Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عمر الرئيس الأميركي وصحته العقلية قد يحسمان المعركة الانتخابية

الرؤساء الأصغر سناً تمتعوا ببصيرة نافذة وترمب وبايدن فشلا في كسب ثقة الشباب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ ف ب)

أياً كان المنتصر في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن عُمر الفائز سيحطم الرقم القياسي الأميركي. إذ إن دونالد ترمب الذي أكمل 74 سنة، وهو حالياً أكبر الرؤساء الأميركيين سناً، سيكون أكبر رئيس يفوز بولاية ثانية. كما أن جو بايدن الذي يبلغ 78 سنة في شهر الانتخابات، سيكون أكبر مرشح يفوز بولاية رئاسية أولى في الولايات المتحدة. 

وعلى الرغم من تقارب السن بين ترمب وبايدن، وتقدم متوسط الأعمار في الولايات المتحدة وتحسن الصحة بين كبار السن الأميركيين، إلا أن عُمر الرئيس وصحته دخلا معترك المعركة الانتخابية من أوسع أبوابها. إذ يقول ترمب أن بايدن خرِف، ويقول بايدن إن ترمب مريض، فهل صحيح أن العُمر يؤثر على أداء الرئيس الأميركي؟ وهل يمكن لرئيس متقدم في السن أن يمثل مصالح الشباب؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه القضية أن تؤثر في نتيجة الانتخابات المقبلة؟

شيب الرئاسة وشبابها

ربما يكون شيب الرئاسة الأميركية ملحوظاً بشكل خاص في هذه المعركة الانتخابية أكثر من أي معركة تنافسية سابقة، لأن أكثر رؤساء الولايات المتحدة الذين تمتعوا ببصيرة نافذة كانوا عادة من الشباب. فعلى سبيل المثال كان تيودور روزفلت، الذي أصبح أصغر رئيس على الإطلاق في عمر 42 سنة، لديه البصيرة ليخصص 230 مليون فدان من الأراضي العامة للأجيال القادمة من الأميركيين كي يستمتعوا بها. كما كان جون كينيدي، في سن 43، أول من رسخ عدداً من المفاهيم المشتركة مع حركة الحقوق المدنية، وهو أول من تعهد بوصول الإنسان إلى القمر، وأول من أنشأ فيلق السلام لنشر القيم الأميركية حول العالم.

حتى الرؤساء المشهورين الذين سجلهم التاريخ باعتبارهم رجالاً عظماء كانوا وجوهاً شابة وجديدة بالمعايير الحالية، حيث كان أبراهام لينكولن في أوائل الخمسينيات من عمره عندما حافظ على وحدة الأمة خلال الحرب الأهلية، وكان فرانكلين ديلانو روزفلت في الخامسة والخمسين من عمره عندما بدأ في إخراج أميركا من الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي. وكان ليندون جونسون رئيساً في عمر 55 عندما أطلق برامج الرعاية الصحية لكبار السن وذوي الدخول المنخفضة كجزء من الدور الاجتماعي الكبير للدولة.

أصوات الشباب... لمن؟

تشير التجارب التاريخية إلى أن غالبية المرشحين الشباب للرئاسة الأميركية كانوا يستحوذون على أصوات أكثر في الانتخابات العامة، لكن الأصوات لم تكن تُصنف وفقاً للعمر. إذ إن تأثير تصويت الشباب فكرة جديدة نسبياً.

وحتى عام 2000، كان الشباب يميلون إلى التصويت تقريباً بالطريقة نفسها التي يصوت بها آباؤهم. فعلى الرغم من أن معظم الشباب كانوا أكثر ليبرالية من آبائهم، إلا أنهم فضلوا ريتشارد نيكسون عام 1968، ورونالد ريغان عام 1980. غير أن باراك أوباما كان أول رئيس يدين بفوزه للشباب عام 2008.

لكن دراسات حديثة تشير إلى أن الناخبين الشباب تستقطبهم بشكل أكبر الأفكار الكبيرة والجريئة حول مستقبل أميركا، وليس السياسات التي تبدو مرتبطة بالماضي أو أعمار المرشحين للرئاسة. ولهذا ليس مستغرباً أن يكافح ترمب وبايدن للتواصل مع الشباب الأميركيين. وحسب دراسة أجراها معهد هارفارد للسياسة، فإن حوالى ثلثي الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة لا يؤيدون ترمب، كما أن جو بايدن يعاني في التواصل مع الناخبين الشباب الذين فضلوا خصمه السابق الأكثر تقدمية بيرني ساندرز، لأن رسالة بايدن تتعلق بالعودة إلى الماضي أكثر من كونها رؤية لمستقبل جديد وجريء.

