Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تحديات فرضتها رئاسة ترمب وأظهرت متانة دستور الولايات المتحدة

الرئيس لا يتلاءم والنماذج المعهودة عن الرؤساء، ودفع سلطاته إلى حدودها القصوى، لكنه لم يتمكن من كسر القواعد

بالغ ترمب في اللجوء إلى الحدود القصوى لسلطاته لكن الدستور الأميركي تصدى له  (كلاودفرونت.نت)

يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل أكثر بقليل من ثلاثة أشهر تفصله عن موعد الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني)، رجلاً قلقاً. فبعد أن تقدم عليه منافسه من الحزب الديمقراطي جو بايدن، بنحو 10 نقاط وفق استطلاعات الرأي، عاد سيد البيت الأبيض إلى عقد مؤتمراته الصحافية اليومية، وعدل من لهجته (لكن إلى متى؟)، وأصبح مدافعاً عن وجوب ارتداء قناع الوقاية من فيروس كورونا. ووجه بحسب زعمه، أوامر إلى مئات من العملاء الفيدراليين بوجوب تعزيز تطبيق القانون وفرض النظام في بعض المدن والولايات المضطربة.

وفي المقابل، لم تتمكن الأخبار الإيجابية التي حملتها استطلاعات الرأي إلى أنصار الحزب الديمقراطي، من تعزيز الثقة في صفوفهم، أقله وسط الطبقات التي ترفض بقاء ترمب في الرئاسة وتناهضه بشدة. إذ ما زال هؤلاء يتخوفون من أن يحاول ترمب "سرقة" الانتخابات، تماماً وفق ما حدث في المرة الأخيرة، بحسب رأيهم، أو حتى أن يرفض النتائج في حال خسارته، ويمتنع عن قبول الهزيمة. من جهة أخرى، تكتنف هذه المخاوف توجسات أكثر عمقاً بشأن السياسة الأميركية بشكل عام، الأمر الذي يعكس ارتباكهم (أنصار الحزب الديمقراطي) وحيرتهم إزاء احتمال أن يتولى في الأساس شخصٌ مثل دونالد ترمب منصب رئيس للبلاد، فتجدهم يدعون بحسرةٍ على أنفسهم بالويل، ويرثون ما يعتبرونه هلاكاً للديمقراطية في الولايات المتحدة.

ما أود أن أقول لهم، ابتهجوا أيها الأميركيون! ربما لم تتمكن حكوماتكم، الفيدرالية وحكومات الولايات، من التعامل بشكلٍ جيد للغاية مع مكافحة وباء فيروس كورونا (ثم مرةً أخرى، لن يشكل نظامكم الصحي نقطة قوة في الأزمات في أي حال)، لكن ديمقراطيتكم ليست في وضع خطر أو قيد الانهيار، كما يبدو لكم. أو ربما تكون الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات أكثر وضوحاً بالنسبة إلى أفرادٍ مثلنا يكونون أكثر قدرة على التمييز لكونهم خارج الإطار الضبابي الذي يحيط بحربكم السياسية. 

فلنبدأ بالأساسيات. صحيح أن النظام الانتخابي في الولايات المتحدة يعاني بعض العيوب. وقد ظهرت فاضحةً بشكلٍ صارخ في نتائج انتخابات عام 2000. أنتم تصوتون مستخدمين آلات تختلف في مواصفاتها ما بين ولايةٍ وأخرى، الأمر الذي لا بأس به في الانتخابات المحلية، لكن ليس بأسلوبٍ يمكن الركون إليه لاختيار من سيتولى منصب الرئاسة. لكن الأسوأ من ذلك، أنه لا تتوافر آلية تكون موضع ثقة في إعادة فرز الأصوات على مستوى الولاية. هل تتذكرون الكوميديا المُرة التي رافقت "بطاقات الاقتراع المعلقة التي لم تُثقب بشكلٍ كامل من الناخبين"؟ (ما زلتُ أحتفظ ببعض منها للذكرى تحت ثقالة الورق الزجاجية الموجودة على مكتبي في الوقت الذي أكتب فيه هذا الموضوع). وقد وصل قرار إعادة الفرز إلى المحكمة العليا. أي نوع من النظام هو هذا؟ إن روتين استخدام قلم الرصاص والورق لا يحمينا من التدخل السيبراني فحسب (بحسب التقرير البريطاني المتعلق بروسيا الذي صدر هذا الأسبوع)، بل يساعد في إمكان إجراء إعادة عد للأوراق الانتخابية في غضون ساعاتٍ قليلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

