Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في الثورة والأحزاب والمصير السياسي بالسودان

نعاني غياب العقل الذي يُعلي من شأن المصالح الموضوعية المشتركة للوطن

مصير الثورة السودانية في حاجة إلى مراجعة وتذكير بخطورة المنعطف (أ ف ب)

بعد عامٍ تماماً من توقيع الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي برعاية الاتحاد الأفريقي في الـ17 من أغسطس (آب) من العام الماضي 2019، يبدو المصير السياسي للثورة السودانية من خلال الشراكة بين العسكر والمدنيين في إدارة المرحلة الانتقالية في حاجة إلى مراجعة وتذكير بخطورة المنعطف الذي تمر به الثورة السودانية في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدّاً، وفي ظل تباطؤ حكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في تنفيذ كثيرٍ من استحقاقات الوثيقة الدستورية مثل السلام، واستكمال هياكل السلطة الانتقالية، فحتى الآن لم يُوقَّع أي اتفاق للسلام، كما لم تُستكمل السلطة الثالثة في هياكل السلطة للمرحلة الانتقالية: المجلس التشريعي (البرلمان).

ما تتناقله الصحف السودانية من بيان لوزير الطاقة والنفط المستقيل عادل علي إبراهيم، عن كبير مستشاري رئيس الوزراء الشيخ الخضر، أحد الذين يوصفون بـ "شلة المزرعة "، وهم الدائرة المصغّرة من مستشاري رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، بأن ليس لديهم تمثيل دستوري ولا سياسي، بينما هم يُمسكون بإدارة بعض القرارات المهمة والاستراتيجية.

وجاء في بيان وزير الطاقة والتعدين المستقيل وصفاً لما يسمّى كبير مستشاري رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، أي الشيخ خضر بالقول عنه: "السيد كبير مستشاري رئيس الوزراء تدخل ويتدخل في العمل التنفيذي تدخُلاً مخلاً ومضراً بقيم ومبادئ الثورة وبالشفافية والديمقراطية التي ننشدها ونبتغيها. كيف تسرّب إلى مركز اتخاذ القرار من دون صفة رسمية نعرفها؟ هذا الرجل أسلوبه في العمل وطريقته وضحت تماماً أنها ضد أهم مبادئ الثورة، وهي إعادة بناء دولة المؤسسات وسيادة روح القوانين والشفافية واتباع النظام واللوائح.

عمل هذا الرجل وما زال على خراب المؤسسية، وإبعاد روح القانون والاستيلاء والهيمنة على مركز اتخاذ القرار والعمل بطريقة إقصائية ومحسوبية، وهذه ظهرت في تعيينات الوكلاء والوظائف الكبيرة بالدولة، ثم التدخل في صميم عمل الوزارات وتوجيه برفت فلان وتغيير موقع علان وهكذا. صار الكل يرغب في لقائه وكسب مودته. حتى برزت شخصية رجل الدولة القوي وسط مركز اتخاذ القرار، بما يشبه نظم الدولة الشمولية".

بعد خروج هذا البيان، ونشره في الصحف بدأت تُطرح علامات استفهام مقلقة للشعب السوداني، خصوصاً بعد تظاهرات الـ17 من أغسطس الحالي، التي سُمّيت بموكب "جردة الحساب"، وهو موكب نظّمته لجان المقاومة، وحددت فيه مطالب استكمال الوثيقة الدستورية، بعد مرور سنة من التوقيع عليها، أمام مكتب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، الذي لم يخرج ليخاطب الموكب، ما كان له أبلغ الأثر في ردود فعل لجان المقاومة، لولا أن مكتب حمدوك استدرك الأمر، وأعلن خطاباً مرتقباً لحمدوك إلى الشعب في برنامج بثته الإذاعة السودانية يوم الجمعة الماضي.

ولم يتضمن حوار حمدوك مع الإذاعة السودانية جديداً، ما بدا يعكس نقاشات واسعة حول أداء الرجل بعد عام كامل من تشكيل حكومته. هذا الموقف الذي بدا عليه حمدوك من شخصية كانت محل إجماع بين الشعب السوداني، ولها قبول، أصبح يتحوّل إلى ما يشبه إعادة نظر وتقييم لأداء الرجل بعد عام من توليه منصب رئيس وزراء الحكومة الانتقالية.

في الجانب الآخر، بدأ المجلس المركزي لتحالف قوى الحرية والتغيير والأحزاب الأربعة التي تهيمن عليه (الأمة، والبعث، والمؤتمر السوداني، والتجمع الاتحادي) يطرح كثيراً من التساؤلات أيضاً في طبيعة ومصداقية أدائه، لا سيما أن جميع الأحزاب الأربعة يبدو أنها غير مدركة خطورة المنعطف الذي تمر به الثورة السودانية، ومع ذلك لا يبدو من طبيعة الأداء الهزيل حتى الآن لإدارة سنة كاملة من عمر المرحلة الانتقالية أن ثمة ما يبشِّر بخير في السنتين المتبقيتين من عمر المرحلة الانتقالية.