ويبدو أن معيار صحة الرؤساء لدى الشباب ليس عاملاً حاسماً كذلك، حيث لم يكن العمر مرتبطاً باللياقة العقلية والبدنية. فعلى سبيل المثال كان جورج دبليو بوش، الذي وصل إلى الرئاسة في سن 54، يستيقظ في الساعة 5:15 صباحاً ويخلد إلى النوم في التاسعة مساءً. لكن بيل كلينتون الذي يعد أحد أصغر الرؤساء عُمراً عند انتخابه (46 سنة) فقد خضع لعملية جراحية في قلبه بعد ثلاث سنوات فقط من ترك منصبه. كما تم تشخيص إصابة رونالد ريغان، الذي كان أكبر رئيس للولايات المتحدة قبل دونالد ترمب وانتخب في سن 69، بمرض الزهايمر بعد أربع سنوات من تركه منصبه.

هل كبر السن عائق؟

قد لا يكون من المُهذب في الولايات المتحدة أن يتساءل أحد عما إذا كان مرشح متقدم في السن لديه القدرة على إدارة البلاد، ذلك أنه يعتبر تمييزاً على أساس السن. فعلى الرغم من صعوبة تخيل رئيس في الثمانينيات أو منتصف السبعينيات، إلا أنه لا ينبغي اعتبار العمر وحده عائقاً أمام أداء أي شخص. فالكثير من الناس منتجين بشكل يحسدون عليه ويتمتعون بعقل نشط وحاد في الثمانينيات وحتى التسعينات من عمرهم.

لكن ليس الناخبين وحدهم من يبدون قلقهم بشأن أعمار المرشحين، حيث يقذف مؤيدو المرشحين الإهانات المرتبطة بالعمر على بعضهما البعض، فبينما يصف ترمب خصمه بايدن بـ"سليبي جو" أو جو النائم، يرد حلفاء حملة بايدن بتسليط الضوء على نزول ترمب الحذر في منحدر بعد خطاب أدلى به في الأكاديمية العسكرية الأميركية في نيويورك قبل أسابيع، فيما يصفه المراقبون بسخرية مقيتة تسيء إلى المرشحين.

ويحث الأطباء ذوي الخبرة في أدمغة المسنين، الناخبين على عدم التركيز المفرط على العمر وحده، ويرون أنه من المهم النظر في قضايا مثل الخبرة والسياسة بدلاً من العُمر حسبما يقول الدكتور غاري سمول، أستاذ علوم البيولوجيا الحيوية بجامعة كاليفورنيا.  

ويضيف العالم الأميركي أن الكثير من الناس يفترضون أن الدماغ الأكبر سناً ليس جيداً، لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة، فمع تقدم العمر يصبح الناس أكثر حكمة ولديهم خبرة أكبر في حل المشكلات، ومستوى أقل من التوتر والقلق. وعندما نكون في سن أصغر، نصبح أكثر قلقاً بشأن كيفية التخطيط للمستقبل، ولكن عندما نكبر نحل الكثير من مشكلات الحياة بسبب اكتساب مرونة عقلية أوسع، والتي تعد من المزايا المهمة لكبار السن.

ويقول الدكتور ريتشارد إيزاكسون رئيس مجلس أمناء مؤسسة ماكنايت لبحوث الدماغ، إنه لا ينبغي اعتبار العُمر عاملاً للتمييز عندما يتعلق الأمر باختيار شخص في منصب قيادي، حتى ولو كان في أقوى منصب على سطح الأرض، بل يجب أن يكون الاختيار للأفضل.

استراتيجية ترمب الهجومية

وقبل أسابيع، استخدم الرئيس ترمب استراتيجية هجوم في حملته الانتخابية، أخذت تتصاعد مع الأيام، وتركز على لياقة بايدن العقلية، حيث لا تصفه فقط بـ"سليبي جو"، بل تُسلط الأضواء على لحظات معينة أثناء حملته الانتخابية يتلعثم خلالها في نطق كلماته، أو يستخدم كلمات خاطئة أو يضيف تعبير "على أي حال" وسط إجابات طويلة قبل أن يغير مسار الحديث، وهو ما يستهدف إضفاء ظلال من الشك على صحة بايدن وعدم قدرته على تولي منصب يحمل أعباء كثيرة وخطيرة.

