Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنجو الشركات الصغيرة من كماشة كورونا وترنح الاقتصاد؟

تُسهم بـ40 في المئة من الدخل القومي بالاقتصادات الناشئة

الوصول إلى التمويل يمثل عقبة رئيسة أمام نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة (رويترز)

في الأسابيع الأخيرة، أصدرت عدة منظمات دولية تنبؤات قاتمة بشأن جوانب التأثير الاقتصادي لفيروس كورونا في العالم، بدءاً من توقعات صندوق النقد الدولي بحدوث انخفاض في إجمالي الناتج المحلي العالمي 4.9 في المئة خلال 2020، مروراً بتقرير الاستثمار العالمي لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الذي توقع انخفاضاً في الاستثمار الأجنبي العالمي بنسبة تصل إلى 40 في المئة هذا العام، ومنظمة التجارة العالمية التي رصدت انخفاضاً في حجم التجارة السلعية العالمية في الربع الأول من العام ثلاثة في المئة على أساس سنوي، وتوقعاتها بانخفاض في الربع الثاني 18.5 في المئة، ما قد يؤدي إلى انخفاض 32 في المئة خلال 2020، وصولاً إلى منظمة العمل الدولية، التي توقعت أن تتسبب الجائحة في ارتفاع معدلات البطالة العالمية بين 5.3 مليون (سيناريو منخفض) و24.7 مليون (سيناريو مرتفع).

كل هذه التوقعات تؤكد حقيقة أن تعافي الاقتصاد العالمي سيكون بطيئاً وموجعاً، وأن استمرار العمليات التجارية عبر العالم ستكون صعبة في ظل جملة من التحديات يتصدرها توافر السيولة، التي أصبحت تحدد مستقبل ديمومة وبقاء الشركات الكبرى. لكن، ماذا عن الشركات الصغيرة والمتوسطة؟ وما أهمية حمايتها في توقيت الأزمات الاقتصادية؟ وهل فعلت حكومات العالم ما يكفي لدعمها؟

تلعب الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) دوراً رئيساً في معظم الاقتصادات، لا سيما في البلدان النامية، وتمثل غالبية الأعمال التجارية في جميع أنحاء العالم، ولها مساهمات مهمة في خلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية العالمية. فهي تمثل حسب البنك الدولي نحو 90 في المئة من الشركات وأكثر من 50 في المئة من العمالة حول العالم. وتُسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة الرسمية بنسبة تصل إلى 40 في المئة من الدخل القومي في الاقتصادات الناشئة. وتكون هذه الأرقام أعلى بكثير عندما يجري تضمين الشركات الصغيرة والمتوسطة غير الرسمية.

ووفقاً لتقديرات البنك، ستكون هناك حاجة إلى 600 مليون وظيفة بحلول عام 2030 لاستيعاب القوى العاملة العالمية المتنامية، ما يجعل تنمية الشركات الصغيرة والمتوسطة أولوية عالية لكثير من الحكومات في جميع أنحاء العالم. وفي الأسواق الناشئة، يجري إنشاء معظم الوظائف الرسمية من قبل الشركات الصغيرة والمتوسطة، ما يخلق سبعاً من أصل عشر وظائف. ومع ذلك، فإن الوصول إلى التمويل يمثل عقبة رئيسة أمام نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، فهو ثاني عقبة تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة لتنمية أعمالها في الأسواق الناشئة والبلدان النامية.

فجوة التمويل

وتقدر مؤسسة التمويل الدولية (IFC) أن 65 مليون شركة أو 40 في المئة من الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الرسمية (MSMEs) في البلدان النامية، لديها حاجات تمويل غير ملباة تبلغ 5.2 تريليون دولار كل عام، وهو ما يعادل 1.4 مرة حالياً، وفي ما يتعلق بمستوى الإقراض العالمي للمشروعات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، تمثل منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ أكبر حصة (46 في المئة) من إجمالي فجوة التمويل العالمية، تليها أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (23 في المئة)، وأوروبا وآسيا الوسطى (15 في المئة). ويختلف حجم الفجوة بشكل كبير من منطقة إلى أخرى، وتمتلك مناطق أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي والشرق الأوسط وشمال أفريقيا على وجه الخصوص، أعلى نسبة من فجوة التمويل مقارنة بالطلب المحتمل، إذ جرى قياسها عند 87 في المئة و88 في المئة على التوالي. أي ما يقرب من نصف الشركات الصغيرة والمتوسطة الرسمية لا يمكنها الوصول إلى الائتمان الرسمي، وتزداد فجوة التمويل عند أخذ المشروعات المتناهية الصغر وغير الرسمية في الاعتبار.

