Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طوكر السودانية أحزان مدينة الغبار

في البدء كانت من المدن الواعدة وتحولت إلى منسية ببنية تحتية مهملة

أصبح السودانيون ضحايا لغياب البنى التحتية (اندبندت عربية/حسن حامد)

فيما تشهد 16 ولاية سودانية من إجمالي 18 ولاية، فيضانات عنيفة نتيجة لهطول الأمطار غير المسبوق في منابع الأنهار كبحيرة فيكتوريا، التي شهدت أعلى ارتفاع لمنسوب مياهها في التاريخ، حولت الفيضانات مشهد المدن السودانية على النيل والأنهر الموسمية إلى مشهد بدا تجسيداً لمأساة كشفت إلى أي مدى أصبح السودانيون ضحايا لغياب البنى التحتية حيث أصبحت الأحياء السكنية في تلك المدن جزراً عائمة، بينما بدت ألوان الحياة والناس مشاهد فقيرة تحكي صورها ما يبدي الألم في النفوس والحزن في الوجوه، بقايا أمتعة، أسرة، أبواب بيوت، لعب أطفال تطفو على سطح المياه، فيما الجدران المتهدمة والهياكل الباهتة تبدو خلفية لآثار طوفان شغل سوداني ملأ الدنيا وشغلت أحداثه صور شاشات والأخبار العاجلة في قنوات التلفزة العالمية.

مأساة مدينة طوكر

المدينة التي يسكنها الغبار أياماً في موسم الصيف استعداداً لاستقبال مياه نهر بركة القادم من وراء الحدود الإرتيرية، لم يكن موعدها في استقبال المياه بالدلتا (شمال المدينة وغرب البحر) مثلما كان سنوياً. فهذه المرة، كانت المدينة التي أصبحت مسطحاً مائياً منخفضاً عن أراضي الدلتا الزراعية كما لو أنها حوض ماء كبير بسبب الفيضانات غير المسبوقة التي غمرت مياهها المدينة لتشهد على أكبر مأساة للغرق حدثت للسودان في تاريخه الحديث.

بيد أن مدينة طوكر (شرق السودان) فيما يعكس فقرها اليوم أحوال ساكنيها من البجا وغيرهم، بعد ماضٍ قريب وزاهر، لن تشهد أملاً محتملاً بانتعاش الحياة فيها، كالذي ستشهده مدن الوسط الغارقة في المياه بين الخرطوم والشمال وعلى ضفاف النيل الأزرق ما إن تجف عنها المياه.

فمدينة طوكر اليوم، ما بعد الطوفان، الذي غمر شوارعها الواسعة وصفوف البيوت الطويلة في الأفق والقصيرة الطول عن سطح الأرض، إذا جاز لأحد أن ينظر إليها من منظر علوي فسيرى تلاشياً بين مستوى سطح المياه وبين أسطح البيوت، لأن المنخفض الترابي الذي كادت أن تدفن فيه المدينة على مدى عقود طويلة جعل من سطحها أدنى من منطقة الدلتا التي يتقطع عندها نهر بركة لتتشكل الأراضي الزراعية الواسعة شمال المدينة.

 

 

ارتفاع أراضي الدلتا وانخفاض المدينة شكلته العواصف الموسمية للغبار الناعم حين يزور طوكر في موسم الصيف، فيغمرها تماماً عبر ما يعرف برياح "العيتبيت" وهي رياح معتمة تطبق على المدينة أياماً فتحيل نهارها ليلاً من ظلمات الغبار. ومع طول الزمن أصبحت الطبيعة الطبوغرافية للمدينة طاردة للحياة، وكان واضحاً أن المدينة القديمة تعاند مصيرها كلما غطس سطح بيوتها في مواسم الغبار. مأساة طوكر كانت واضحة للعيان، وكان مسؤولو حكومات نظام البشير يدركون المشكلة التي عكست عدم صلاحية الحياة في مدينة تنطمر ببطء تحت الغبار، فخططوا لها مخططاً أسموه (طوكر الجديدة) لكنه بدا مخططاً أعجز من أن يوفر شبكة إمدادات الحكومة في أهم مرفقين لحياة سكان المدينة: المياه والمواصلات. على الرغم من بناء مستشفى ومدارس ومبان حكومية تقع على بعد 17 كيلومتراً من المدينة القديمة التي رفض السكان الرحيل عنها.

مأساة فيضان نهر بركة هي دليل على الحسرة المضاعفة فأهل المدينة الذين يعرفون أحوالها بدقة ظلوا لأكثر من شهر يستغيثون المسؤولين في ولاية البحر الأحمر وعاصمتها "بورتسودان" التي تبعد عن طوكر 180 كيلومتراً.

وكان ناظر عموم قبائل الحباب الناظر كنتيباي حامد بن كنتيباي محمود (المقيم بطوكر) قد ناشد السلطات قبل شهر من الفيضان أي في يوم 8 أغسطس (آب) الماضي، عبر تصريحات لصحيفة "السوداني الدولية" قائلاً: "إن مدينة طوكر أضحت مهددة بالسيول بعد تأثر مناطق دوليباي وعودة المياه المندفعة الى الدلتا، لافتاً إلى أن هنالك مناطق في الدلتا تحتاج لترميم من حكومة الولاية عبر توفير آليات ترميم الأضرار في الجسور، فضلاً عن توفير قلابات رمل ومعدات يدوية إلى جانب توفير المواد الغذائية والتموينية والوقود وكل الضروريات التي يحتاجها مواطنو طوكر في حال قطع الطريق الرابط بينها وبورتسودان بسبب السيول والأمطار". ويبدو أن ما حذر منه الناظر كنتيباي حامد قد وقع بالفعل، إذ أصبح الطريق العام بين طوكر وبورتسودان مغلقاً بسبب فيضان المياه.

