Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فخ الانتظارات يوقع بطهران فماذا بعد نطنز؟

الانتخابات الأميركية قد تؤجل التصعيد الأكبر لكن نقل المعركة للداخل الإيراني يستدعي "سيناريو صدام"

الحريق الذي اندلع في محطة نطنز النووية أحدث أضراراً جسيمة في المنشأة (رويترز)

حاول النظام الإيراني تقديم نفسه منذ وقت مبكر من قيامه، بانتهاجه ما يسميه سياسة "الصبر الاستراتيجي" أو النفس الطويل، في العمل على أهدافه المتوسطة والبعيدة الأمد.

 وتعيد أطراف عربية هذا النهج إلى الشخصية الفارسية بشكل أعم، وهي التي اشتهرت بكيدها السياسي، الذي تتجسد إيحاءاته في لعبة "الشطرنج" التي يحاول الكثيرون محاكاتها في الإيقاع بالخصوم، عبر مكر الكبار ونصب الفخ وراء الآخر.

وألمح رجل الدبلوماسية الإيراني الأول محمد جواد ظريف، ذات مرة إلى هذا المسار في سياسة بلاده، على سبيل الفخر وهو يقول للأميركيين، إنه لا جدوى من العقوبات والحصار الذي تفرضه واشنطن على طهران، لأن صبر الجمهورية في تحقيق أهدافها صار سمة معروفة لها، قائلاً، إنها "أخذت الدكتوراه في الالتفاف على العقوبات".

الخطأ الذي أسقط الشاه

بينما يعتقد المراقبون أن الترجمة الفعلية لذلك القول، هي أن النظام الإيراني مثل نظرائه في كوريا الشمالية وفنزويلا وسوريا وربما في عراق صدام، لا يهتم القادة فيه كثيراً بالعقوبات الدولية، لأنها تنهك الشعب وليس بنية النظام الذي يفكر في نفسه أكثر من انهيار العملة، وخدمات المستشفيات وتوافر المواد الأولية.

لكن تاريخ سقوط نظام الشاه في إيران (1979) يرمز إلى خطأ تلك الحسابات إن كانت هي بالفعل ما تعمل طهران وفقها. إذ جاء سقوطه على وقع مظاهرات وإضرابات شلت البلاد، لأسباب في أصلها اجتماعية واقتصادية وإن ركب المتدينون موجتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هذا النهج يرى كتّاب عرب، بينهم عبد الرحمن الراشد، يدفع النظام إلى المراهنة على عامل الوقت في التعاطي مع الشأن الداخلي الإيراني والإقليمي، وهو يُقدّر أن تحركاً أميركياً أو دولياً من النوع الذي تخشى طهران، يصعب في توقيت حرج على أبواب الانتخابات الأميركية، وأثناء أزمة كورونا المرهقة.

وأمام قائمة انتظارات تترقبها الأطراف كافة مثل سيد البيت الأبيض المقبل، وانتهاء حظر السلاح على إيران، وتلكؤ الأخيرة في فتح المعامل المشكوك بها لمفتشي الطاقة الذرية، بدت سيناريوهات عدة تعود إلى السطح، ليس أبعدها "حصول إيران على قنبلة نووية"، مما يرجح وجاهة التحرك نحو المطالبة بـ"إسقاط النظام" وليس التفاوض معه، ما يعد بمثابة قنبلة أخرى في آثاره الكارثية على إيران والمنطقة.

قنبلة نووية خلال أشهر

 وينصر هذا المنحى المحلل السياسي الإيراني رضا زاده الذي يعتبر أن "سياسة الضغوط القصوى الأميركية واستمرار العقوبات ضد النظام الإيراني، في غياب خطة شاملة أخرى لإسقاط النظام، لن تؤدي إلى تغيير في سلوك هذا النظام الأيديولوجي والسلطوي والتوسعي الذي يحكم إيران، لكنها ستؤدي إلى تعريض أمن المنطقة لخطر أكبر من أسلحة الدمار الشامل، من خلال تأجيج الوضع المتفجر داخل البلاد".

