Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف نجح الشاباك في اختراق القسام؟

الكتائب منقسمة وصراعات على الأولويات وتثبيت الهدنة والتهدئة وتباين بالرؤى مع المكتب السياسي

حركة حماس تنفي ضبط خلية عميلة لإسرائيل داخل صفوفها (أ ف ب)

تختلط  كل الأوراق المتعلقة بكشف حركة حماس خلية عميلة في قطاع غزة، تضم قيادات من كتائب القسام، لصالح إسرائيل قبل الكشف عنها أخيراً، حيث تدّعي كل الأطراف المعنية بالشبكة بأن شيئاً لم يحدث، وأن اختراقاً لم يتم. وأنه لا توجد قيادات كبيرة في القسام متورطة. وما بين تداول أخبار غير صحيحة وبين محاولة فرض سواتر حقيقية وأخرى موجهة، فالدخول إلى كهف جهاز شاباك ودائرة مخابرات القسام يحتاج إلى أدوات ومعلومات وأخبار ولو غير صحيحة.

تفاصيل جديدة

إن القيادات التي تم طرح أسمائهم في الشبكة من الأسماء القيادية هي بالأصل أسماء كودية، لا وجود لها على الأرض فعلياً، وبعضهم يعمل من خلال نوافذ إعلامية وعسكرية واقتصادية برغم انتمائهم إلى كتائب القسام؛ الجناح المسلح لحركة حماس، الذي يخضع لمراقبة ومتابعة من القيادة العليا لحماس، وهي قيادات غير معلوم أسماؤهم. يعملون في مجالات محددة، ولا يعلم قيادات الحركة في المكتب السياسي بالداخل أو الخارج أسماء بعضهم؛ لاستقلال كل قطاع في الحركة حسب مهمته، وبالتالي فترويج أسماء معينة غير صحيحة، بل والإشارة إلى وجود شخص هارب، وآخر مقبوض عليه، قد يكون تورية حقيقية لأعضاء الشبكة. والمؤكد أن الخلية تضم أسماء قيادية أخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أن جهاز شاباك (جهاز الأمن الداخلي) المتخصص في متابعة ومراقبة الأجنحة العسكرية بقطاع غزة سبق له اختراق كتائب القسام، ولم تعلن إسرائيل مثل هذه الاختراقات؛ لأسباب متعلقة بمهام شاباك وحرصه على حياة الأعضاء الذين يعملون في شبكاته بالداخل؛ سواء في رام الله أو غزة أو العواصم العربية أو الخارج. وهو هنا يتماس مع مهام عمل الموساد لأن مهامه العمل بالخارج. ولكن في السنوات الأخيرة تداخلت بعض المهام بين الجهازين وفقاً لمجمع الاستخبارات العام.

في المقابل هناك وجود لصراع غير معلن بين قيادات وزارة الداخلية في غزة وبين كتائب القسام على المهام والأولويات، حيث تعد عناصر الكتائب الأكثر مهنية وخبرة.

واللافت أن وزارة الداخلية في قطاع غزة هي التي أعلنت نبأ الكشف عن الخلية العميلة لإسرائيل، وكأن الأمر يتم في دوائر من المنافسة والصراع، بخاصة أن داخلية غزة سبق أن أعلنت وجود معلومات عن شبكات أخرى فلسطينية تعمل في الداخل دون إعطاء تفاصيل.

ومن المؤكد أن هذه العناصر تنتمي لفصائل غير منضبطة أصلاً، وهو أمر معتاد ومكرر وتستطيع داخلية غزة السيطرة عليه. أما الشبكة التي تعمل لصالح إسرائيل فشأن آخر؛ لأنها تمس حركة حماس ككل، وجناحها العسكري، الذي يتمتع بحصانات كبيرة وهالة أمنية وعسكرية، ويعتبر درة تاج مؤسسات وأجهزة حركة حماس، ولكن هذا لا يعني أن الجناح العسكري موحد، بل عانى في الفترات الأخيرة أزمة حقيقية حول ترتيب الأولويات والمهام، التي تعلقت بتثبيت الهدنة وإقرارها من جانب وأجندة علاقاته بتركيا وإيران. وعلى جانب آخر مسعى قيادته الميدانية والعسكرية إلى لعب دور سياسي، وهو ما أدى إلى اختراق بعض وحداته وشُعبه المعقدة التي تعمل داخل الجدران.