وفي لقاء تليفزيوني مع كريس والاس مقدم برنامج "فوكس نيوز صنداي"، قال ترمب إن بايدن أشبه بشخص أصيب بعيار ناري في رأسه، حيث لا يمكنه ترتيب جملتين معاً، وهو ليس مؤهلاً لأن يكون رئيساً، ولهذا اعتبر مساعدو بايدن أن ترمب يحاول إقحام قضايا تتعلق بالصفات الشخصية واللياقة البدنية في صميم الحملات الانتخابية بشكل يجعل قضايا مثل طريقة التعاطي مع وباء كورونا والاقتصاد والسياسة تحل في مرتبة تالية لأنها تجعل ترمب في وضع أسوأ بآلاف المرات.

آلة الأخطاء المحرجة

نائب الرئيس السابق جو بايدن أطلق على نفسه في ديسمبر (كانون الأول) 2018 اسم "آلة الأخطاء المحرجة"، تأكيداً منه أن تلك العبارات اللفظية الطويلة وبعض الأخطاء التي ترافقها كانت على الدوام جزءاً من شخصيته العامة، وهو ما جعل مؤيدي بايدن أكثر تسامحاً مع هذه القضية بسبب انفتاحه وسعيه للتغلب على التلعثم.

ويشير مستشارو بايدن وحلفاؤهم الديمقراطيون إلى أن ترمب يخطئ في العديد من العبارات اللفظية نفسها التي يهاجم بها بايدن، وكثيراً ما يكذب ويتبنى نظريات المؤامرة.

وفي لقاء مع شبكة "سي إن إن" اعتبر بايدن أن ترمب يفتقد شيئاً ما ويواجه مشكلة في التحكم بعواطفه وانفعالاته، لكنه لا يريد أن ينزلق إلى مستوى يجعله يطلق على ترمب لقباً بعينه.

 فحوص الصحة العقلية للرؤساء

وعلى الرغم من أن مراجعات الفحوص الطبية لرؤساء الولايات المتحدة الخمسة السابقين تُظهر إشارات موجزة أنهم أجروا فحوص الصحة العقلية، إلا أن السجلات لم تتضمن قراءة حول فحواها.  

وخلال عام 2018، تلقى روني جاكسون طبيب البيت الأبيض، رسالة من عشرات الأطباء تحثه على إجراء اختبارات الصحة العقلية الأساسية للرئيس باعتبارها عملية روتينية، وفقاً لإرشادات الرعاية الطبية التي تتطلب ممن يتجاوزون 66 عاماً، تقييم وظائف الصحة الإدراكية والعصبية لديهم.

غير أن مسؤولي البيت الأبيض رفضوا تساؤلات حول اللياقة العقلية للرئيس ترمب، واصفين إياها بأنها مشينة ومضحكة، وأكدوا أن ترمب لن يخضع لاختبار الصحة العقلية لأن الأمر يعود للرئيس عما إذا كان يرغب في مشاركة أي نوع من المعلومات مع عامة الناس.

العُمر والإدراك المعرفي

ويقول دكتور سمول إن بحوثاً شاملة تشير إلى أن المهارات التراكمية والذاكرة والمعرفة لدى الشخص العادي والمعروفة باسم "القدرات البلورية"، تميل إلى التحسن حتى يصل الإنسان إلى 60 عاماً ثم تثبت وتستقر حتى سن 80 عاماً تقريباً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أننا نعرف أن أدمغتنا تنكمش بمرور الزمن وأن الروابط التي تربط المناطق المختلفة في الدماغ لا تكون بالقوة التي كانت عليها عندما نكون في سن أصغر، كما يتزايد التراكم غير الطبيعي للبروتين في مناطق الدماغ التي تتحكم في عمليات التفكير والذاكر.

وتكون تلك العملية تدريجية بالنسبة إلى الشخص العادي، غير أنها لا تؤثر على الوظائف اليومية، ولكن عندما يصل الإنسان إلى نقطة معينة تبدأ المشكلات في الظهور. وبمعنى آخر، فإن هناك فرق بين التلعثم في نطق بضع كلمات، وبين ضعف الوظيفة الإدراكية للدماغ.