الشركات الصغيرة والمتوسطة وأزمة كورونا

قد يكون لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة مرونة أقل في التعامل مع التكاليف التي تترتب على الصدمات مثل التحول إلى العمل عن بُعد، وهي أعلى نسبياً بالنسبة إلى هذه الشركات، نظراً إلى صغر حجمها، وقد تؤثر تكاليف العمالة ورأس المال غير المستغلة بشكل كافٍ فيها  بصورة أكبر من الشركات الكبيرة. ونظراً إلى محدودية مواردها والعقبات القائمة، على رأسها إمكانية الوصول إلى رأس المال، فإن الفترة التي يمكن أن تنجو فيها الشركات الصغيرة والمتوسطة من صدمة كورونا قد تكون أكثر تقييداً من الشركات الكبيرة.

وحسب البحوث فإن 50 في المئة من الشركات الصغيرة بالولايات المتحدة تعمل بأقل من 15 يوماً من النقد الاحتياطي، في حين أن الاحتياطيات النقدية للشركات الصغيرة والمتوسطة، التي هي في وضع جيد تمتد إلى أقل من شهرين، حسب البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد حذرت من إمكانية إفلاس الشركات الميسرة، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، في أثناء سريان إجراءات الاحتواء من الوباء.

ورصد استطلاع الأعمال المعني بتأثيرات أزمة جائحة "كوفيد 19" في الشركات الصغيرة والمتوسطة نُشر على موقع المنظمة، اضطرابات ومخاوف شديدة لدى الشركات الصغيرة تحديداً، وأظهر أن أكثر من نصف هذه الشركات تواجه خسائر فادحة في الإيرادات، في حين قالت ثلث الشركات الصغيرة والمتوسطة المُستطلع آراؤها أنها تخشى توقف أنشطتها عن العمل من دون مزيد من الدعم في غضون شهر واحد، وما يصل إلى 50 في المئة في غضون ثلاثة أشهر.

وجرى تأكيد حجم مخاوف الشركات الصغيرة والمتوسطة في ورقة بحثية لـ"إن بي إي آر"، إذ أظهرت نتائج المسح الذي شمل أكثر من 5800 شركة صغيرة في الولايات المتحدة، أن 43 في المئة من الشركات المستجيبة مغلقة بالفعل بشكل مؤقت. وفي المتوسط​، خفضت الشركات موظفيها بنسبة 40 في المئة، وقال ثلاثة أرباع المُستطلع آراؤهم أن لديهم شهرين أو أقل من الاحتياطي النقدي.

كما أبلغت المؤسسة البحثية "همفريز ونيلسون وأوليسيا" عن نتائج متقاربة في مسحها الذي رصد تأثيرات الوباء في الأعمال التجارية الصغيرة. وبالمثل، أفاد مسح أجراه مركز التجارة الدولية شمل شركات صغيرة ومتوسطة في 132 دولة، أن ثلثي الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر تأثرت عملياتها التجارية بشدة من تداعيات فيروس كورونا، وأشار نحو خُمس هذه الشركات إلى خطر الإغلاق الدائم في غضون ثلاثة أشهر.

وفي الولايات المتحدة، يتم إجراء مسح أسبوعي من قبل مكتب الإحصاء لقياس تأثير الجائحة في الأعمال الصغيرة، ويشير المسح إلى أن ما يقرب من 90 في المئة من الشركات الصغيرة تعرضت إلى أثر سلبي قوي (51 في المئة) أو متوسط ​​(38 في المئة) بسبب الوباء، في حين قالت 45 في المئة من الشركات إنها عانت اضطرابات في سلاسل التوريد، و25 في المئة من الشركات أشارت إلى أن لديها احتياطياً نقدياً أقل من شهر إلى شهرين.

وفي استطلاع آخر أجرته فيرايسون بيزنس بالولايات المتحدة، قالت 68 في المئة من الشركات الصغيرة تتوقع أن تكون قادرة على تعويض خسائرها المرتبطة بالوباء. وأظهر استطلاع أجرته أميركان إكسبريس في أستراليا، أن 80 في المئة من أصحاب الأعمال الصغيرة لديهم آمال كبيرة في النجاة من الأزمة، على الرغم من أن 52 في المئة يخشون أن لا تنتعش المبيعات بما يكفي للبقاء على المدى الطويل.

كيفية التعافي

عند الحديث عن تعافي الشركات الصغيرة والمتوسطة، يوجد جانب مهم يتعلق بكيفية حدوث هذا التعافي مقارنة بالشركات الأكبر. بالنسبة إلى عديد من البلدان التي لا تزال فيها إجراءات الإغلاق سارية، أو يجري رفعها تدريجياً، فمن السابق لأوانه الإجابة عن هذا السؤال. ومع ذلك، تظهر بعض الأدلة من الصين أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تتعافى بشكل أبطأ من الشركات الكبيرة. على سبيل المثال، تُظهر البيانات الواردة من الصين، حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أنه منذ الـ28 من مارس (آذار) حتى اليوم بلغ معدل استئناف الصناعة 98.6 في المئة، وسجلت عودة 89.9 في المئة من موظفي الصناعة إلى العمل، حتى في مقاطعة هوبي قلب الوباء تجاوز معدل الاستئناف في العمل 95 في المئة.

