Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلياس الحويك البطريرك صانع لبنان

الفساد والميليشيا التابعة يهددان جمهورية المئة عام

اللبنانيون يستعيدون الروح التي قادت الآباء المؤسسين في التمسك بوطنهم وتثبيت ركائزه  (رويترز)

بعد مئة عام على قيام دولة لبنان الكبير، التي ستصبح الجمهورية اللبنانية بعد وَضْعِ دستورها عام 1926، يلحُ سؤال لا مفر منه؛ هل أن الدولة اللبنانية التي قامت قبل مئة عام بمساهمة نشيطة من رجل دين هو رأس الطائفة المارونية البطريرك إلياس الحويك، ستؤول إلى الزوال بمساهمة مُعاكسة من حزب "ديني" يعتبر أن مهمته نشر سلطة الولي الفقيه في "جمهورية إسلامية عالمية" ليس لبنان إلا جزءاً صغيراً منها؟.

المحاولة جارية من دون شك. ولبنان الذي عرفه العالم بلداً، مختبراً للعيش المشترك، يكاد يغرق في صراعات المذاهب والأديان، في انعكاس صريح لمحاولة التمدد الفارسي الإيراني بالمنطقة العربية، عبر استغلال الحضور الشيعي العربي في لبنان، وتطويع طائفة لبنانية رئيسة في خدمة طموحات نظام الملالي بطهران.

إلا أن مهمة من هذا النوع دونها صعوبات تجعل إنجازها مستحيلاً. فقيام لبنان الكبير ثم الجمهورية لم يكن صدفة، أو مجرد منحة فرنسية، ولا فبركة لسياسة فرنسا الخارجية كما قال الجنرال كاترو في وقت لاحق. لقد قام هذا البلد لأن لاستقلاله جذوراً ضاربة في التاريخ، ولأنه توفرت له في اللحظة التاريخية المناسبة قيادة وطنية تمكنت من ترجمة الظروف الملائمة في تحقيق حلم الدولة المستقلة.

كان قيام لبنان بحدوده الراهنة نقيضاً للمشروع الاستعماري الفرنسي الأصلي المستند إلى اتفاقية سايكس- بيكو. فقد منحت تلك الاتفاقية فرنسا حق السيطرة على سوريا ولبنان ككيان واحد من تركة السلطنة العثمانية، وما كانت فرنسا تُفكر في قيام دولتين في سوريا ولبنان، فإما هيمنة كاملة على هذا الجزء من الشرق العربي، وإما تجزئته إلى دويلات ذات طابع مذهبي مناطقي كما حاول الجنرال غورو فعله في سوريا بعد إعلان دولة لبنان الكبير.

إلا أن تجربة جبل لبنان والاستقلال الذاتي الذي مارسه في ظل نظام المتصرفية ابتداء من 1861، وقبل ذلك في نظام الإمارة ابتداء من 1517، جعلت نخباً لبنانية تلح منذ ما قبل انهيار العثمانيين وفور هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى على نيل الاستقلال التام للبنان "في حدوده التاريخية". وتحقق ذلك في الأول من سبتمبر (أيلول) 1920، بعد معركة ميسلون ببضعة أسابيع حيث ثبت لفرنسا استحالة الهيمنة على "سوريا الكبرى" موحدة، وعدم قدرتها على تجنب الإلحاح اللبناني على الدولة المستقلة.

الحويّك صانع لبنان الكبير

لم يكن البطريرك الماروني إلياس الحويك بعيداً عن مجريات الأحداث العاصفة مطلع القرن الماضي، فهو الرئيس الـ72 لكنيسة ممتدة منذ القرن السابع ميلادي. وهو خليفة يوحنا مارون البطريرك الأول (686 م)، جاره الذي بنى مقراً لبطريركيته في قرية مجاورة للقرية التي ولد فيها الحويك. وفي هذا المقر الذي تحول ديراً ومدرسة بعد المجمع اللبناني الماروني في 1736 سيتلقى الحويك علومه الأولى، قادماً عبر الوديان والجبال سيراً على قدميه من منزل والديه في حلتا إلى دير كفرحي ناحية البترون شمال لبنان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن الحويك سليل عائلة إقطاعية، بل هو ابن عائلة فقيرة، كافح واجتهد وترقى في مراتب كنيسته لينتخب رأساً لها عام (1899). ونجح خلال خدمته في إعادة إحياء المدرسة المارونية في روما، ما أتاح له بناء علاقات راسخة مع القيادات الفرنسية منذ نهاية القرن التاسع عشر سيستفيد منها لاحقاً في حملته من أجل الاستقلال.

على أن التجربة القاسية والحاسمة هي تلك التي عاشها الحويك خلال الحرب العالمية الأولى، وهي التي دفعته بحسم إلى التمسك بإيجاد وطن نهائي مستقل للبنانيين بمختلف طوائفهم. ففي تلك الحرب ألغى العثمانيون نظام المتصرفية في جبل لبنان وقضوا على الاستقلال النسبي الذي كان يعيشه، ووجد البطريرك نفسه في مواجهة مباشرة مع الحاكم التركي جمال باشا، حاملاً مسؤولية إغاثة مئات الألوف من أبناء الجبل الذين أصابتهم المجاعة.

