الوعي التام: ما هو وما دوره في تحسين الصحة النفسية؟

دراسات تزعم قدرته على الحد من أعراض القلق والاكتئاب

جلسة تأمل في أحد مراكز الوعي التام في العاصمة الأميركية واشنطن في 26-03-2014 (أ.ف.ب)

بات مصطلح الوعي التام يتردد كثيراً هذه الأيام دون أن يستطيع سوى القليل من الناس تفسير مقصده الحقيقي.

يعني "الوعي التام" في أبسط أشكاله الانتباه إلى اللحظة الحالية من دون الحكم على الأفكار الخارجية التي تتسلل إلى أذهاننا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شاع استخدام هذا المصطلح في السنوات الأخيرة بعد أن وقع عليه اختيار العديد من الشركات لمخاطبة جيل الألفية المهتم بالصحة، على الرغم من اختلاف المقصد منه باختلاف المنتج الذي يجري تسويقه.

غالباً ما يشكل هذا المصطلح مظلة يندرج تحتها العديد من المصطلحات الأخرى، بدءاً من الأكل الواعي إلى التزلج الواعي – نعم! هذه المصطلحات موجودة حقاً.

على الرغم من إشادة علماء النفس بفوائد الوعي التام فيما يتعلق بالصحة النفسية والعقلية – إذ زعمت الأبحاث قدرته الحد من أعراض الاكتئاب والقلق – فندت بعض الدراسات التي أجريت مؤخراً هذا الادعاء، فقال بعضها "باقتصار نجاحه على النساء" فيما زعم غيرها دوره في التسبب بالأنانية.

تابع قراءة هذا المقال لمعرفة كل ما تحتاجه عن الوعي التام، بدءاً من طريقة عمله وانتهاءً بسبل الاستفادة منه.

ما هو الوعي التام؟

يتمحور مفهوم الوعي التام حول التوقف قليلاً عن ممارسة الأنشطة المعتادة في حياتك اليومية وعدم التفكير سوى باللحظة الراهنة.

وفقاً لشارون هادلي الرئيسة التنفيذية لمركز أوكسفورد للوعي التام، يتعلق الأمر في المقام الأول بتشجيع الفرد على توجيه المزيد من الاهتمام لما يجري في جسمه وعقله.

"إنه مصطلح يستخدم للتعبير عن مجموعة من التدخلات أو الممارسات التي يمكن لنا تعلمها لمساعدتنا على تنمية هذه القدرة"، بحسب ما صرحت به لصحيفة ذي إندبندنت.

كيف يعمل الوعي التام؟

عندما يقوم المرء بممارسة تمارين الوعي التام، فإنه يتوقف عن التركيز على أي شيء سوى جسمه وتنفسه، بحسب ما أوضحته منظمة "مايند" للصحة العقلية على موقعها الإلكتروني.

تضيف المنظمة "ليتمكن بذلك من رصد أي أفكار تتسرب إلى عقله ويتخلص منها".

يمكنك العثور على بعض النصائح المفيدة حول طريقة القيام بذلك دون أن تسمح بتشتيت انتباهك على موقع المنظمة Mindful.org.

كما توضح هيئة الخدمات الصحية الوطنية دور الوعي التام في المساعدة على الشعور بالتحرر وفهم النفس والانفعالات الشخصية على نحو أفضل.

ما فائدته؟

تقول هادلي إن للوعي التام أثراً إيجابياً على صحتنا بشكل عام بجعلنا أكثر وعياً بأفكارنا ومشاعرنا فضلاً عن البيئة المحيطة بنا.

مدربة العلاقات الجنسية ديانا ريتشاردسون تتحدث عن "الجنس الواعي"

وتضيف قائلةً: "إن هذه القدرة على تركيز الانتباه وملاحظة ما يحدث في اللحظة الراهنة وزيادة قدرتنا على اختيار رد فعلنا تجاه أفكارنا أو مشاعرنا، أو حتى ما إذا كنا سنقوم بأي رد فعل عليها من الأصل، قد أثبتت فائدتها لمن يعانون من المشاكل النفسية والبدنية على حدٍ سواء".

فقد تبين وجود علاقة تربط بين تطبيق استراتيجيات الوعي التام في مختلف جوانب حياتنا وعدد من الفوائد التي تبدأ بتحسين علاقتنا بالطعام والتخفيف من إدمان الهواتف الذكية وتنتهي بتعزيز صورة الجسم وتحسين حياتنا الجنسية.