أما بالنسبة إلى المنشآت الصناعية الصغيرة والمتوسطة في الصين، فإن معدل الاستئناف بلغ 76 في المئة. ويُظهر مؤشر مديري المشتريات التصنيعي الصيني (بي أم آي)، الذي يوفر مؤشراً مبكراً كل شهر للأنشطة الاقتصادية في التصنيع الصيني، أن الانتعاش بين أكبر الشركات كان أسرع من الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، إذ وصل معدل استئناف المؤسسات الصناعية الكبرى إلى مئة في المئة في نصف أكبر مئة مدينة (حسب الناتج المحلي الإجمالي)، و99.1 في المئة بالمتوسط ​​في جميع أنحاء البلاد. وبالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الصناعية كان معدل الاستئناف 84 في المئة بزيادة كبيرة من 76 في المئة خلال مارس (آذار). والحكومة الصينية كانت قد أشارت إلى أن 91 في المئة من الشركات الصغيرة والمتوسطة استأنفت نشاطها التجاري.

مضاعفة الضمانات وتخفيف قيود السيولة

واتخذ كثير من بلدان العالم تدابير سريعة لإنقاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي توظف الملايين، بما فيها تأجيل الضرائب وتنفيذ الإعفاء الضريبي ووقف سداد الديون. وكثفت بلدان الإقراض المباشر للشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال المؤسسات العامة، وقدمت المنح والإعانات لهذه الشركات لسد الانخفاض الكبير في إيراداتها ولدفعها إلى عدم تسريح موظفيها. في حين رفعت دول حجم التمويلات المتاحة لضمانات القروض بشكل كبير، فعلى سبيل المثال، جرت مضاعفة مبلغ الضمانات المقدمة من بنوك الضمان في ألمانيا إلى 2.5 مليار يورو (2.9 مليار دولار أميركي)، مع تأكيد الحكومة أنها ستقدم عرضاً غير محدود من القروض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقدمت ويرتشافت سيرفيس النمساوية ضمانات جديدة للشركات الصغيرة والمتوسطة بقيمة عشرة ملايين يورو (11.8 مليون دولار أميركي) حتى 80 في المئة من مبلغ القرض أو 2.5 مليون يورو (2.9 مليار دولار) مدة خمس سنوات. ورفعت إيطاليا من القروض المقدمة بنحو 1.5 مليار يورو (1.7 مليار دولار أميركي) في مخصصات صندوق الضمان المركزي للشركات الصغيرة والمتوسطة. وقدمت "بي بيفرانس" ائتمانات جديدة في فرنسا مع ضمانات على القروض الممنوحة للشركات الصغيرة والمتوسطة بقيمة 300 مليار يورو (356.2 مليار دولار أميركي).

ودفعت البرتغال بضمانات ائتمانية مدعومة من الدولة بقيمة ثلاثة مليارات يورو (3.5 مليارات دولار أميركي) وخط ائتماني بقيمة 200 مليون يورو (237.5 مليون دولار أميركي) لدعم حاجات الخزانة للشركات، مع وجود حد ائتماني قدره 60 مليون يورو (71.2 مليون دولار أميركي) متاح للشركات الصغيرة في قطاع السياحة. وزادت سويسرا بسرعة من مقدار الضمانات المتاحة مع النمو الكبير في الطلب على الدعم. وقدمت المملكة المتحدة حزمة إنقاذ بقيمة 330 مليار جنيه إسترليني (428.4 مليار دولار أميركي) لضمانات قروض للأعمال.

علاوة على ذلك، رفعت الحكومات مستوى الضمانات التي تقدمها على الائتمان، إذ رفعت كل من ألمانيا وفرنسا وسويسرا الضمان العام إلى مئة في المئة لبعض فئات القروض. وفي هولندا رُفع سقف الضمان الخاص بمقياس ضمان تمويل رواد الأعمال من 400 مليون يورو (474.8 مليون دولار أميركي) إلى 1.5 مليار يورو (1.7 مليار دولار أميركي)، وتقدم الشريحة الأولى من الضمانات الجديدة في إسبانيا 80 في المئة من الضمان العام. وفي سنغافورة زادت حصة الحكومة من المخاطر كجزء من قرض رأس المال العامل لخطة تمويل المؤسسات إلى 80 في المئة، وجرت مضاعفة الحد الأقصى لمبلغ القرض إلى 600.000 ألف دولار سنغافوري  442)ألف دولار أميركي) سنوياً.

المزيد من اقتصاد