لعل في الآية القرآنية التي تصف طبيعة حال الأحزاب وفرح الغيبوبة بالذات حين يشوّش على رؤيتهم المضللة فرحٌ بكياناتهم الحزبية (كل حزب بما لديهم فرحون) أصدق دليل على الشعور المزيف بالذات للأحزاب، أي ذلك الشعور الذي يغيب تماماً أي إمكانية لرؤية المصير السياسي للوطن، بوصفه قضيّة وطنيّة، ومشتركاً سياديّاً بينها، يجري عبره الوصول بالوطن إلى برّ الأمان.

ذلك أنّ الشعور المدمر والخطير الذي يجعل الأحزاب تتوهم مطابقة تامة بين سقفها الحزبي والسقف الوطني (السقف الوطني في حقيقته رؤية موضوعية مشتركة بين جميع الأحزاب للمصير السياسي) سيكون هو الاختبار الحقيقيّ لقوى الثورة في قدرة عقلها السياسي على فهم تعقيد عملية الانتقال الديمقراطيّ، والصبر على إكراهاتها، من ناحية، والتعاطي مع تلك العمليّة باعتبارها مشروعاً سياديّاً وطنيّاً توافقيّاً من ناحية ثانية.

هذا يعني أنه في غياب رؤية متماسكة لأحزاب قوى الحرية والتغيير لعملية الانتقال الديمقراطيّ على أنها صيرورة معقدة تحتاج إلى قراءات استراتيجيّة ومواقف وسياسات مدركة تحديات المرحلة ومخاطرها، إذ تبدو مهمّة الانتقال الديمقراطيّ في وعي تلك الأحزاب بمثابة مؤشّر واضح، لنضجها السياسيّ وإدراكها السقف الوطني المشترك بينها والمُفضي إلى التعاطي مع تلك المهمّة، بوصفها قضية وطنية، ومشتركاً سياديّاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نقول إنه في غياب تلك الروح الوطنية المتجاوزة السقوف الحزبية المحدودة سيفضي الأمر في النهاية وبالضرورة إلى مصير كمصير الانسداد الخطير للقوى السياسية المصرية، غداة مواجهتها الإخوان في الانتخابات كأحزاب فردية لا ضمن جبهة تحالف وطني، وهو وضع كشف عن الاستعدادات الهشّة للقوى السياسية المصرية، وبضاعتها الفقيرة والعاجزة عن مواجهة تحديات الانتقال السياسي بعد سقوط نظام مبارك، ما أدّى إلى فوز الإخوان المسلمين في مصر، وما تبع ذلك من أزمة وطنية في العام 2013.

بيد أنّ إفلات المصير السياسي لتحالف قوى الحرية والتغيير في السودان سيكون له بديل جاهز، وهو إمّا العسكر، وإمّا عودة الإسلاميين في ثوب العسكر، وإمّا انتخابات مبكّرة (كما يدعو الصادق المهدي)، لتسفر تلك الانتخابات عن عودة القوى اليمينة القديمة في جلباب الصادق المهدي! وإمّا البديل الأخطر، وهو الفوضى الشاملة وانهيار الوطن برمته.

ما يشي به حراك الأحزاب الأربعة التي تسيطر على مركزية قوى الحرية والتغيير لا يعكس طبيعة ذلك الوعي الحاد بحساسية وخطورة تحديات المرحلة الانتقالية والمنعطف الثوري الذي يمر به السودان، وهذا ما يبدو واضحاً في الوضع الراهن الذي يعكس ضعفاً في الأداء الحكومي، وفي الأداء السياسي للحاضنة السياسية للحكومة (قوى الحرية والتغيير)، وذلك نتيجة للعجز عن أي رؤية موضوعية تتجاوز السقوف الحزبية لتلك الأحزاب، واستغراقها في رؤيتها المفتونة بكياناتها عبر سقوفها الحزبية المضللة، التي تؤسس غالباً استيهاماً يطابق بين سقفها الحزبي وسقفها الوطني فيقع المحظور، إضافة إلى تغليبها المكاسب السياسية الوظيفية في المرحلة الانتقالية بدلاً من التركيز على تجاوز مخاطر المرحلة الانتقالية الحسّاسة وتحدياتها الوجودية.

وفي هذا الإطار، ثمة ظلال تُلقي بشكوك تدل إلى ضغوط خارجية وعلاقات ما غامضة لتلك الأحزاب بأطراف وجهات ربما يُلعب عبر ضغوطها دور سالب في المصير السياسي للسودان برمته من تخريب للمرحلة الانتقالية. هذا يعني مع الأسف غياب العقل السياسي الذي يرى المصالح الموضوعية المشتركة للوطن عبر التفريق الواضح بين السقف الحزبي والسقف الوطني، ويدعو إلى الإمساك بالمصير السياسي، أي بممارسة السيادة التي هي القدرة على اتخاذ القرار في اللحظات الحرجة.

