي أخذت تنفذ في البنك المركزي اللبناني في شكل يهدد استيراد المواد الغذائية والطبية والمحروقات.

لكن شرط هاتين الخطوتين كان قيام حكومة اختصاصيين غير حزبيين، لا تغرق بالخلافات بين القوى السياسية على الحصص ومواقع النفوذ، كما جرت العادة، حتى تتمكن من تنفيذ الإصلاحات العاجلة المطلوبة منذ سنوات، فيتسلح ماكرون بحجة مقبولة لإقناع المجتمع الدولي بتقديم الدعم للاقتصاد اللبناني. ومن دون حكومة جديدة بالمواصفات التي اتفق عليها ماكرون مع القادة السياسيين، يستحيل الانتقال إلى الخطوتين التاليتين.

الخيبة الفرنسية وسعي إيران لوقف العقوبات

وتمنيات الرئيس الفرنسي ورئيسه، حصدت الخيبة بعد شروط "الثنائي الشيعي" على تأليف الحكومة وسط تداخل العوامل المحلية مع العوامل الخارجية في الصراع على النفوذ الذي لطالما كان انعكاساً للتدخلات الخارجية في البلد الصغير.

فالشرط الرئيس كان استثناء حقيبة المال من المداورة وإسنادها إلى وزير شيعي، ما دفع قوى سياسية عدة إلى الاستنتاج بأن شروط الثنائي الشيعي الذي كان وافق على صيغة ماكرون ووعد بتسهيلها، أتت نتيجة إصرار إيراني على تعليق تأليف الحكومة الجديدة بسبب استمرار العقوبات الأميركية على طهران وعلى "حزب الله" وحلفائه في لبنان، لعلم الحزب، أن القوى السياسية الأخرى سترفض هذا الاستثناء.

 كما أن الهدف كان دفع باريس إلى الطلب من واشنطن وقف هذه العقوبات، مقابل تسهيل مبادرتها اللبنانية. فصيغة الحكومة "الماكرونية" تعني حرمان "حزب الله" من أن تكون له اليد الطولى في قراراتها مع حلفائه خلافاً للحكومات السابقة، على الرغم من أنه سيكون متساوياً مع سائر القوى السياسية المتناحرة التي ستبقى خارجها.

وهو تنازل يريد الحزب وطهران مقابله. ولم يخفِ الإعلام المقرب من الحزب، أنه وإيران طلبا من باريس السعي إلى وقف العقوبات كوسيلة ضغط متواصلة، لكن الأخيرة لم تنجح مع واشنطن التي جاهرت بخلافها مع الجانب الفرنسي في هذا الشأن.

والتشدد الشيعي بالإصرار على الحصول على حقيبة المال واستثنائها من المداورة في توزيع الحقائب على الطوائف، وتسمية الوزراء الشيعة بدلاً من أن يسميهم الرئيس المكلف، جاءت بعد ثلاثة أيام على صدور دفعة العقوبات الأميركية ضد معاون بري وزير المال السابق علي حسن خليل ووزير الأشغال السابق القريب من الحزب يوسف فنيانوس.

لكن أحد القياديين في تيار "المستقبل" لفت لـ"اندبندنت عربية" أن التشبث بوزارة المال من قبل "حزب الله" حتى لو تحقق له ذلك، لن يوقف العقوبات الأميركية ومن المحال طرح الأمر من هذا المنظار.

في المقابل، باتت شائعة في بيروت القراءة التي تقول إن طهران تذهب أبعد من ذلك في عرقلتها مبادرة ماكرون، فتترك أي تنازل من قبلها في الإقليم إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، لأن إدارة دونالد ترمب تشدد الحصار عليها في دول عدة، ومنها لبنان، بالتالي لماذا تتنازل لماكرون فيه ولا تحتفظ بأوراقها إلى حين يأتي وقت التفاوض مع واشنطن؟

وزير الاستخبارات الإيراني زار بيروت؟ 

وللرد على سؤال عما يمكن لطهران و"حزب الله" أن يكسباه من تعليق قيام الحكومة اللبنانية الجديدة، فإن بعض الأوساط وصلت إلى قناعة بأن هناك قوة قاهرة دفعت بري إلى وضع شروطه بعد قبوله بالمداورة الشاملة للحقائب، وأن يتولّى حقيبة المال وزير سني.