من ثم تأتي مسألة المجمع الانتخابي (يتألف من 538 ممثلاً عن الشعب الأميركي ويختار الرئيس ونائبه). فقبل أربعة أعوام، فازت المرشحة هيلاري كلينتون بالتصويت الشعبي (إجمالي عدد أصوات المقترعين) عبر الولايات المتحدة، بما يقرب من 3 ملايين صوت، لكنها خسرت الانتخابات، لأن دونالد ترمب حظي بعددٍ أكبر من أصوات المجمع الانتخابي، إذ أيدته غالبية ناخبي المجمع بـ304 في مقابل 227، ما حسم فوزه. وقد أثار ذلك جدلاً لدى بعض الذين ما زالوا يعتبرون أن فوزه بهذه الطريقة يجعل رئاسته غير شرعية. لكن ما لم يُعَدل النظام الانتخابي الذي لا يزال قيد المناقشة بين مؤيدين ورافضين له، فإن خطر غياب التناسبية في التمثيل الانتخابي يبقى مستمراً. ويتعين على المرشحين أن يقبلوا النتيجة التي يفرزها هذا النظام الانتخابي كما هي. فقد فاز ترمب، وعليكم تجاوز الأمر.

بعد ذلك تأتي مسألةٌ يجب عدم الاستخفاف بأهميتها لجهة الأفراد الذين يحق لهم التصويت. فالمجرمون ("أصحاب الجنايات") محرومون من هذا الحق، حتى بعد انقضاء فترة محكوميتهم أحياناً. حسناً، هذا هو نظامكم. لكن السجناء الذين يتعين أن يستعيدوا حقهم في التصويت، قد يجدون لدى وصولهم إلى مراكز الاقتراع، أن أسماءهم غير مدرجةٍ في السجل الانتخابي. ربما لم يجرِ تحديث القوائم الانتخابية بالجدية المطلوبة. وإذا كان الراغبون في التصويت من السود أو ذوي الأصول الإسبانية أو الفقراء، فقد يجدون أيضاً صعوبةً كبيرة في الوصول إلى مركز الاقتراع، ويكون عليهم الانتظار وقتاً أطول بكثير عندما يصلون إليه، بالمقارنة مع الناخبين البيض في المناطق التي يتمتعون بحظوة أكبر فيها. وفي الواقع، ثمة قائمة طويلة من الإخفاقات التي ترتكبها الديمقراطية الأميركية.

في المقابل، جرت الآن معالجة بعض نقاط الضعف في الإجراءات المعمول بها في أعقاب الإحراج الانتخابي الذي حصل في عام 2000. لكن النظام الانتخابي يواجه ثغراتٍ جديدة. ولعل المخاوف الأكبر الماثلة هذه المرة، تكمن في التدخل الأجنبي ومصدره روسيا. ويدور حديث حول خوض قتال المعركة الأخيرة. فقد تبين من التحقيق الذي أجراه روبرت مولر، أنه لم يكن هناك "تواطؤ" بين معسكر دونالد ترمب وأي من الأطراف الروسية (وهو السبب الرئيسي الذي كان وراء فتح التحقيق)، وأن المواقف العدائية الروسية التي نُشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، طاولت مختلف المرشحين لكنها لم تؤثر في النتيجة النهائية. وفي حال لم تُحصن الأنظمة الانتخابية الأميركية كي تتمتع بالمرونة الكافية هذه المرة، فيتعين العمل على ذلك.

ثمة هاجس آخر يساور بعض الأميركيين من احتمال فوز دونالد ترمب بولايةٍ رئاسية ثانية. ويتمثل في أنه حتى لو خسر انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فهناك احتمال بأن يرفض الهزيمة، خصوصاً إذا تبين وجود فارق بسيط بينه وبين جو بايدن. لا نتحدث هنا عن طعنٍ في نتيجةٍ متقاربة لأنه يحق لأي من المرشحَين بذلك. لكننا نتكلم، أو في الواقع يتكلم خصوم ترمب، على مجرد تمسكه بالبقاء في مكتبه في البيت الأبيض ورفضه الانتقال منه، إلى نقطةٍ ربما يمكن معها استدعاء قوى الجيش (لكن أي جهة ستفعل ذلك؟) لإجباره على الخروج. ما يمكنني أن أقوله في الرد على هؤلاء يقتصر على الكلمات التالية: ما هذا التفكير أيها الأميركيون؟ إنكم في هذا المجال تستسلمون حقاً لكوابيسكم. إذا خسر دونالد ترمب، فسيغادر. ربما يخرج غاضباً لكنه سيخرج. وإذا بدا له في الأسابيع المقبلة أنه لن تكون لديه فرصةٌ للفوز، فهناك احتمال ألا يرشح نفسه إطلاقاً.