هل يمكن له أن يساعد في مشاكل الصحة النفسية؟

توصلت الأبحاث إلى دور الوعي التام أيضاً في علاج عدد من الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب والقلق والتوتر.

تضيف هادلي: "يعتبر العلاج المعرفي القائم على الوعي التام تدخلاً علاجياً استُخدِم في السياق الطبي لسنوات عدة".

"وهو علاجٌ معترفٌ به ومعتمد من قبل المعهد الوطني للصحة وتفوق الرعاية في المملكة المتحدة كتدخل طبي لدعم المرضى الذين يعانون من الاكتئاب المتكرر".

كما يوصي المعهد المعني بتقديم التوجيهات الوطنية لتحسين الصحة والرعاية الاجتماعية باستخدام التقنيات القائمة على الوعي التام للمساعدة في الحد من القلق الاجتماعي، وهو المصطلح المستخدم لوصف الخوف الشديد من المواقف الاجتماعية.

فقد زعمت إحدى الدراسات التي أجريت مؤخراً أنه يمكن لاستراتيجيات الوعي التام أن تكون "بنفس فعالية" العلاج السلوكي المعرفي في تخفيف الآلام والأعراض المزمنة للاكتئاب.

تضيف منظمة "مايند" أن عدداً من الباحثين يعكفون حالياً على دراسة إمكانية استخدام الوعي التام في علاج الحالات الأكثر تعقيداً، مثل الاضطراب ثنائي القطب والذُّهان، على الرغم من عدم اتضاح طريقة استخدامه في هذه السياقات حتى هذه اللحظة، كون الدراسة ما تزال في مراحلها المبكرة.

كيف لك أن تكون أكثر وعياً؟

في حين يمكن لأي شخص تجربة الوعي التام، فإنه ليس بالأمر السهل دائماً، على حد قول ستيفن باكلي رئيس قسم المعلومات بمنظمة "مايند".

"قد يتطلب الأمر التدرب على ممارسة تقنيات الوعي التام، كما أنه قد لا يكون أمراً مناسباً للجميع. لا يستحسن عادةً البدء بتعلم تقنيات الوعي التام ما لم تكن بصحة جيدة، لأنه قد يصعب عليك الحصول على أقصى استفادة منها كما أنك قد تجدها مزعجة في البداية".

"فإذا ما كنت تعاني من مشاكل نفسية شديدة في الوقت الحالي، يستحسن بك استشارة طبيب متخصص طلباً للعلاج والدعم، ومن ثم تجربة ممارسة الوعي التام بعد شعورك بالتحسن".

ومع ذلك، فإن هناك بعض الطرق البسيطة التي يمكن للمرء استخدامها لممارسة الوعي التام في حياته اليومية.

الأمير وليام متحدثاً عن المشاكل النفسية

على سبيل المثال، تقترح هيئة الخدمات الصحية الوطنية تجربة أشياء جديدة على نحو منتظم، كاختيار مكان جديد لتناول الغداء أو الجلوس في مكان مختلف في الاجتماع المقبل؛ فقد يساعدك ذلك على "ملاحظة ما يقال بطريقة جديدة"، بحسب ما جاء على الموقع الإلكتروني للهيئة.

وكحل بديل، يمكن أن يمثل التوصيف الصامت للأفكار والمشاعر وسيلة مفيدة للتعامل مع المواقف العصيبة، كأن تقول لنفسك إذا ما شعرت بالقلق بشأن امتحان ما على سبيل المثال: "أنا قلق الآن"، بحسب ما تقترحه الهيئة.

إذا كنت ترغب في معرفة مزيد من التفاصيل عن الوعي التام، تقترح عليك هادلي التسجيل في إحدى الدورات التمهيدية للتعرف على أساسياته، مبينة أن مثل هذه الدورات غالباً ما تستغرق حوالي ثمانية أسابيع بواقع ساعتين ونصف أسبوعياً. يمكنك العثور على قائمة بمعلمي الوعي التام المدرّبين على "شبكة الوعي التام في المملكة المتحدة" هنا.

لتلقي الدعم (في بريطانيا) فيما يخص مشاكل الصحة النفسية أو الميول الانتحارية، يمكنك الاتصال بمؤسسة "ذا سمارتنينز"  The Samaritan

المزيد من صحة