ورجح زاده في معرض حديثه مع "إيران إنترناشيونال" سيناريوهات قاتمة، يمكن لنظام ديكتاتوري أصبح محكوماً بالحصار أن يُقدِم عليها، في ظل قدرته على إعلان قنبلة نووية في ظرف خمسة أشهر، وفق تقديره.

وقال، "بعد عامين على انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني؛ ونظراً لتوقف عائدات النقد الأجنبي بسبب الانخفاض الحاد في صادرات النفط الخام وتقييد التبادلات التجارية والمصرفية، قد يظهر سلوك النظام الديني الإيراني متسرعاً، وغير متوقع، وأكثر تهديداً من الماضي، رداً على حالة الطوارئ الحالية. ونتيجة لذلك، يعرِّض أمن المنطقة لأزمة جديدة".

واستناداً إلى العديد من النماذج التي صممتها جامعة فرجينيا في الولايات المتحدة، وتقرير وزارة الخارجية الأميركية الرسمي لشهر فبراير (شباط) الماضي، واستنتاج المعهد الدولي للعلوم والسلامة (ISIS)، في أبريل (نيسان) الماضي، بواشنطن، والتقارير الفصلية والرسمية للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حول التزام إيران بتعهداتها النووية، فإنها حسب زاده، "یمكنها إنتاج قنبلة نووية في أقرب وقت ممكن، وإذا كان لديها برنامج غير معلن وتستخدم 3 آلاف جهاز طرد مركزي IR2، يمكنها امتلاك 25 كيلو غراماً من اليورانيوم مع التركيز العسكري المطلوب لصنع قنبلة ذرية، في ثلاثة أشهر وأسبوع، من خلال زيادة تركيز اليورانيوم منخفض التركيز (LEU) الذي تمتلكه".

ووفقاً لهذه الدراسات، فإن أطول وقت مطلوب للهروب النووي لإيران هو 4.8 شهر، بينما كان الهدف من الاتفاق النووي لعام 2015 هو خلق فجوة لمدة عام واحد بين إيران والقنبلة الذرية.

خيار إسقاط النظام

ويؤكد أن "دخول إيران إلى المرحلة النهائية من صنع القنبلة النووية، بأي ذريعة وتحت أي عنوان، هو تجاوز واضح للخطوط الحمراء للدول والمؤسسات الدولية، وسيغير الكثير من المعادلات الأمنية في المنطقة، فهذا الموضوع يحظى بأهمية لدرجة أنه يمكن أن يبرر لوحده الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي إلى إسرائيل، على الرغم من الحظر المفروض على السفر في حالة تفشي  كورونا".

ربما معرفة أطراف ما في الإقليم بهذا النوع من الفخاخ الإيرانية، هي التي دفعت لاجتياح محطة "نطنز" في هجوم لم تحسب له طهران حساباً. إذ نقلت وكالة أنباء إيران عن بهروز كمالوندي، المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية قوله أمس، إن الحريق الذي اندلع في محطة نطنز النووية الخميس الماضي أحدث أضراراً جسيمة بالمنشأة.

"نطنز" رسالة

وكشف عن أن الحريق قد يؤدي إلى إبطاء تطوير وإنتاج أجهزة طرد مركزي متطورة على المدى المتوسط، مضيفاً أن طهران ستشيّد مبنى أكبر بمعدات أكثر تقدماً بدلاً من المبنى المتضرّر في نطنز.

وكانت وسائل إعلام رسمية إيرانية أفادت بأن حريقاً شب السبت في محطة للطاقة جنوب غرب البلاد، وهو الأحدث في سلسلة من الحرائق والانفجارات التي أصاب بعضها مواقع حساسة.

