Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران وارتدادات انفجار بيروت

رجع الصدى في طهران كان أعلى من غيره في العواصم العربية والغربية المعنية في لبنان

تضررت أحياء كاملة في العاصمة اللبنانية بيروت نتيجة انفجار المرفأ (أ ف ب)

ما من شك أن الانفجار الذي وقع في العنبر رقم 12 في مرفأ العاصمة اللبنانية بيروت مساء الثلاثاء في 4 أغسطس (آب)، لم يسمع صداه في العاصمة القبرصية فقط، بل وصلت تردداته إلى العاصمة الإيرانية طهران، التي اهتزت على وقع العصف الذي أصاب أحياء بيروت وأبنيتها وأجساد أبنائها على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

فرجع الصدى في طهران كان أعلى من غيره في العواصم العربية والغربية المعنية في لبنان، التي اهتزت أيضاً لما وبما حدث في العاصمة اللبنانية التي تمثل عقدة أساسية في الصراعات الإقليمية ومن ورائها الدولية، وفي المعركة المحتدمة بين محور الاعتدال العربي ومحور الممانعة بقيادة النظام الإيراني.

فالانفجار – الكارثة أو الفاجعة جاء في التوقيت الخطأ في الحسابات الإيرانية والمحور الذي تقوده، فهذا المحور وعلى الرغم من تعرضه لسلسلة من الضربات الموجعة والمؤلمة، فإنه التزم عدم الرد والاكتفاء بتوجيه التهم وتحميل المسؤولية وربط الرد على قاعدة أن "زمن اضرب واهرب قد ولى"، بنتائج التحقيقات في الاعتداءات التي بدأت مع تفجيري بارتشين ونطنز في إيران وتنقلت لتصيب نحو 40 موقعاً حيوياً في البنية التحتية للنظام، وصولاً إلى استهداف قواعد وجوده الاستراتيجي مع حليفه "حزب الله" في سوريا.

فطهران ومعها "حزب الله" في لبنان يعتقدان أن الأمور في الإقليم تتجه لصالحهما نسبياً في المواجهة المفتوحة مع واشنطن وحلفائها، وأن قبضة الحصار الذي تتعرض له إيران وتطال أثاره جميع المحور الذي تقوده، ويطبق على أنفاسها الاقتصادية والسياسية بدأ بالارتخاء بعد الكشف عن مشروع الشراكة الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية والأمنية مع الصين، وانتقال العلاقة مع روسيا إلى مستويات جديدة وأعلى في الجانب الاستراتيجي بما في ذلك الشراكة على ساحات الشرق الأوسط. وبالتالي، فإن المحور المقابل يسعى وراء هدف استراتيجي يقوم على جر إيران إلى حرب مفتوحة أو محسوبة مباشرة أو عبر الساحتين السورية واللبنانية، وأن الهدف من هذه الحرب أو الحروب فرض الخسارة عليها وعلى حلفائها من خلال زعزعة الداخل الإيراني وضرب ما تبقى من حاضنة شعبية وسياسية مؤيدة لحليفها اللبناني. وبالتالي، فإن المصالح الاستراتيجية تفرض على هذا المحور امتصاص هذه الضربات وعدم الانجرار وراء ردود الأفعال التي تخدم مصالح الأعداء وتضع المشروع الأساس لهذا المحور والنظام الإيراني في مهب المخاطر والانهيار.

فالمشروع الإيراني الذي يرى في الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط المجال الحيوي له من خلال السعي لإرساء "العالمية الإسلامية" بالمحورية الإيرانية، هذا المشروع أخذ تعبيرات وأشكالاً مختلفة تنوعت التعبيرات عنه تبعاً لظروف والمراحل التي مرت بها المنطقة والإقليم. ولعل أبرز تعبير دقيق برز في الأدبيات السياسية والاستراتيجية للنظام الإيراني مع بداية الألفية الثالثة كان الحديث عن "شرق أوسط إسلامي" زمن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، في مقابل طرح "الشرق الأوسط الجديد" الذي بدأت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في إدارة الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش الترويج له آنذاك. وفي عهد الرئيس الحالي حسن روحاني، اتخذ مفهوم الشرق الأوسط الإسلامي مصطلحاً مختلفاً، إنما في الإطار والرؤية نفسهما، وبات يعبر عنه بالدعوة لإقامة "منطقة قوية" وصولاً إلى حلف المصالح المشتركة الذي تحدث عنه وزير الخارجية محمد جواد ظريف خلال آخر جولة عربية قام بها قبل نحو عام وشملت بعض العواصم الخليجية والعراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا الطرح الإيراني، بالشرق الإسلامي أو المنطقة القوية، يفترض قيام تحالف إقليمي بمحورية إيرانية يضم الدول العربية والشرق أوسطية في مواجهة المشروع الأميركي للشرق الأوسط بمحورية إسرائيلية. مما يعني العودة إلى ما يطالب به المرشد الإيراني بالوصول إلى هدف إخراج القوات الأميركية من منطقة غرب آسيا وما فيه من تعزيز لدور طهران التي ستكون قادرة حينها على فرض شروطها على هذه الدول باعتبار أنها تشكل الجهة الأكثر نفوذاً من خلال الأذرع والقوى التابعة لها في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين.

