Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مستقبل النفط!

تناقضات عدة شابت تقرير "بريتيش بتروليوم" بشأن وصول الطلب العالمي إلى ذروته

"بريتيش بتروليوم" توقعت وصول الطلب العالمي على النفط ذروته (رويترز)

كتبت عن مستقبل النفط مرات عدة في الماضي، أحدها كان منذ فترة وجيزة. وأجد نفسي مضطراً أن أعود للكتابة بعد كم كبير من الرسائل التي وصلتني، تسأل عن توقع شركة النفط البريطانية (بريتيش بتروليوم BP) وصول الطلب العالمي على النفط ذروته في أي وقت الآن. وفي هذا السياق، لابد من التركيز على نقاط مهمة، أولها أنه لا يمكن لأية شركة نفطية أو غيرها الإعلان عن استراتيجيتها الاستثمارية والتصنيعية وخططها المستقبلية بشكل صريح، لأن ذلك يؤثر في مركزها التنافسي، وهذا يعني أن ما يعلن هو عموميات، أو ما تريد الشركة للآخرين أن يقتنعوا به. وثانيها أن الأقسام المتخصصة في شركات النفط العالمية تقوم بدرس أسواق الطاقة، ثم تقوم بتقديم مجموعة سيناريوهات للمستقبل، وبعد الانتهاء منها يتم اختيار السيناريوهات التي يعلن عنها للإعلام وبقية الناس. أما السيناريو الذي يتم الاستثمار والتخطيط الفعلي بناء عليه فيبقى سرياً. ولهذا فلا قيمة فعلية لهذه السيناريوهات المعلن عنها، وبالتالي فإن استعراضها والحديث عنها مضيعة للوقت.

والنقطة الثالثة أن خبراء أسواق الطاقة مضطرون إلى درس هذه التوقعات رغم اقتناعهم أنه لا قيمة لها، لأن المستثمرين وصناع القرار يحصلون على أغلب معلوماتهم من وسائل الإعلام التي تغطي هذه السيناريوهات بكثافة، والمستثمرون وصناع القرار هم زبائن الخبراء، فيقومون بسؤالهم عنها، ومن ثم لا بد للخبير أن يكون مطلعاً على هذه التقارير. ولهذا فلن أقوم بهدر وقت القارئ بالكتابة عن تقرير شركة النفط البريطانية الذي توقعت فيه بلوغ الطلب العالمي على النفط ذروته، وسأختصر الموضوع كله في التالي:

التقرير مرقع ترقيعاً فاضحاً، وهذا يدل على أن هناك تقريراً أصلياً يتواءم تماماً مع التوقعات التاريخية للشركة، ومع توقعات تقرير العام الماضي، وما قاله بعض مسؤولي الشركة في الأشهر الماضية. ولكن فجأة اتخذ قرار من قمة الشركة بأن هذا التقرير غير مقبول ويجب تغييره، وبدلاً من أن يبدأ الباحثون من البداية، بناء على التعليمات الجديدة، قاموا بعملية ترقيع للتقرير الموجود. 

الأدلة على "الترقيع" كثيرة، وهناك تناقضات عدة، إضافة إلى التناقضات مع تقرير العام الماضي، وما قاله مسؤولو الشركة منذ فترة قصيرة. أما الفروض المستخدمة في عملية الترقيع فإن بعضها يخالف الواقع، وبعضها الآخر يخالف المنطق، ولهذا فإن أي عرض إعلامي لسيناريوهات الشركة من دون الانتباه لعمليات الترقيع الفاضحة والتناقصات الكبيرة هو عرض سطحي، وكان المفروض ألا يكون.

أخطاء عامة في التوقعات المستقبلية

أكثر الأخطاء شيوعاً هو تقدير أثر التزايد المستمر لأعداد السيارات الكهربائية في الطلب العالمي على النفط، وأرجو أن يلاحظ القارئ الكريم أن الحديث هنا عن "الأثر"، وليس عن أعداد السيارات الكهربائية، فهناك حوالى عشرة ملايين سيارة كهربائية حول العالم الآن، وأنا مقتنع تماماً أن أعدادها ستزداد بشكل كبير خلال السنوات القادمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صدر تقرير من شركة بحثية مشهورة منذ فترة يقول إن بلدية لوس أنجلوس تحوّل الحافلات العامة إلى كهربائية، وهذا سيخفض الطلب على النفط بمقدار 60 ألف برميل يومياً. تواصلت مع مدير قسم المواصلات في الشركة، وسألته عن كيفية حساب هذه الكمية، فقال إن هذه الكمية من النفط هي التي تستهلكها الحافلات في لوس أنجلوس يومياً. فقلت له، ولكن لا توجد حافلة عامة واحدة في لوس أنجلوس تسير بالديزل أو البنزين، الحافلات في المدينة تحولت إلى الغاز المضغوط منذ سنوات، وبالتالي فإن الباصات الكهربائية ستؤثر في الطلب على الغاز، وليس النفط، وهذا ينطبق على دول كثيرة في أوروبا وآسيا وبخاصة الصين. تلعثم الرجل، ثم اعتذر، وقال إنهم سينظرون في الأمر.

