Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يستحق العالم العربي طبقته الوسطى؟

كانت وما زالت سبب توازن المجتمعات

موضوع الطبقة الوسطى في العالم العربي ملتبس وشائك (أ ب)

أيهما أفضل بالنسبة إلى المجتمع، أن ينتقل أفراد الطبقة الوسطى إلى الطبقة الثرية، أو أن ينتقل أفراد الطبقة الفقيرة إلى الطبقة الوسطى؟

السؤال بسيط والإجابة أبسط، وهو انتقال أعضاء الطبقة الدنيا إلى الوسطى، أولاً لأن في هذا الأمر دليلاً على سياسة اقتصادية صحيحة، وثانياً لأن اتساع الطبقة الوسطى يؤدي إلى إزدهار ديناميات الاقتصاد الوطني في أي بلد، وثالثاً لأن هناك تناسباً عكسياً يقول إنه مع كل صعود سريع من الطبقة الوسطى إلى الأعلى منها عبر الإثراء السريع يؤدي إلى سقوط أعداد من الأفراد إلى الطبقة الفقيرة تساوي عشرة أضعاف الصاعدين. وهذا ما يحدث خلال كل أزمة اقتصادية عالمية أو فقاعة عقارية أو هبوط حاد في أسعار الأسهم. ففي هذه الحال، تصاب طبقة واسعة بالانهيار، وتستفيد قلة قليلة في تحقيق الثراء.

ما هي الطبقة الوسطى ولماذا؟

في معظم دول العالم يقوم السياسيون بوضع برامجهم الانتخابية وفقاً لرغبات الطبقة الوسطى ولرغبات أعضاء الطبقة الفقيرة الراغبين في الصعود عبر التعليم أو الكدّ في العمل والدخول في المنظومة الاقتصادية. وفي كل دولة نامية تستطيع أن تحقق معدلاً كبيراً من النمو، فهذا غالباً ما يكون لمصلحة اتساع الطبقة الوسطى وبسببها في الوقت عينه. وهو ما حدث في العقود الماضية في الصين والهند والبرازيل وتركيا وغيرها من الدول. فالنمو العام يؤدي إلى تحسّن الأوضاع الاقتصادية لفئة واسعة من الناس، وفي الوقت عينه تقوم هذه الفئة بتحريك العجلة الاقتصادية عبر المشاركة في دورتي العمل والاستهلاك. وقد أشار إلى ذلك عالم الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز، في كتابه "النظرية العامة للعمالة والفائدة والمال" عام 1936، عندما قال إن "استهلاك الطبقة الوسطى مطلوب لتحفيز الاستثمار". ويتكرر هذا الرأي مع الأستاذ في جامعة أوهايو مارك بارتريدج، الذي يعتبر أن "طبقة وسطى أكثر حيوية يعني نمواً اقتصادياً طويل الأجل". ومثال على ذلك ما قام به هنري فورد عام 1914 حين زاد أجور موظفيه ما يكفي ليتمكنوا من شراء السيارات التي تصنعها شركته، مستنداً إلى القاعدة التي تقول: "إذا قمت بتخفيض الأجور، فإنك تقوم بخفض عدد عملائك".

توماس مالتوس عالم الاقتصاد المثير للجدل، بسبب نظرياته الداعية إلى ترك "الضعفاء" من البشر يهبطون إلى الهاوية، كان له رأيه أيضاً في الطبقة الوسطى، فاعتبر أن "التقدّم الفكري يحدث غالباً في المناطق الوسطى من المجتمع، ففي الوقت الذي يستفيد فيه أبناء الطبقة العليا من أرباح ممتلكاتهم القديمة والمستقرة، ينخفض لديهم معدل الحوافز ويكاد يكون معدوماً، بالتالي تقل لديهم الرغبة في الابتكار والتغيير لأن ذلك سيعطل مصالحهم الخاصة، أما أعضاء الطبقة الدنيا، فقد يكونون على استعداد للابتكار والتطوير لكن تبقى الفرص أمامهم محدودة".

إذن، يمكن القول إن ذروة نجاح الطبقة الوسطى في أي مجتمع من المجتمعات عندما يكون الصعود فيه من الأسفل إلى الأعلى، أي حين يصبح الصعود إليها ميسراً وسهلاً وفقاً لنظام اقتصادي واجتماعي يدعم هذه الطبقة ويسهم في دعم أعدادها عبر مشروعات التنمية والإصلاح وزيادة فرص التعليم والرفاه الاجتماعي.

في التاريخ والتعريف

قبل الثورة الصناعية، في العقود الأخير من القرن السابع عشر، لم يكن هناك وجود للطبقة الوسطى، كان الأمر ينقسم غالباً بين طبقتين، البرجوازية والمستتبعين لها في المدن، والإقطاع والفلاحين أو الأقنان في الأرياف. لكن، مع نمو الصناعة وظهور الصناعيين والعمال في مختلف درجاتهم، ثم ازدهار التجارة وولادة طبقة التجّار الصناعيين، بدأت طلائع الطبقة الوسطى "الثابتة" بالظهور. لكن، في القرن التاسع عشر، ولفترة محدّدة ونتيجة للتطوّر الصناعي، تراجع موقع الطبقة العاملة في الدول الرأسمالية الناشئة، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ازدادت الأجور الفعلية لهذه الطبقة وتحسّن وضعها النسبي.