من هنا يمكن فهم المستوى العالي من العنف الذي مارسته أجهزة النظام الأمنية والعسكرية ضد المتظاهرين في حركات الاحتجاج التي شهدتها المدن الإيرانية خلال العقد الأخير من هذا القرن، خصوصاً مع الجماعات التي رفعت شعارات تمس المشروع والمصالح الاستراتيجية للنظام في الإقليم، وتحديداً تلك التي رفعت شعار "لا لبنان ولا غزة... روحي فداء لإيران"، لأنها استهدفت العصب الأساس الذي يقوم عليه هذا المشروع. فهو من ناحية يستهدف الذراع العسكرية الإقليمية التي تستخدمها كمنصة لتوجيه الرسائل إلى الخصوم، ومن ناحية أخرى يستهدف الورقة التي تستخدمها لكسب المشروعية الإسلامية من خلال تبني القضية الأساس للعالم الإسلامي في فلسطين، يضاف إليها الدور المحوري الذي تشكله الساحة اللبنانية و"حزب الله" في عملية ربط النزاع مع إسرائيل المنافس للطموحات الإيرانية الإقليمية.

قد يذهب بعض المتضررين من النفوذ والطموح الإيراني إلى الاعتقاد بأن تغييراً سياسياً ينقل النظام الإيراني من نظام مركزي شمولي يدار بالشراكة بين المؤسسة الدينية والمؤسسة العسكرية (حرس الثورة الإسلامية) إلى نظام ديمقراطي قد يؤدي حكماً إلى تغيير في سلوك النظام وأسلوب تعامله وتعاطيه مع الملفات الداخلية والخارجية، إلا أن هذا الاعتقاد قد يكون ممكناً في جانب وصعباً في جانب آخر. فمن الممكن أن يؤدي الانتقال إلى نظام تعددي وديمقراطي إلى ترجمة الطموحات الشعبية والنخبوية في فتح مجال الحريات بكل أنواعها ومستوياتها على آفاق جديدة، إلا أن آثارها تبقى خاصة بالداخل الإيراني. لكن من الصعب أن تصاب استراتيجية المصالح الإقليمية لأي نظام يدير السلطة في طهران بأي تراجع جوهري، بل سيعاد إنتاجها باستخدام أدبيات سياسية مختلفة أقل استفزازاً مع الحفاظ على الطموحات بالوتيرة نفسها. فالطموحات التي يسعى النظام الإيراني الإسلامي لتطبيقها والوصول إليها في المنطقة والإقليم، تكاد تكون متطابقة مع الطموحات الاستراتيجية التي حاول فرضها النظام الملكي الشاهنشاهي في إطار سعيه ليكون اللاعب الأساس الممسك بمفتاح الإقليم برعاية أميركية حينها.

لذلك، يبدو صعباً في حال حدوث أي تغيير في تركيبة النظام أن نشهد تغييراً في سلوكياته وسعيه الدائم للبحث عن تحالفات إقليمية تخدم المصالح والاستراتيجية، لأن المسلمة الأساسية في العقل السياسي الإيراني تقوم على إمكانية الصراع على السياسات الداخلية إلى حدودها القصوى، لكن من غير المسموح أن تنتقل هذه الصراعات لتصبح خلافاً حول المصالح القومية والاستراتيجية للنظام مهما كانت طبيعته.

وعليه، يبدو أن تغيير السلوك الذي تطالب به الإدارة الأميركية منذ أربعة عقود يدخل في إطار إجبار النظام في طهران على العودة إلى السياقات الأميركية في ضبط إيقاع الخلافات بين القوى الفاعلة والمؤثرة في الإقليم وتخلي هذا النظام عن سياسة تهديد الآخرين وزعزعة استقرارهم من أجل تعزيز وفرض دوره ونفوذه وهيمنته بما يساعده على فرض نفسه الشريك الأقوى. من هنا يأتي تخوف طهران من أن يتحول انفجار بيروت إلى مدخل لفرض متغيرات ومعادلات جديدة في الإقليم على حساب دورها وموقعها في هذه المعادلات.

المزيد من تحلیل