 

الصيد الثمين

إن تأكيد وجود علاقات بين الشبكة، التي تم الكشف عنها، وشاباك أمرٌ محسومٌ، حيث من المؤكد أن ضباط شاباك وجدوا صيداً ثميناً في المعلومات، التي يسعون للحصول عليها، وهو تسليح حركة حماس وقواعد التمركز والانتشار والمهام الاستراتيجية والقدرات التمويلية وشبكات التدريب، التي تعمل في عدة عواصم أوروبية وفي لبنان وتركيا واليونان وماليزيا والسودان ودول أخرى، ولهذا كان مسعى شاباك للانفتاح على عناصر القسام.

ومن الممكن أن يكون قد تم التجنيد بالخارج وليس في قطاع غزة، ومن خلال أطراف ووسطاء آخرين. ومن الواضح أن توقيت تجنيد الشبكة غير معلوم، وهو ما يشير إلى مخاطر ما جرى، وفُسر على أنه اختراق حقيقي في ظل احتمالات لوجود شبكات أخرى تعمل بالقطاع وخارجه. وفي الذاكرة واقعة صهيب حسن يوسف "نجل المتحدث باسم الحركة في الضفة الغربية حسن يوسف"، وهو ما يفسر جيداً حالة الصمت المطبق على قيادات حماس بالداخل والخارج بعد صدور تعليمات من قيادات كبرى في القسام بعدم تناول الموضوع، بل وتكذيب كل ما يُنشر، وتحديداً في الدوائر الإعلامية العربية والإسلامية تخوفاً من انهيار الروح المعنوية لعناصر القسام. الأمر ما سيدفع لاحقاً إلى الخروج من هذه الحالة بعمل كبير موجّه إلى الداخل والخارج. وليس من المستبعد أن تتم عمليات اغتيال أو تصفية أو تجديد مجال المواجهة مع إسرائيل، وهو الأمر الوارد ليصبح استمرار الهدنة الحالية على المحك.

مكمن الخطورة

لم تقم إسرائيل بفرض الرقابة العسكرية على ما جرى في القطاع والكشف عن ملابسات عمل الشبكة، وهو ما يفسر أنها ساعية إلى تمجيد دورها الكبير في اختراق حركة حماس، ونقل رسالة للرأي العام المحبط، الذي يتظاهر بالشوارع رداً على فشل حكومته في إدارة أزمة كورونا بأنه نجح بمهارة في تجنيد قيادات عليا بالقسام، بل نجح في الحصول على تفاصيل المنظومة الإلكترونية، التي تشمل تفاصيل كاملة عن معلومات سياسية وعسكرية لدى حماس، وهنا مكمن الخطورة بالفعل لأنه سيتطلب مراجعة عسكرية وأمنية شاملة، وبناء قاعدة معلومات حقيقية بديلاً عما هي قائمة، وسيكون ذلك مكلفاً للغاية في ظل أزمة مالية كبيرة تعانيها مؤسسات حركة حماس. والمفترض أن تُجري انتخابات جديدة قبل نهاية العام، ومن المؤكد أن هذه الأمور ستتغير في ظل الحرب التكنولوجية القائمة بين شاباك ودائرة استخبارات حماس.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إشكاليات مستجدة

لسنا أمام ملائكة في حركة حماس، أو القسام تحديداً، فقد سبق أن تم الكشف عن اختراقات إسرائيلية سابقة، ولكن فضلت الأخيرة عدم الإعلان عن ذلك. وهو إجراء يحدث في تل أبيب ويخضع لأغراض أمنية عليا، وبقرار من مجمع الاستخبارات العام، الذي يضم أجهزة أمان وشاباك والموساد وعدداً من الشُّعب الأمنية والمحطات السرية التابعة لكل جهاز بالداخل والخارج، بعد أن بدأ عصر الصراع داخل الأجهزة، وظهر على الملأ أخيراً في بحث كل جهاز عن دوره، والتأكيد على عظمة ما يقوم به، وهو ما يفسر سر إنتاج أفلام استخباراتية إسرائيلية متتالية.