ويعد العُمر في حقيقة الأمر أخطر عامل يؤثر في تطور الإدراك المعرفي، لكن على الناس أن تفهم أن هذه العملية تستمر مدى الحياة، وبالنسبة إلى الشخص الطبيعي العادي، فإن الذاكرة في عُمر 45 لا تكون جيدة كما كانت قبل 20 عاماً، ولكن الأشياء الشائعة المرتبطة بالعمر مثل نسيان مكان المفاتيح أو النظارات أو ظهور مشكلة في العثور على الكلمات، تميل إلى أن تكون مستقرة نسبياً بمرور الزمن ولا تتعارض مع الوظائف اليومية للشخص.

تعريف الخرف

وحين يتسبب التدهور الإدراكي المعرفي لشخص ما في أن يجعله معتمداً على الآخرين لتلبية احتياجاته اليومية، يكون تعريف ذلك هو الخرف. وعندما يكتب الأطباء علاجاً ويستمر القلق حول ذاكرة الشخص، فمن المهم إجراء فحص لمعرفة ما إذا كان ذلك يمثل مشكلة، أو أن ذلك يعد جزءاً طبيعياً من الشيخوخة. لكن إذا كان هناك شخص أكبر سناً من شخص آخر، فإن هذا لا يعني أنه يعاني من ضعف إدراكي يتعارض مع وظائف حياته اليومية.

ويشير إيزاكسون إلى أن إجراء تشخيص سريري حول اللياقة المعرفية للشخص يتطلب إجراء فحص طبي شامل، من تصوير الدماغ بالأشعة إلى إجراء تقييمات معرفية محددة.  

ماذا عن صحة كل مرشح؟

في الوقت الحالي، هناك المزيد من المعلومات العامة المتاحة حول صحة ترمب وبايدن البدنية أكثر مما يتوافر عن صحتهم العقلية. واستناداً إلى السجلات الطبية التي تم الكشف عنها، فإن الرئيس ترمب يدوام على تناول عقاقير من أجل التحكم في مستوى الكوليسترول ويعتبر من الناحية الإكلينيكية بديناً.

وفي عام 2018، اجتاز ترمب اختباراً للكشف عن "الخلل المعرفي المعتدل"، كما خضع لفحص CT بالأشعة المقطعية في العام نفسه، أشار إلى ترسبات تدل أن لديه شكلاً شائعاً من أمراض القلب.

أما بالنسبة إلى بايدن، فقد أصدر في ديسمبر الماضي ملخصاً حول تاريخه الطبي، كشف أنه يتناول عقاقير لخفض مستويات الكوليسترول والدهون الثلاثية، ومنع تجلط الدم.

كما أن بايدن لديه إيقاع غير منتظم في القلب يعرف باسم الرجفان الأذيني غير الصمامي، وهو ذو وزن طبيعي، لكنه عانى عام 1988 من نزيف في المخ بسبب تمزق الأوعية الدموية الدماغية وخضع لعملية جراحية، إلا أن طبيبه لاحظ عدم تكرار تمدد الأوعية الدموية منذ ذلك الحين.

العُمر والسياسة

أجاب بايدن وترمب على أسئلة حول علاقة العمر بالسياسة. ففي أبريل (نيسان) 2019، سُئل ترمب عن العُمر الذي يعتبره كبيراً بالنسبة إلى الرئيس، فقال إنه يشعر وكأنه شاب مفعم بالحيوية، مشيراً إلى أنه لا يعرف حالة جو بايدن. ورد بايدن متهكماً على تعليقات ترمب، قائلاً "إذا كان ترمب يبدو شاباً ونابضاً بالحياة مقارنة بي، فقد أعود إلى المنزل". ويعترف بايدن بشرعية التساؤل عن السن في المناصب العامة، قائلاً إنه من المناسب تماماً أن ينظر الناس في عمره عند تقييمه كمرشح رئاسي، مؤكداً أنه لائق بشكل كاف.

ومع استمرار الحملة وتصاعد سخونتها، سيكون للناخبين فقط أن يقرروا ما إذا كان العمر مهماً حقاً أم لا، ومن يجب أن يقود الأمة الأميركية في نهاية المطاف.

المزيد من تحلیل