وهذه القوة هي المونة الإيرانية على الحزب وعليه. وما عزز هذه القناعة أن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط صرّح غداة عودته من زيارة إلى باريس التقى خلالها مسؤولين في قصر الإليزيه وفي وزارة الخارجية بأن "الولايات المتحدة وإيران لا تريدان حكومة في لبنان". واعتبر أن "العقوبات لا تفيد".

وقالت مصادر "الاشتراكي" إن جنبلاط قصد من إضافة أميركا إلى إيران في ما يخص عرقلة الحكومة، الإضاءة على دور العقوبات في التشدد الإيراني، فيما يرى قياديون في حزبه أن واشنطن ليست متحمسة لقيام حكومة حتى لو كانت من المستقلين، لأنها ستكون غطاء للحزب في كل الأحوال حتى لو لم يشارك فيها، وأن خيارها مواصلة الضغوط عليه، حتى لو أدى ذلك إلى تفاقم المأزق اللبناني.

في المقابل، تذهب بعض مصادر المعلومات إلى الحديث عن تدخل طهران بالقول إن وزير الاستخبارات الإيراني محمود علوي زار بيروت في الأسبوع الثاني من الشهر الجاري، عن طريق دمشق والتقى الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله وتداول معه في الموقف من مواصلة واشنطن ضغوطها على طهران وحلفائها ومنها في لبنان، واتفقا على التمسك بمكتسبات "الحزب" وعدم تقديم تنازلات على الرغم من أنه يتعرض لحصار سياسي يضاف إلى الحصار المالي، بانضمام قوى سياسية وطائفية إلى الحملة ضد نفوذه.

مكسب بالجيب ومطالبة بالمزيد؟

ويخشى بعض الأوساط من أن يعتمد الثنائي سياسة القضم بعد التنازل المشروط الذي قدمه الحريري بذريعة إنقاذ المبادرة الفرنسية وتوفير ظروف إنجاح خطة ماكرون لمساعدة لبنان، فيضع مكسب تعيين وزير شيعي لحقيبة المال في جيبه وينتقل إلى الإصرار على أن يسميه هو بدلاً من الرئيس المكلف ويتمسك بتسمية سائر الوزراء الشيعة، ما يعني إطالة تأليف الحكومة.

كما أن هذه الأوساط تدعو إلى ترقب سلوك رئيس الجمهورية ميشال عون الذي أصر على المداورة الكاملة في الحقائب الوزارية من جهة، وعلى أن تسمي الكتل النيابية وزراء "مستقلين" في الحكومة، في محاولة منه لحجز مقاعد وزارية يطرحها "التيار الوطني الحر". وهذا مستوى آخر من التأخير في ولادة تشكيلة الحكومة أيضاً. وهذا ما يغلّب الترقب على التفاؤل بسرعة إنجاز الحكومة.

 الموقف الأوروبي في الأمم المتحدة

هل يسهم التطور الذي حصل في الأمم المتحدة قبل يومين حيث رفضت الدول الأوروبية وفي طليعتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا الشركاء في الاتفاق على النووي مع إيران عام 2015 طلب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو استئناف العقوبات على طهران، بحجة أن الأخيرة استأنفت أنشطة تخصيب اليورانيوم المحظّرة وفقاً للاتفاق، في تجاوب المسؤولين الإيرانيين مع المبادرة الفرنسية في لبنان؟

المراقبون الذين يطرحون هذا السؤال يشيرون إلى أنه إذا كانت إيران تقف وراء تشدد الثنائي الشيعي في تأليف الحكومة لأسباب تتعلق بالصراع الدائر في المنطقة بين طهران وواشنطن، فيفترض رصد ما سيكون عليه رد فعلها حيال رفض باريس استئناف العقوبات عليها بناء لطلب أميركي وفق قرار مجلس الأمن الرقم 2231 (الاتفاق النووي).

فالرئيس الإيراني حسن روحاني قال إن بلاده "حققت انتصاراً على الولايات المتحدة في مجلس الأمن مع رفض غالبية أعضائه التجاوب مع مسعاها فرض عقوبات دولية" على طهران. فهل تبادل طهران باريس موقفها الإيجابي من العقوبات، في لبنان؟

المزيد من العالم العربي