في القرن العشرين مع استقرار الثورة الصناعية وتحوّلها إلى نمط أساسي لحياة البشر، ثم مع تطوّر الأسواق وظهور المؤسسات الحكومية وموظفيها وارتفاع نسبة المتعلمين من جميع الطبقات، راحت الطبقة الوسطى تتحوّل إلى ركيزة اجتماعية واقتصادية في معظم الدول المعاصرة والحديثة والآخذة بأسباب التقدّم والتطوّر. إلى أن جاء زمن العولمة، فقلب الموازين، وبعد ازدهار الطبقة الوسطى سابقاً في الدول الصناعية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان، خفّضت العولمة قوة هذه الطبقة لمصلحة الأثرياء، بينما جاءت العولمة لمصلحة الطبقات الوسطى في الدول النامية الصاعدة، مثل الهند والصين ودول أميركا اللاتينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بدأ استخدام مصطلح الطبقة الوسطى في أوروبا أوائل القرن التاسع عشر، وكان يعرف بـ"البرجوازية" التي اعتمدت في الأساس على قطاع التجارة وأرباحها، واستقرت بين طبقة الأرستقراطيين الذين ورثوا ثرواتهم وقوتهم الاجتماعية، وطبقة الفلاحين التي تركز أسلوب حياتهم على الزراعة. لكن، لطالما كان هناك سجال حول السبل التي يجب اعتمادها لتعريف "الطبقة الوسطى" في علمي الاجتماع والاقتصاد. فبينما يعتمد الأميركيون على معيار "مستوى الدخل" و"مستوى الاستهلاك" من دون غيرهما، تقوم المعايير الأوروبية والصينية مثلاً على عوامل مختلفة، كمستوى التعليم وطبيعة الوظيفة وحجم الأسرة ونوعية السكن والمحيط الاجتماعي ومدى انخراط الفرد في مؤسسات وأنشطة المجتمع المدني.

بناء على المعيارين السابقين، يرى الخبير في معهد بروكينغز العالمي، هومي خاراس، أن أكثر من نصف سكان العالم سيكونون من الطبقة الوسطى في حلول عام 2020، ويقصد بذلك الأشخاص الذي يملكون قدراً كافياً من المال لتغطية حاجاتهم الأساسية، مثل الطعام والملابس والمسكن، ويبقى لديهم بعض المال من أجل الكماليات أو الرفاهية مثل السفر السياحي والتعليم العالي وشراء الآلات الحديثة واختيار أنواع من الطعام الفاخر بين فينة وأخرى.

في الوطن العربي

موضوع الطبقة الوسطى في العالم العربي ملتبس وشائك. فإضافة إلى غياب الدراسات والإحصاءات الرسمية الموثوقة التي قد تضيء طريق الباحث، فإن تبدّل الظروف السياسية بشكل متسارع كلما مرّ عقد أو أقل، يجعل الطبقة الوسطى في العالم العربي ضبابية. لكن، لو أراد أي مشارك في البحث عن هذه الطبقة أن يقول رأياً عاماً نظرياً قائماً على مجرد المشاهدة، فيمكنه القول إن الطبقة الوسطى في العالم العربي إلى ضمور وتلاش. فمنذ انطلاق "الانتفاضات العربية" أو ما اتفق على تسميته "الربيع العربي" في عام 2011 في عدد من الدول العربية، فإن الطبقة الوسطى أخذت بالتراجع عددياً، على الرغم من أن هذه "الثورات" قامت بها الطبقة الوسطى من أجل تحسين أوضاعها الاقتصادية والصحية والتعليمية وبناء دول ذات مؤسسات حقيقية يمكنها أن تحقق عيشاً كريماً لشعوبها. ومن المرجح أن تزيد الصراعات الطائفية والاحتكار الاقتصادي والبيروقراطية والفساد والظلم الاجتماعي، الضغوط على هذه الطبقة وتزيد من انحسارها والتوزيع غير العادل للثروات والفرص المهنية.

وبحسب بحث صادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" في عام 2013، فإن الطبقة الوسطى شكلت ما نسبته 44.5 في المئة من مجموع سكان المنطقة العربية، أي قرابة 146 مليون نسمة، يعيش منهم 80 مليوناً في البلدان غير النفطية و66 مليوناً في البلدان النفطية، ويتركز 100 مليون نسمة ممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى في مصر والمغرب والسودان والسعودية والجزائر والعراق.

وليست واضحة في الدول العربية أسس التحوّلات المجتمعية والطبقية، فالتعليم الذي يعتبَر مفتاحاً لإحداث ذلك التحوّل، فقد دوره وأدى إلى ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الخريجين الجامعيين بنسب غير مسبوقة. والسياسات الحكومية العربية المتبعة لا تذهب في اتجاه تعزيز وضع تلك الفئات، ولا منحها هامشاً للتحرك لتحديد مطالبها. لكن كثيراً من القطاعات الاجتماعية والاقتصادية التي تتشكّل منها الطبقة الوسطى العربية من الموظفين والمحامين والمهندسين والأطباء، وأصحاب المهن الحرّة مثلاً، بدأت تتحرك على أسس مطلبية لإيجاد عمل ثابت ودخل يمكنهم من تحقيق الاستقرار العائلي، وبالتالي الاجتماعي. وهذه التحركات صرنا نشهدها في معظم الدول العربية الآن.

المزيد من تقارير