وقال مصطفى رجبي مشهدي، المتحدث باسم شركة "تافانير" للطاقة التي تديرها الدولة لوكالة "تسنيم" للأنباء، إن رجال الإطفاء أخمدوا الحريق الذي عطل محولاً في محطة الطاقة الموجودة بمدينة الأهواز. وأضاف أن التيار الكهربائي عاد بعد انقطاع جزئي.

واعتبر الباحث الأحوازي حسن راضي من لندن الضربة، "رسالة من جهة ما إلى طهران بأن منشآتها النووية والباليستية في مرمى جهات دولية، قادرة على استهدافها وبالتالي لا يمكنها تحدي الإرادة الدولية"، وأما تجنب الإيرانيين التفاصيل عمن استهدف منشآتها الاستراتيجية، فيعود في تعليقه على قناة "العربية"، إلى عجز طهران عن الرد.

روسيا ترفع غطاءها

وليس هذا الخطأ الأوحد للنظام في لعبة "الانتظارات" على الرغم من مراهناته السابقة عليها، إذ جاءته المتاعب من حيث لا يحتسب وظن الأمان من العراق وسوريا ولبنان، وربما اليمن قريباً بعد القناعة الأممية الآخذة في التشكل بأن تهديدات الحوثيين الرياض وأجزاء من اليمن بدعم إيراني خالص، أفعال إرهابية لا تختلف عن أنشطة أذرعها الأخرى التي تستهدفها واشنطن في كل من العراق وسوريا عسكرياً، وفي لبنان سياسياً.

وكان بوسع النظام أن يجنب نفسه وشعبه كثيراً من تلك المتاعب، لولا رهانه على الانتظارات وسياسة المماطلة، حين عرضت دول الاتفاق النووي منذ العام الماضي التفاوض مع الإيرانيين لتعديل الاتفاق النووي معها بدلاً من إلغائه.

وقد باءت حظوظ صمود النظام بالنكسة في سوريا التي نشط فيها طويلاً، بعد إقرار الكونغرس الأميركي قانون "القيصر"، الذي وفر الغطاء أكثر للهجمات التي تتلقاها ميليشيات إيران وترسانتها حيناً بعد آخر من جانب الطيران الإسرائيلي.

ويرجح تقرير صادر عن المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، أن التلاقي الدولي ضد النهج الإيراني خصوصاً في سوريا يقود إلى التوقع بأن النظام ستزداد عُزلته ومصاعبه وافتراقه عن روسيا التي قال تقرير المعهد، إنها "أجادت إدارة الأزمة واختيار الأطراف التي تثق فيها لمشاركتها صناعة قرارات المستقبل السوري. وستزداد الضغوط ضد الوجود الإيراني في سوريا عسكرياً من خلال استهداف ميليشياتها العارية من غطاء دفاعي جوي من قِبل الطيران الإسرائيلي، أو سياسياً، كون طهران لا تمتلك شرعية أو قبولاً دولياً لإبقاء الميليشيات الموالية لها في سوريا، أو اقتصادياً في ظل استمرار العقوبات الأميركية ضدها، في وقت تتزايد فيه الاحتجاجات الداخلية التي تطالب بوقف التبذير على مشروعات خارجية لا تعود بالنفع على الشعب الإيراني".

التأديب وسيناريو صدام

وإذا كان الانتظار الأطول هو المتعلق بالانتخابات الأميركية، فإن النظام الإيراني قد يدفع بمماطلته الاستجابة للحلول التفاوضية ثمناً كان من الممكن تجنبه، إذ يلمّح عبد الرحمن الراشد الكاتب في "الشرق الأوسط"، إلى أن هذا السلوك الإيراني قد يدفع الولايات إلى تكرار سيناريو صدام مع طهران، فبعد أن لم تُجد العقوبات في ذلك الحين على حزب البعث، اقتنع الأميركيون باللجوء إلى خيار إسقاطه عسكرياً.