ولعل من الأهمية بمكان أن نضرب مثلاً واضحاً لطبيعة العقل السياسي الذي نريده في أحزابنا السياسية، أي العقل الذي في قدرته التفريق الواضح بين السقف الحزبي والسقف الوطني، بما يجعله قادراً على رؤية المصلحة الوطنية المشتركة عند الأزمات السياسية الكبرى واللحظات المصيرية الحاسمة للوطن.

في الانتخابات الفرنسية عام 2002 وللمرة الأولى، أحرز حزب اليمين المتطرف في فرنسا بقيادة جان ماري لوبان ما نسبته 19 في المئة من أصوات الناخبين في المرحلة الأولى من الانتخابات، وكان ذلك مؤشراً خطيراً لأزمة وطنية وسياسية كبرى ستتعرّض لها فرنسا (اليمين المتطرف في أوروبا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت لا تتجاوز نسبته في نتائج الانتخابات في أوروبا كلها اثنين في المئة تقريباً)، وعندما رأت الأحزاب الفرنسية المختلفة من يمين وسط ويسار وسط والخضر وغيرها، تلك النتيجة الخطيرة التي تؤشّر إلى إمكانية فوز حزب اليمين الفرنسي المتطرّف في المرحلة الثانية من الانتخابات، إذا خاضتها بصورة منفردة، ما كان منها إلا أن وحّدت كلمتها ولائحتها الانتخابية جميعاً خلف حزب الرئيس الفرنسي آنذاك جاك شيراك، ليكتسح الانتخابات في المرحلة الثانية، ويهزم حزب اليمين المتطرف.

هكذا كان ذلك نموذجاً لاشتغال العقل السياسي للأحزاب الفرنسية حين أحسّت بخطورة الوضع على المصير السياسي لفرنسا برمتها، بما اقتضى منها، بالضرورة، تقديم السقف الوطني على السقف الحزبي، وبذلك جنَّب العقل السياسي الوطني لأحزاب فرنسا مصيراً كارثيّاً لفرنسا كالمصير الذي أصبحت فيه ألمانيا حين تحالفت بعض أحزابها مع الحزب النازي بقيادة هتلر في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو الحزب الذي وضع العالم كله في أتون كارثة الحرب العالمية الثانية.

نسوق هذا النموذج تذكرةً للأحزاب السودانية التي تتصارع على وظائف سلطة انتقالية هشّة من دون أن تنتبه إلى المصير السياسي الكارثي الذي يمكن أن يحدق بالوطن الذي بالكاد خرج بعد ثلاثين سنة من نظام كان أشبه بالنظام النازي في ألمانيا (النظام الانقلابي الإسلامي للبشير).

بيد أن هناك متغيراً مهمّاً ومختلفاً في الثورة السودانية عن غيرها من ثورات ما سُمِّي بالربيع العربي، ذلك المتغير هو تشكيلات لجان المقاومة القاعدية في عموم السودان، وهي لجان ناشطة في حراسة قيم الثورة والرقابة على أداء الحكومة الانتقالية، وأداء قوى الحرية والتغيير، وتعمل لجان المقاومة باستمرار من خلال حراك ثوري.

ويوجد حديث يدور حول الاتفاق بين لجان المقاومة على مطلب استقالة حمدوك في حال لم يسفر خطابه يوم الجمعة الماضية عن قرارات حقيقية حول استكمال فوري في هياكل السلطة المتبقية (وهو حوار إذاعيّ لم يضف جديداً)، والحديث بشفافية ووضوح حول عمل المستشارين الذين ليس لبعضهم صفة دستورية في دائرته الضيقة مع المهام الكبيرة لذلك البعض من أمثال الشيخ خضر، كما جاء في بيان وزير الطاقة والتعدين المستقبل حيال بعض ما يسمّيهم الشعب السوداني عن الشيخ خضر المسمّى كبير مستشاري رئيس الوزراء عبد الله حمدوك. فالحديث بشفافية عن هذه المجموعة وتبيان طبيعة وجودها في مكتب رئيس الوزراء واتخاذ قرارات بشأنها من الأهمية بمكان، ولا يقبل التأجيل مطلقاً.

كما أنّ حراك لجان المقاومة وتظاهراتهم عبر المليونيات المجرَّبة لا بدّ من أن تطال حتى تحالف قوى الحرية والتغيير، وتضغط باتجاه إعادة هيكلة نفسها عبر ضغوط كبيرة على قادة التحالف والتلويح بكثيرٍ من الأوراق، لكي تكون تلك اللجان الثورية النشطة أكثر مشاركةً في القرار السياسي للحكومة، وفي قرارات المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير.

المزيد من آراء