 

 

في المقابل، لماذا أنا متأكدة من أنه إذا خاض (ترمب) الانتخابات وتعرض لهزيمة فسيغادر منصبه بهدوء؟ لأنه على مدى الأعوام الأربعة الماضية، في كل مرة تقريباً كان يخسر فيها، سواء في المحكمة العليا أو في الكونغرس أو أمام محكمة الرأي العام الأميركي، كان ينتهي به المطاف إلى التراجع وقبول الحكم.

إن دونالد ترمب، كما يلتقي على وصفه أعداؤه وأصدقاؤه على حد سواء، ليس سياسياً تقليدياً. فقد أتى إلى الرئاسة من خلال سيرة مهنية حافلة بالأعمال التجارية التي شهدت مستوياتٍ مختلفة من النجاحات والإخفاقات، وعبر هالةٍ مضخمة لشخصيته المصنفة كأحد كبار المشاهير التلفزيونيين. وكانت صورة الشخص الآتي من خارج التركيبة السياسية لـ"مستنقع" واشنطن، أحد أسباب فوزه في انتخابات 2016، وسط خيبة أمل شعبية واسعة النطاق من عالم السياسة. صحيحٌ أنه اختبر الحدود التي يمكن أن تذهب إليها السلطة الرئاسية، سواءٌ في محاولة تقييد الهجرة، أو منع دخول مواطنين من بلدانٍ معينة، أو تعيين قضاةٍ على هواه، أو إقناع أوكرانيا بالتحقيق في أنشطة ابن منافس له (ولقد جرى عزله في مجلس النواب، وسقط العزل في مجلس الشيوخ بناءً على ذلك)، أو خوض حربٍ تجارية مع الصين، أو حتى الشروع في رأب الصدع مع روسيا.

من زاوية مغايرة، إن ما لا يقل إثارةً للدهشة عن الطريقة التي دفع بها دونالد ترمب حدود السلطات الدستورية، يتمثل في مدى القوة التي يتمتع بها الدستور الأميركي الذي صمد في مواجهة رئيسٍ لا يتلاءم أبداً مع القالب النموذجي المعهود عن الرؤساء، أقله الذين تولوا الحكم في العصر الحديث للولايات المتحدة. فقد ألغت المحكمة العليا كثيراً من قراراته، بدايةً بأحد أوائلها المتعلق بمنع دخول مواطني دول ذات الغالبية المسلمة إلى الولايات المتحدة. ولم تكن استجابته تقضي بتحدي تلك الأحكام، بل تمثلت إما بالتخلي عن ذاك التدبير، أو بتكيفه مع القانون ثم إعادة المحاولة مرةً أخرى. والواقع أن قراره الأخير إرسال عملاء فيدراليين إلى بعض المدن الأميركية المضطربة، قد يكون عرضةً للطعن القانوني من جانب الولايات المعنية.

في المحصلة، لا يكمن الهدف في الحكم على ترمب لتبيان إذا كان رئيساً جيداً، أو كما يصر كثير من منتقديه بالفعل على وصفه، أو من بين أسوأ الذين تولوا السلطة في البلاد. لكن، لا بد من الإشارة إلى أنه حيثما ومتى لجأ إلى تحدي القانون وواجه الخسارة، فقد كان في النهاية يقر بالحكم ويتراجع. ولهذا السبب، إذا خسر الانتخابات المقبلة، فإنه سيقبل الهزيمة. صحيح أن رئاسة دونالد ترمب أثارت موجة من الفوضى والاضطرابات من نواح عدة، لكن ليس من السيء أن يجري، من وقتٍ إلى آخر، امتحان مسار ديموقراطيةٍ دستورية ما واختبار كفاءاتها.

أخيراً، إن الفضل يعود إلى دستور قوي استطاع الصمود عبر التاريخ ولم يشهد إلا قليلاً من التعديلات على مدى أكثر من 200 سنة، ونجح في الخروج سليماً حيال عددٍ من محاولات الافتراس الضارية التي شهدتها رئاسة دونالد ترمب.ٍ

© The Independent

المزيد من آراء