إن الإشكالية الحقيقية ليست في هروب عنصر أو عناصر، والقبض على مجموعة في الشبكة أو مجموعات، فالعدد لا يهم، والرسالة واضحة تماماً في قدرة شاباك على اختراق حماس كحركة والقسام كجناح عسكري، وهو ما سيدفع الأجهزة الأمنية الفلسطينية في رام الله، بل وفي حركة الجهاد لإجراء أكبر مراجعة للسياسات الأمنية تخوفاً من وجود شبكات أخرى تعمل لصالح إسرائيل، وهو ما يفسر حالة الفزع لدى قيادات سياسية عليا من احتمال نقل تفاصيل سياسية وأمنية للجانب الآخر. وهو أمر وارد بخاصة أن الجانب الإسرائيلي يؤكد أن حركة حماس والقسام تحديداً تجري أكبر حركة تغيير وتطهير أمني بالداخل، وهو ما قد يهمش دور القسام، الجناح العسكري، في مواجهة الحركة داخلياً، ومحاولة الأخير استرداد موقعه الذي ظل يعمل وراء الجناح العسكري أصلاً لسنوات، إنه الصراع الذي ينكره الجميع مؤكدين وحدة قرار حماس، وأن ما يُروج لا أساس له من الصحة. وهو ما يعني أنه سوف تدخل دول وأجهزة مخابرات إقليمية وعلى رأسها إيران على الخط لمحاولة ضبط المشهد الأمني داخل حماس في الفترة المقبلة تخوفاً من انهيار قاعدة التماسك.

هل ستتوحد الأجهزة الأمنية في غزة والضفة؟

من المتوقع أيضاً أن تُجري كتائب الأقصى تحقيقات مشابهة تخوفاً من حدوث ما لا يحمد عقباه، بخاصة أن ضبط الشبكة قد يدفع لاستعادة التنسيق الأمني بين قطاع غزة والضفة الغربية ولو بصورة شكلية تخوفاً من انكشاف أمني يطول الجميع، وهو ما قد يضع بعض الضوابط للتعامل بعد سنوات من الحديث عن صعوبات دمج الأجهزة، وفشل كل محاولات المصالحة لإتمام ذلك في ظل اختلاف العقائد والمهام والهياكل الأمنية بالقطاع والضفة.

وعلى الجانب الآخر من الوارد أن تقوم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المقابلة بمراجعة قواعد التعامل الاستخباراتي في ظل ثوابت تتحرك فيها، وتعمل على تحديث قاعدة معلوماتها باستمرار، باعتبارها أولوية استراتيجية لها، ووفقاً لقاعدة استخباراتية يكون الحصول على المعلومات من القاعدة أي نقطة الارتكاز، وما يهم إسرائيل في الوقت الراهن الحصول على معلومات حول قواعد الانتشار الصاروخي، والقدرات الصاروخية المتقدمة وبنك المعلومات للأسماء القيادية والميدانية ومصادر التمويل والضخ ومهندسي التطوير للصواريخ الموجهه، وعناصر المنظومة الإلكترونية في بعض المواقع داخل القطاع ، التي يتم تحديثها باستمرار، إضافة إلى وسائل الاتصال والإنذار المبكر للأسماء المستهدفة، وكلها تملكها القسام بالأساس، التي ستستمر في التأكيد على عدم الاختراق، وأن شيئاً كبيراً لم يحدث. وهو عُرف جارٍ لدى أي جهاز أمني، وليس لدى حركة حماس فقط.

والمعروف أن للقسام جهاز استخبارات عالي القدرات، تحظى عناصره بتدريب متقدم، ومن ثمّ فهو الذي سيتولى إدارة التحقيقات في هذه الشبكة، وهو الذي سيفتح كل الأبواب الموصودة لمعرفة ما جرى بالضبط، بخاصة أن بعض عناصره هربت من الخدمة وذهبت إلى حركات وأجنحة أخرى في القطاع وخارجه، ومن هذه العناصر المدربة من ذهب إلى ليبيا وسوريا والأردن والسودان والجزائر ومواقع أخرى.

 

الخلاصات

تبقى الإشارة لبعض الملفات المسكوت عنها، التي قد تتضمنها التحقيقات الراهنة ومنها وجود عناصر سلفية تعمل وراء سواتر محددة في هذه الشبكة، وربما شبكات أخرى سيتم الإعلان عنها تباعاً ستطال أسماء أخرى تعمل في شعبة الكوماندوز البحرية، وربما في شُعب أخرى، ولكن من المؤكد أن حركة حماس بصرف النظر عن مكتبها السياسي أو العسكري في مأزق حقيقي سيُلقي بتبعاته على إدارة الأوضاع داخل الحركة، وسيذكر بعمليات الاختراق الكبرى التي تمت فيها تصفية الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتسي ورئيس أركان الحركة الأسبق أحمد الجعبري، واحتمالات تكرارها في الفترة المقبلة رغم رضا إسرائيل وحماس بالحفاظ على حالة الوضع الراهن وتثبيت الهدنة.

المزيد من تحلیل