قاوم البطريرك محاولات الأتراك تطويع بكركي؛ مقر البطاركة الموارنة، وواجه جمال باشا الذي فرض عليه الإقامة الجبرية في بحمدون خارج كنيسته، واحتقر السياسيين المتلونين الذين تقربوا من السيد العثماني، وردد على مسامعهم ما سيردده البطريرك صفير في مواجهته للنظام السوري بعد تسعين عاماً:

بكركي من عركة لعركة

لا نورا ولا زيتا شحّ

كلن عم يحكو تركي

إلا بكركي بتحكي صح.

والصح كان المطالبة بالاستقلال. واستند الحويك إلى تراث وتجارب سابقة تبلورت في زمن المتصرفية وتكرست في أعمال وكتابات رواد النهضة العربية من اللبنانيين.

وقبل أن يشارك في مؤتمر الصلح في باريس أغسطس (آب) 1918، حيث لقب بـ"بطريرك لبنان"، كان استقبل في يونيو (حزيران) لجنة كينغ- كراين التي قدمت توصياتها باستقلال لبنان، وحصل في العاصمة الفرنسية على وعد من رئيس الوزراء جورج كليمنصو بالاستقلال، قبل أن ينص اتفاق كليمنصو – فيصل؛ ملك سوريا العربية على هذا الاستقلال في 6 يناير (كانون الثاني) 1920.

سبق ذلك حراك شعبي وقيادي استمد منه البطريرك دعماً وعزيمةً. ففي 9 ديسمبر (كانون الأول) 1918 أعلن مجلس إدارة متصرفية جبل لبنان المنحلّ بقرار تركي، استقلال لبنان "في حدوده التاريخية والجغرافية"، وقرر إرسال وفد إلى مؤتمر الصلح العام ضم ممثلين عن مختلف الطوائف؛ داوود عمون ومحمود جنبلاط وعبد الله الخوري وآميل اده وإبراهيم أبو خاطر وعبد الحليم الحجار وتامر حمادة، للمطالبة بالتالي:

١- توسيع نطاق جبل لبنان إلى ما كان معروفاً به من التخوم تاريخياً.

٢- تأييد استقلال هذا البلد.

٣- يكون لهذه البلاد اللبنانية مجلس نيابي على مبدأ التمثيل النسبي حفظاً لحقوق الأقلية.

تتويج لا انفراد

توجّت مساعي الحويك بشخصيته الفذة والمُهابة، وهو في السابعة والسبعين من عمره، رغبة أبناء لبنان في استرجاع بلدهم نهائياً. لم يقبل إلحاقاً أو التحاقًا، بل دعا إلى علاقات احترام وود مع العرب الآخرين وراهن على صمود اللبنانيين وقدرتهم على البقاء بعد مجاعة واستعباد قاد كنيسته في مواجهتهما، واقترح نظاماً جمهورياً انتخابياً يحفظ حقوق الأقليات قبل مئة سنة، في تجربة مميزة ستثير حنق إسرائيل بعد ثلاثة عقود، وستحاول مشروعات الهيمنة الإيرانية اليوم نسفها والقضاء عليها.

نجح البطريرك الذي "مجد لبنان أُعطي له". وفي الأول من سبتمبر (أيلول) شهد في مقر القيادة الفرنسية؛ قصر الصنوبر في بيروت، إعلان القائد الفرنسي هنري غورو، وإلى جانبه مفتي المسلمين والشخصيات البارزة، إعلان دولة لبنان الكبير الذي سيصبح الجمهورية اللبنانية بعد ست سنوات بحدودها الراهنة. وبقي الحويك طوال سني عمره المتبقية، (توفي في 1913)، متابعاً بحرص إنجاح الوطن الذي كان أبرز صانعيه.

من ينسف معنى لبنان؟

مر لبنان بصعوبات كثيرة منذ قيامته الحديثة. لكن المشكلة التي يعانيها اليوم هي الأكبر. فتحالف الفساد والميليشيا يهدد الدولة والكيان معاً. الدولة يتآكلها الهدر والسرقة والكيان يتعرض لأكبر تحدٍ بالقضم والاستتباع على يد ميليشيا مذهبية تأتمر بالخارج. وهذا ما يجعل إحياء مئوية قيام البلد مناسبة غير تقليدية. لقد فهم الفرنسيون ذلك، ورئيسهم سيكون حاضراً لتجديد الوعد في ظروف مختلفة تماماً عن نهاية الحرب العالمية الأولى، ويبقى أن يستعيد اللبنانيون الروح التي قادت الآباء المؤسسين وعلى رأسهم إلياس الحويك في التمسك بوطنهم وتثبيت ركائزه.

المزيد من آراء