وكتب الصحافي عامر محمد صالح عثمان في تقرير له عن المدينة: "تهدم الكثير من المنازل وأصبحت آلاف الأسر بلا مأوى وانعدمت المياه الصالحة للشرب وخرجت محطة الكهرباء من الخدمة، فيما توقفت الأسواق عن العمل كما انقطعت شبكات الاتصال عن الخدمة وتسببت الفيضانات في سد الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بالولاية التي أعلن واليها المهندس عبدالله شنقراي، بعد ذلك، أن طوكر منطقة كوارث طبيعية، وتم إصدار أمر طوارئ رقم 10"، فالمدينة أصبحت تواجه موجات عالية من المياه تجاوزت فيها مناسيب نهر بركة المناسيب المعتادة وانقطع أهالي المدينة داخلها مما جعلهم يتحركون بوسائل بدائية كالحمير وغيرها، في انتظار توافر وسائل ترحيل كالحافلات لتأخذهم إلى مناطق أكثر أمناً.

هكذا تلكأت حكومة ولاية البحر في الاستجابة لتحذيرات أهالي طوكر حتى وقعت الكارثة التي تسببت بخسائر كبيرة. وحين استجابت حكومة ولاية البحر الأحمر، كان الوقت قد تأخر كثيراً ليلحق الفيضان أضراراً بالغة. ومع التأخير في تقديم خدمات الإغاثة من طرف الولاية وانسداد الطرق عبر الفيضان كانت الخسائر تتلاحق، وبدت آثار المياه وما تنذر به من أوضاع صحية تؤشر بالخطر، فالمستشفى مغلق بسبب المياه إلى جانب المؤسسات الحكومية.

خسائر الفيضان

بلغ عدد الوفيات 3 حالات، وانهيار 840 منزلاً انهياراً كلياً إلى جانب انهيار جزئي للمنازل بلغ عددها 7415 منزلاً كما تضررت 5 آلاف أسرة من أهالي المدينة، وأصبح الوضع يمثل حرجاً كبيراً. وبطبيعة الحال، شرع مواطنو الولاية عبر الجمعيات الخيرية والجهود الذاتية في تقديم يد العون، مثل "لجنة شباب طوكر" ومؤسسة "حلم" كما وفرت جهات عدة بعض المعينات والحاجات العاجلة للمتضررين في مدينة طوكر. فيما تحاول حكومة الولاية في تأمين الوضع بحسب إمكاناتها.

 

 

طوكر تعتبر مدينة منسية في أقصى شرق السودان لأن بنياتها حتى الآن ظلت مهملة تماماً، خلال الحكومات المتعاقبة، على رغم أهميتها الزراعية وجودة الطمي الذي يجلبه نهر خور بركة إلى الدلتا. وكانت هناك مشاريع بنى تحتية خاصة بمعالجة بعض مشكلات المدينة المتصلة بحزام المسكيت، ومصادر المياه والمشروع الزراعي، وكانت هناك دراسة ألمانية طموحة لحلول مشكلات المدينة، وبالفعل تم البدء في ذلك وانقطع العمل مع انقلاب نظام الإخوان المسلمين بقيادة الجنرال عمر البشير في عام 1989 وذهبت أحلام أهل طوكر في التنمية أدراج الرياح.

أين أموال "صندوق شرق السودان" من طوكر؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من وجود صندوق سمي "صندوق تنمية إعمار الشرق" الذي كان من نتائج اتفاقية أسمرا بين نظام الجنرال عمر البشير وجبهة الشرق في عام 2006، وهو صندوق دعمته دولة الكويت، بأكثر من مليار دولار، إلا أن مدينة طوكر التي كانت بنياتها التحتية ومشاريعها الزراعية في أمس الحاجة للأموال، ونأمل بأن تكون لطوكر حظوظاً وافرة بعد إعادة الهيكلة التي ستجرى لصندوق إعمار الشرق بعد توقيع اتفاق جوبا للسلام أخيراً والذي تم خلاله التوقيع على مسار بين كل من الحكومة السودانية، ومؤتمر البجا المعارض، والجبهة الشعبية المتحدة للتحرير والعدالة، وهما تنظيمان من شرق السودان.

على رغم سمتها البجاوي ظلت طوكر حاضنة مدينية لذاكرة مجتمعها الصغير الذي كان متعدداً بألوان طيفه، أوان ازدهار المدينة منذ عقود طويلة، سواء من سكان من شرق السودان أو من خارجه، حيث ضمت المدينة تجاراً سعوديين (كان فيهم من أبناء قبيلتي غامد وزهران، ومنطقة جنوب المملكة العربية السعودية) ويمانيين وحضارمة إلى جانب السودانيين لعشرات السنين بين سكانها، كما كانت منطقة زراعية واعدة بأحسن أنواع القطن في مشروع الدلتا الذي أسسه الإنجليز إبان الاستعمار البريطاني، وكانت المدينة من المدن الواعدة، فهي أولى المدن السودانية التي دخلها التيار الكهربائي، لولا أن موجات الجفاف التي ضربت الأراضي الزراعية لطوكر في عقد السبعينيات، والاستعصاء الذي شكلته ظاهرة "الهبباي" والمشروعات الحكومية المتعثرة في وضع حلول نهائية لمشكلات المدينة.

المزيد من تقارير