Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائر تغازل كبار المدخرين بـ"الصيرفة الإسلامية"

خطة مالية وجدلية "شرعية" حول صيغة مستحدثة للمرة الأولى في البلاد

بنك الجزائر (وكالة الأنباء الجزائرية)

يواصل البنك الوطني الجزائري، وهو مصرف حكومي، عملية فتح شبابيك لنشاط "الصيرفة الإسلامية" عبر وكالات تتبع له في محافظات داخلية، وذلك في سياق خطة لجس نبض مدخرين مفترضين أمام هذه الصيغة المستحدثة للمرة الأولى في البلاد عبر بنوك عمومية، والتي حصلت على مطابقة من هيئة شرعية لمؤسسة إسلامية تتبع رئاسة الجمهورية، ومع ذلك تلاقي "مطبات" في شهرها الأول.

ويتنقل الرئيس المدير العام للبنك الوطني الجزائري بشكل يكاد يكون يومياً، إلى محافظات داخلية في سياق خطة تقريب شبابيك الصيرفة الإسلامية من المواطنين بعيداً من الفروع الجهوية البعيدة، وينفذ البنك خطة مالية قررها رئيس الدولة عبد المجيد تبون، تهدف إلى "إغراء" عدد كبير من الجزائريين لا تستهويهم باقي الصيغ البنكية بحجة المعاملات الربوية.

ووافقت الهيئة الشرعية للمجلس الإسلامي الأعلى، وهو هيئة دينية استشارية تتبع رئاسة الجمهورية، على منح الشهادة المطابقة الشرعية للبنك الوطني الجزائري، كأول بنك يعمل على تسويق تعاملات خاصة بالصيرفة الإسلامية، فيما تتواصل دراسة ملفات أخرى على مستوى الهيئة الوطنية الشرعية للإفتاء لصناعة الصيرفة الإسلامية.

وأعلن البنك الوطني الجزائري بعد تسلم شهادة المطابقة عن مباشرة تسويق تسعة منتجات مصرفية وفقاً للأحكام الإسلامية، ويتعلق الأمر بحساب الصك الإسلامي، والحساب الجاري الإسلامي، وحساب الادخار الإسلامي، وحساب الادخار الإسلامي "الشباب"، وحساب الاستثمار الإسلامي غير المقيد والمرابحة للعقارية والمرابحة للتجهيز والمرابحة للسيارات والإجارة.

أموال السوق غير النظامية

يحجم جزائريون عن التعامل مع المسار البنكي لأسباب تتصل في حالات كثيرة مع ثقل وتخلف المعاملات البنكية، لكن قطاعاً آخر يقاطعها لأسباب دينية على علاقة بفوائد المدخرات، لذلك يرى محللون اقتصاديون إمكانية إقحام نحو 40 مليار دولار كقيمة تقريبية لأموال السوق السوداء ضمن المسار المالي الرسمي.

ففي تقييم أولي لفترة شهر واحد منذ إطلاق الصيغة بداية أغسطس (آب) الماضي، يشير الكاتب الصحافي المتخصص في الشأن الاقتصادي سفيان سلاوي لـ"اندبندنت عربية"، إلى أن "البنك الوطني الجزائري أطلق ثماني صيغ للصيرفة الإسلامية، الأمر فيه شقان، الأول يقتصر على منتوج المرابحة، وهذه الصيغة هي عملية تحريك للعجلة الاستهلاكية في البلاد من خلال تقديم منتوجات تعرف طلباً كبيراً مثل السيارات وبعض القروض التي تخص العقارات أو التجهيزات الكهرومنزلية من دون فائدة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع "يشبه هذا الأمر رافداً لخلق دينامية استهلاكية بعد حالة ركود، في الحقيقة يوجد إقبال كبير على السيارات، ولكنَّ فيه شقاً آخر يتعلق برفع مستوى تبنيك الجزائريين؛ أي فتح حسابات جديدة، وهذا هو المسعى الأول من هذه الخدمة، أي دفع الجزائريين إلى فتح حسابات بنكية، وبالتالي التوجه إلى سوق المعاملات المالية الرسمي".

فهل يمكن لهذه الصغية استجلاب الأموال من السوق غير النظامية؟ يقول سلاوي "هناك مبالغة في هذا الطرح، يمكن احتواء نسبة قليلة جداً من هذه الأموال، لسبب بسيط أن القروض المقترحة محصورة في خدمات محدودة، يمكن للأمر أن يحقق نتائج مشجعة لو اتجهنا لخدمات القروض الصناعية مثلاً، الغراسة والقطاعات الاستثمارية".

جدلية شرعية

لا يختلف اثنان أن ابتعاد قطاع واسع من ممارسي التجارة عن المعاملات البنكية الرسمية يعود إلى أسباب شرعية، من هذا الباب سارع البنك الحكومي المعني بالصيرفة الإسلامية إلى إنشاء هيئة للفتوى للرد على الجدلية المثارة بشكل واسع هو الخدمات المطروحة راهناً، يأتي هذا في ظرف يتداول فيه جزائريون فتوى منسوبة للشيخ الجزائري الشهير "فركوس"، لا يوافق فيها على خلو "الربا" مما يقدمه البنك الوطني الجزائري.