وقال، "الحظر الذي عاشه نظام صدام حسين في العراق، بين أعوام 1990 إلى الغزو وإسقاط النظام 2003، يماثل كثيراً العقوبات القاسية على طهران اليوم. الدرس من تلك التجربة، أن العقوبات لم تفلح في تغيير صدام ولا إجباره على تغيير سياساته. مثل هذه الأنظمة المتسلطة تحكم بقبضة أمنية، ولا تبالي بعذابات مواطنيها. وفوق هذا كانت تقلب اللعبة لصالحها. واتضح، أيضاً، أن دائرة الحكم لم تتأثر بالعقوبات، مما تسبب جزئياً في اقتناع واشنطن بضرورة الغزو وإسقاط النظام بالقوة بعد الفشل في تغيير سياساته".

وفي الجملة ينظر محللون سعوديون مثل محمد السلمي إلى المراهنات الإيرانية على الوقت وتوليد المشكلات في الإقليم وصولاً إلى فنزويلا وأميركا اللاتينية، بأنها أفضت إلى مزيد من الضغوط على طهران، على العكس مما كانت تأمل. مؤكدين أن "جولة المبعوث الخاص بإيران في أميركا براين هوك إلى المنطقة، وتصعيد وزير الخارجية مايك بومبيو ضد طهران، وترحيب الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالتقرير الذي يدين الإيرانيين ويتهمهم بالوقوف خلف الهجوم على  منشآت أرامكو السعودية في أبريل (نيسان) 2019؛ مؤشرات لمزيد من الضغط لتأديب إيران، والضحايا كثر قد يكون أولها لبنان". لكن مع ذلك يرجح السلمي من جهته أن التحرك ضد النظام لن يكون على المستوى المكشوف في الوقت الحالي، إلا على سبيل تكثيف الضغوط. لكن من يتوقع قبل أشهر أن يتطور التصعيد مع إيران إلى ضرب واحدة من أهم منشآتها النووية في قلب البلاد، وإن كان ذلك من مصدر مجهول رسمياً، لكنه حتماً معلوم لطهران!

انتظار حظر الأسلحة

وبالنسبة لأحد الانتظارات التي تبني على توقيتها طهران آمالاً تفسح لها مجال التحرك مجدداً، وهو انقضاء أجل حظر السلاح على النظام، فإن الباحث في معهد واشنطن للدراسات مايكل سينغ، أشار إلى أن هذه الفرصة لن تكون خالصة لطهران هي الأخرى.

وقال، "ليس هناك مصلحة للولايات المتحدة أو لـ(الثلاثي الأوروبي) في التشجيع على نشوب أزمة بشأن إيران، بخاصة إذا كان المستفيدان هما روسيا والصين، ومع ذلك، سيدفع هذا المنطق بالحلفاء إلى استنتاجات مختلفة".

ولذلك نقل إن واشنطن تقترح حلاً وسطاً بأن تبادر الدول الثلاث في "الاتحاد الأوروبي" (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) بالتخلي ببساطة عن اعتراضاتها على قيام الولايات المتحدة بإعادة فرض العقوبات أو حتى إطلاق هذه الدول شرارة هذه الإعادة بنفسها؛ وتفضيل "الثلاثي الأوروبي" تجنّب واشنطن ببساطة رداً مفاجئاً، باعتبار أن إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران سيضيف القليل من الضغط إلى ذلك الذي سبق تحقيقه من خلال إعادة فرض العقوبات الأميركية، ومع ذلك قد يدفع إيران لتصعيد أنشطتها النووية بشكل أكبر.

فيما يرى الباحث أن الحل الوسط بين هذه المواقف هو قيام الولايات المتحدة والدول الثلاث في "الاتحاد الأوروبي" معاً بتقديم قرار يُعلّق الاتفاق النووي لفترة تفاوض قابلة للتجديد، ربما ستة أشهر، مع استمرار واشنطن في تهديدها بإعادة فرض العقوبات كأداة احتياطية تلجأ إليها في حالة اعتراض موسكو أو بكين وموافقة "الثلاثي الأوروبي" على عدم التشكيك في موقف الولايات المتحدة ودافعها لاتخاذ هذه الخطوة.