فقلت له، لديك مشكلة أخرى، فأنتم افترضتم أن 60 ألف برميل ديزل تساوي 60 ألف برميل نفط، وهذا غير صحيح. النفط يتمدد في المصافي، وبالتالي فإن كمية النفط الخام أقل بشكل ملحوظ من 60 ألف برميل يومياً. وافق الرجل على ما قلته، ووعدني أن يتم التعديل. بعد حوالى الشهر صدر تقرير جديد من الشركة غطته وسائل الإعلام بكثافة، ولم يتم تعديل أي شيء، فما حصل في هذه الشركة حصل في شركات عدة ومنظمات أخرى.
ما الرسالة هنا؟ الرسالة أن أثر نمو عدد السيارات والحافلات الكهربائية في الطلب على النفط مبالغ فيه بشكل كبير، وعندما يتم بناء النماذج الرياضية بناء على معدلات النمو "الخاطئة"، فإن الخطأ يتضاعف ويتراكم عبر السنوات، ويظهر الطلب على النفط بأقل مما هو عليه بكثير.

لكن المشكلة أكبر بكثير!

بعد أن نشرت الشركة التقرير من دون أي تعديل، وحقق انتشاراً إعلامياً كبيراً، حتى في الإعلام العربي، اتصلت بالمدير وسألته عن سبب عدم التغيير، فضحك وقال إن الوقت كان ضيقاً قبل مؤتمرهم السنوي وموعد النشر! طبعاً لم أقتنع بكلامه لأن مالك الشركة تبرع بـ 100 مليون دولار لدعم الطاقة المتجددة! وقلت له إن سبب اتصالي ليس له علاقة بالحديث السابق، ولكن بقضيتين كبيرتين في التقرير، فالأولى أنه لو عدنا إلى عام 2008، لوجدنا أن التوقعات كانت تركز على أثر السيارات التي تسير بالغاز في خفض الطلب على النفط. وقامت حكومات عدة، خاصة الصين، بتبني سياسات صارمة لتحويل السيارات والحافلات إلى الغاز المضغوط والمسال، لما في ذلك من منافع بيئية في المدن المزدحمة. وكانت الحكومة الصينية بالذات مهتمة بالموضوع لتخفيف التلوث في المدن الصينية قبل موعد الألعاب الأولمبية، وكانت التوقعات أن يتعاظم أثر التحول إلى سيارات الغاز مع الزمن، ويخفض الطلب على النفط. ما يحصل الآن هو أن جزءاً كبيراً من توقعات السيارات الكهربائية حل محل توقعات سيارات الغاز، وبالتالي فإن أثر السيارات الكهربائية في الطلب المستقبلي على النفط أقل مما يتوقعون.

أما القضية الثانية فهي أن تحسن معدلات كفاءة محركات البنزين والديزل في توقعاتهم، وكذلك توقعات أوبك ووكالة الطاقة الدولية، عالٍ لدرجة أنه لا مثيل له في التاريخ. فكيف يكون الأعلى في التاريخ، وقد قمنا بكل الأمور السهلة لتحسين كفاءة المحركات في الماضي؟ وكيف يكون الأعلى إذا كان تحسن متوسط كفاءة محركات السيارات في الولايات المتحدة تحسن بمقدار ميل لكل غالون بنزين خلال 24 سنة، والآن يتوقع أن يكون التحسن أضعاف ذلك خلال الـ 20 سنة القادمة؟ كيف يكون هذا التحسن الكبير ومبيعات السيارات العائلية الكبيرة والشاحنات الصغيرة (بيك أب) في ازدياد مستمر، ومبيعات السيارات الصغيرة في تناقص مستمر، خصوصاً في الولايات المتحدة والصين؟ 

المشكلة هي أنه إذا كانت توقعاتهم لتحسن كفاءة محركات البنزين والديزل صحيحة، فلاحاجة لنا بالسيارة الكهربائية على الإطلاق!

الأرقام تشير إلى أن بلوغ الطلب العالمي ذروته التي وصل إليها في عام 2019 والتي كانت حوالى 100 مليون برميل يومياً، يتطلب وجود 700 مليون سيارة كهربائية على الأقل بحلول عام 2050، فيما عدد السيارات الكهربائية حالياً حوالى 10 ملايين سيارة فقط. 

وأختم بهذه القصة، حيث حضرت لقاء خاصاً مع وزير النفط الهندي منذ سنوات في أحد أفخم فنادق نيودلهي. بدأ الوزير يتكلم عن إنجازات قطاع الكهرباء في الهند مفتخراً بها، وفجأة انقطعت الكهرباء وحل الظلام الدامس، وضجت القاعة بالضحك!

المزيد من آراء