في هذا تفصيل يقول سلاوي "صحيح هذا، هناك جدل يخص هذه المنتوجات، بوجود هيئة شرعية على مستوى البنك تراقب مدى مطابقة هذه الخدمات مع الشريعة الإسلامية يتم التشكيك فيما يخص قروض السكن والسيارات، وهناك من يقول إن هذه القروض ليست بصفر فائدة بحساب حجم الربح الذي يعود على البنك بعد السنوات المخصصة لاستعادة القرض، المطلوب من الهيئات الشرعية التي تتولى الفتوى لصالح البنك أن تتواصل بشكل أكبر مع الزبائن؛ لأنها تكتفي حالياً بالمراقبة الداخلية للمنتوج ولا تتواصل مع المعنيين المشككين في الخارج".

الجدوى الاقتصادية

في سياق أزمة سيولة نقدية كبيرة تعيشها البلاد منذ بداية الصيف الماضي كإحدى النتائج المباشرة لتوقف عجلة التجارة بسبب جائحة "كورونا"، تبحث حكومة عبد العزيز جراد عن بدائل آنية لتغذية المخزون النقدي في البنوك على الأقل لتفادي أزمة سحب أجور الموظفين، من هذا الباب ينظر للصيرفة الإسلامية كحل على المدى القريب لمشكلات اقتصادية راهنة في البلاد.

أستاذ الاقتصاد النقدي عبد الرحمن عية يفيد في هذا الشأن بأن "بنك الجزائر مطالب بإدراج شروط أخرى في الخدمات المالية الإسلامية لجعلها أكثر مرونة، وتمكينها من جلب جمهور واسع من الزبائن وتحقيق هدف احتواء الأموال النائمة خارج السوق الرسمية"، ويقترح لنجاحها "تقليص مهلة القروض مقارنة مع تلك الممنوحة من قبل البنوك والتي تتضمن فوائد، حيث لا تتجاوز مهلة منح القرض شهرين كأقصى حد منذ تقديم الطلب، وهذا لجعل الزبون لا يمل من التعامل مع هذه البنوك ولا يتكاسل في ذلك، إضافة إلى تعميم الخدمات الإلكترونية، لتقليل الخطوات التي يجب اتباعها للظفر بالقرض الاستثماري".

أما النائب البرلماني عضو لجنة الشؤون الاقتصادية، هواري تيغرسي، فيطرح إشكالية أخرى في مسار الصيرفة الإسلامية، وهي عدم شملها أصحاب الدخل الضعيف "البنوك التي تعتزم التمويل الإسلامي صدمتنا بقراراتها وحساباتها بإقصاء الشريحة الأقل دخلاً من 40 ألف دينار شهرياً (310 دولارات) من الاستفادة من أي قرض نظراً لارتفاع معدلات الأرباح"، موضحاً "نريد من هذه الصيرفة أن تكون رحيمة بالمسلم ورفيقة بالمواطن لتحقيق طموحاته وحلمه، وليس تحقيق الأرباح الكبيرة مقارنة بالبنوك الربوية التي أثبتت فشلها على كل المستويات، لذلك نطلب من السلطات العليا اتخاذ القرارات اللازمة قصد تخفيض معدلات الربح أو الفائدة للمصارف، والتي لا تخضع لقوانين العرض والطلب، وإنما لخيارات إدارية".

منافسة خليجية

اللجوء إلى إدخال الصيرفة الإسلامية إلى معاملات بنك حكومي جزائري لا يعني انعدام هذا الخدمة من قبل في البلاد، فعلى الأقل يوجد بنكان ضمن شراكة جزائرية خليجية يقدمان منذ أكثر من عقد من الزمن خدمات مصرفية إسلامية "بنك السلام" و"بنك البركة"، وبناء على تجربة هذين البنكين يعتقد مراقبون اقتصاديون أن جلب المال الخاص من السوق السوداء لا يتعلق بـ"شرعية" الخدمات بقدر ما يتصل بمرونة البنوك نفسها وتقديمها خدمات رقمية.

ويشير الأستاذ الجامعي في الاقتصاد، سفيان فواتيح لـ"اندبندت عربية"، إلى أن "الصيرفة الإسلامية موجودة منذ فترة عبر بنوك خليجية، لكن الإشكال يتصل بمحدودية المنتج المقدم، والذي ينحصر في خدمات استهلاكية"، مضيفاً "يفضل الجزائريون التخزين المنزلي لأموالهم بدل الذهاب بها إلى البنوك، تجربة بنك الخليفة سابقاً كانت مريرة حين فقد جزائريون مدخرات لمجرد أن الحكومة صفت هذا البنك بسبب قضية فساد، النظام البنكي لا يمنح الأمان اللازم، كما أنه متخلف باعتراف كبار مسؤولي الدولية وأمامه الكثير ليفعله قبل التفكير في كسب ثقة كبار المدخرين، لا سيما في قطاع التجارة".

المزيد من اقتصاد