Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يقرأ "الزبيدي" برقية "مادورو" الأخيرة...قبل فوات الأوان؟

بين كاراكاس وعدن... قصة رجلين استخفا بمنطق "الجوار الكبير" فصدمهما قطار التاريخ

 "مراوغة التوازنات الإقليمية" سلاح ذو حدين، لكن الزبيدي ومادورو استخدما "النصل الحاد" باتجاه صدورهما (اندبندنت عربية)

ملخص

على رغم آلاف الأميال التي تفصل بين الرجلين، فإن خيطاً سميكاً من "اليسارية الشعبوية" يربط مادورو والزبيدي، ومصير الرئيس الفنزويلي يمثل "المرآة" التي يجب أن ينظر فيها كل من يحاول العبث بتوازنات الجزيرة العربية، بحسب مراقبين.

 بينما كانت طائرات "دلتا" تخرق صمت سماء كاراكاس، معلنة نهاية حقبة من "العناد الثوري" لنيكولاس مادورو، كان الصدى يتردد في أروقة القصور في عدن والمكلا.

 لم يكن السقوط مجرد انهيار لنظام شعبوي في أميركا اللاتينية، بل كان درساً قاسياً في مادة "الجغرافيا السياسية"، موجهاً لكل من ظن أن "الأمر الواقع" يمكنه أن يصمد طويلاً أمام "منطق الجوار والقوة".

 في فنزويلا كان الجار الكبير هو واشنطن، وفي اليمن يقف الجار الكبير في الرياض ومسقط، والرسالة واحدة: "الجغرافيا لا تغفر الخطايا السياسية".

شركاء "الوهم الأيديولوجي"

على رغم آلاف الأميال التي تفصل بين الرجلين، فإن خيطاً سميكاً من "اليسارية الشعبوية" يربطهما. مادورو وريث تشافيز، الذي ظن أن الخطابات الحماسية وتوزيع الوعود على الفقراء يمكن أن يعوضا غياب الدولة المؤسسية، يجد نظيره في عيدروس الزبيدي، الذي استدعى "أشباح" الحزب الاشتراكي اليمني القديم، ملتحفاً بعباءة "القومية الجنوبية" لفرض واقع انفصالي بالقوة.

 

كلاهما لعب لعبة "تجاهل الجغرافيا" ببراعة انتحارية، مادورو حاول تحويل فنزويلا إلى منصة متقدمة لروسيا وإيران في "الحديقة الخلفية" لأميركا، متوهماً أن موسكو البعيدة ستحميه من واشنطن القريبة.

 وفي المقابل، أطل الزبيدي في "البيان رقم واحد" بالأمس يحاول خطف حضرموت والمهرة وسقطرى وأخواتها إلى ساحة نفوذ تناكف الجار السعودي والعُماني، ماداً يده تارة لقوى إقليمية، وتارة أخرى ملوحاً بـ"ورقة إسرائيل" في محاولة يائسة للي ذراع الرياض، متجاهلاً أن "أمن السعودية" بالنسبة إلى القيادة السعودية هو عقيدة وجودية و"خط أحمر" لا يُرسم بالحبر، بل بالدم والنار.

لعبة الرهانات الخاسرة

في علم السياسة، يُقال إن "مراوغة لتوازنات الإقليمية" سلاح ذو حدين، لكن الزبيدي ومادورو استخدما "النصل الحاد" باتجاه صدورهما، حين استخف مادورو بترمب وضغوط الجوار اللاتيني، انتهى به الأمر معتقلاً في قصره، لا يجد متسعاً إلا لزوجته وحقيبة ذكريات منهارة.

الزبيدي اليوم يسير على الحافة ذاتها، فمحاولته تجاهل "صدمة الجغرافيا" في حضرموت والمهرة، واستهانته بمصالح السعودية الحيوية في تأمين حدودها الجنوبية، جعلته يقع في فخ "الغطرسة السياسية"، وتناسى أن الاستقواء بالخارج لفرض أمر واقع على شعب يرفضه (كما فعل الحضارمة في رفضهم سطوة "الانتقالي") هو استنساخ لتجربة مادورو الذي فرض نفسه بالحديد والنار على شعب جائع، حتى طرق القدر بابه في "ليلة دلتا" الشهيرة.

برقية من القبر السياسي

تأتي المقاربة الساخرة التي تخيلت حواراً بين الزعيمين لتعبر عن حقيقة استراتيجية مرة، حين قال مادورو للزبيدي "الجغرافيا هي الحقيقة الوحيدة الثابتة في السياسة"، كان يختصر قروناً من دروس التاريخ، حاول التشكيك فيها أنصار لمادورو والزبيدي على حد سواء. فقبل أيام ذكر هذا الأخير ومن خلفه الكاتب السعودي المخضرم عبدالرحمن الراشد بكلمة الجغرافيا الأشد تأثيراً في الملف اليمني، لكنهم قابلوها بازدراء، قبل أن تباغتهم في القصور والمقرات كشواظ من نار.

حاول مادورو هو الآخر الهروب من حتمية الجوار الأميركي، فجاءه الحساب من "القدر" بصوت ترمب، وأكف فرقة "دلتا" الذائعة الصيت، ومثله حاول الزبيدي الهرب من حتمية الجوار السعودي - العماني، متوهماً أن المكلا وحضرموت يمكن أن تُحكما بـ"الريموت كنترول" بعيداً من توافقات المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 سقط مادورو لأنه لم يعترف بأن "المُجرب" لا يُجرب، وأن الجار القوي قد يصبر طويلاً، لكنه حين يتحرك، يفعل ذلك بمنطق "مكره أخاك لا بطل".

 واليوم، وبينما تشتد الضغوط على المجلس الانتقالي لإخلاء مواقعه في الشرق اليمني، يبدو أن عيدروس أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قراءة "برقية مادورو" بتمعن والعودة إلى حضن التوافق الوطني تحت مظلة "مجلس القيادة الرئاسي"، أو انتظار تلك اللحظة التي يدرك فيها - بعد فوات الأوان - أن الجغرافيا "تغني من الحقائق كل شيء" عكس ظنونه.

 

في سياق تعليقه على اختطاف فتى كاراكاس بغتة، بدا الكاتب اللبناني غسان شربل كأنه يقرأ المشهد بلغة الجغرافيا القاسية لا بلغة الشعارات على "إكس"، فمشهد اقتحام "دلتا" قصر مادورو واعتقاله لا يُفهم إلا كرسالة جغرافيا وقوة عارية: "بوتين قد يشعر بالحسد، فجيمس بوند ليس قيصر الكرملين بل سيد البيت الأبيض"، هكذا نفذ دونالد ترمب «تسديدة ركنية تاريخية» يحسده عليها ميسي ورونالدو ومحمد صلاح، مذكّراً بأن من يأمر بقتل قاسم سليماني لا يتردد في الأمر بخطف مادورو، وأن من يملك مفاتيح الخرائط لا يناور بالكلمات. خلاصة المشهد، كما يوحي شربل، حكمة تتكرر كل يوم: "لا تلعب ضد ترمب، ولا تراهن على الشعارات حين يتكلم منطق الجغرافيا".

 هل تشرق شمس "دلتا" في عدن؟

إن مصير مادورو، الذي انتهى به الأمر وحيداً بعدما استنزف كل ألاعيبه السياسية، يمثل "المرآة" التي يجب أن ينظر فيها كل من يحاول العبث بتوازنات الجزيرة العربية هي الأخرى في تقدير المراقبين.

 الجغرافيا في اليمن ليست مجرد تضاريس، بل هي "هوية وأمن قومي" مشترك مع السعودية وعمان والخليج ومياه دولية وعربية إقليمية، وإذا استمر الزبيدي في الاستهانة بكل تلك المقومات، فقد يجد نفسه قريباً يكرر كلمات مادورو الأخيرة لنفسه: "ثكلتك أمك... هل قالوا ’دلتا‘؟".

لقد أفاق مادورو على واقع لم يعد فيه متسع للمناورة، فهل يفيق الزبيدي قبل أن يطرق "المصير" أبوابه في عدن؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير