Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوبرا "حلم على نهر الفولغا" لآرنسكي تتفتت أجزاءً

حياة في الظل من النهر الروسي إلى الليالي المصرية

أنطون آرنسكي (1861 – 1906)

قد لا يكون ممكناً اعتبار الموسيقي الروسي آرنسكي في عداد أقطاب الصف الأول بين كبار الموسيقيين الروس الذين ظهروا عند نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولكن بحسبنا اعتبار الحكاية التالية صحيحة حتى نعيد النظر في ذلك الحكم. فالحكاية تروي لنا أن تشايكوفسكي بعد سنوات طويلة من إنجازه واحدة من أوبراته المبكرة وهي "فوييفادا" المموسقة عن قصة درامية للكاتب أوستروفسكي وإذ حضر بشكل أو بآخر عرضاً لأوبرا ألفها  آرنسكي بعنوان "حلم على نهر الفولغا" منطلقة من القصة ذاتها، سارع إلى تمزيق مسودّات نوطات أوبراه الخاصة كاتباً رسالة إلى أخيه موديست يقول فيها إنه أصلاً لم يرض أبداً عن "فوييفادا". فهل كان هذا لاعتباره أن آرنسكي الذي كان تلميذه ومريده قد تفوق عليه؟ لا أحد يعرف. لكن تلك واحدة من الحكايات العديدة التي تظل تفاصيلها مبهمة في عالم الحياة الموسيقية الروسية، مثل الحكاية الأخرى التي رواها سترافنسكي الذي كان تلميذاً لرمسكي كورساكوف ويقول فيها إن ذلك الأستاذ الكبير، الذي كان أيضاً أستاذا لآرنسكي، حين استمع إلى الأوبرا التي نتحدث عنها هنا، لفت نظره جملة مكتوبة للكلارينيت تصوّر موقفاً سيئاً للشخصية المحورية في الأوبرا فعلق قائلاً: "ما كان يجب أن تعزف هذه الآلة النبيلة في هذا الموقف الخسيس!" ولقد أنكر الباحثون اللاحقون حكم رمسكي كورساكوف هذا مفندين عدم إمكانية أن يكون سترافنسكي مقرباً منه إلى درجة أن يدلي أمامه بمثل هذا الرأي!

بعيداً من جمهور "الذواقة"

والحقيقة أننا لم نبدأ الكلام على أوبرا آرنسكي الأولى هذه على هذا النحو إلا لكي نشير إلى أن "حلم على نهر الفولغا" أثارت دائماً اهتمام أصحاب المهنة بأكثر مما أثارت اهتمام ذواقة الجمهور العريض. فهي ليست، في نهاية المطاف، واحدة من الأوبرات الكبرى في تاريخ الموسيقى الروسية، حتى وإن كان العديد من أغنياتها قد اشتُهر كأغنيات منفردة تنتمي إلى فولكلور روسي عريق ويغنيها الناس حتى وقد نسوا من ملحنها! فأنطون آرنسكي يحتاج الأمر معه إلى جهود كبيرة كي يُخرَج من مهب النسيان. بل تفيدنا المعلومات القليلة والنادرة حول أعماله بأن ليس ثمة اليوم في الأسواق أي تسجيل متكامل للأوبرا حتى وإن كان يمكن الاستماع إلى افتتاحيتها مدموجة في العديد من الأعمال الأخرى التي كتبها آرنسكي لاحقاً كالسيمفونية الثانية والمتتابعة الثالثة، وحتى تلك المقطوعة التي دائماً ما تُقدّم مستقلة بعنوان بديهي هو: "افتتاحية حلم على نهر الفولغا"!

ومع هذا عُرفت الأوبرا على نطاق لا بأس به بُعيد تقديمها للمرة الأولى في الثاني من يناير (كانون الثاني) 1891 على مسرح البولشوي في موسكو وتحت قيادة آرنسكي نفسه. وكما قلنا كانت هذه الأوبرا العمل الكبير الأول الذي لحنه آرنسكي الذي كان لا يزال حينها تلميذاً لرمسكي كورساكوف في كونسرفاتوار سانت بطرسبرغ. وكما أشرنا اقتبس آرنسكي حكاية الأوبرا من قصة أوستروفسكي التي تتحدث عن حاكم إقليمي (فوييفادا) يحدث له أن يقع في حب امرأتين معاً ذات يوم. ولكن ما من واحدة منهما تريده حقاً فالأولى متزوجة والثانية مرتبطة بقصة حب تحرص عليها مع شاب من المنطقة. يستاء الحاكم من ذلك الرفض المزدوج ويقدم على اعتقال المرأتين وسجنهما. وإذ يحاول رجلا المرأتين تخليصهما متعاونين ويفشلان في ذلك، لا يكون أمام الحسناوين إلا أن تنتظرا تعيين حاكم جديد للمنطقة وإبعاد ذلك الحاكم كي تنال كل منهما حريتها.

أين الدراما الأوبرالية؟

واضح هنا أن الحكاية في حد ذاتها لا يمكنها أن تحمل من البعد الدرامي الحاد ما يؤمن لها نجاحاً جماهيرياً على الرغم مما يقوله النقاد من أن آرنسكي قد بذل جهوداً في تلحينها. ومن هنا ضاعت جهوده التي ربما كان دافعه إلى بذلها مجرد محاولته السير على خطى الأستاذ الكبير الذي كانه تشايكوفسكي حتى من دون أن يتنبه إلى أن هذا الأخير ندم أصلاً على خوضه مغامرة موسقة القصة ذاتها. ولعل التفسير الوحيد المنطقي لخوض آرنسكي المغامرة يكمن في القول التالي: "لولا تأثير تشايكوفسكي فيه، لكان من الصعب لأحد أن يتذكر آرنسكي". هذا الحكم القاطع نجده وارداً من العديد من الكتابات التي تؤرخ لحياة آرنسكي وأعماله، بحيث بات أشبه بالمسلمات، وأدى إلى اعتباره واحداً من المؤلفين الثانويين في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية. غير أن سنوات الستين من القرن العشرين، شهدت، بعد نصف قرن من رحيل الرجل، إعادة اعتبار له، ولا سيما من طريق نقاد ومؤرخين راحوا يدرسون أعماله بهدوء ودقة ليستخلصوا من دراساتهم استنتاجات تقول إن آرنسكي كانت له أصالته التي لا يمكن نكرانها، أما تأثره بتشايكوفسكي، فإنه كان حالة عارضة في حياته، هو الذي يمكن أن نفترض بشكل أكثر دقة أنه كان مكملاً لرمسكي كورساكوف أستاذه، أكثر منه مؤلفاً يقع تحت تأثير تشايكوفسكي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إعادة اعتبار منصفة

وهكذا بعد قطيعة زمنية طويلة عاد آرنسكي ليعتبر، إلى جانب بورودين وسكريابين وتشايكوفسكي ورمسكي كورساكوف واحداً من الذين طبعوا الموسيقى الروسية بطابعهم خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر والأعوام الأولى من القرن العشرين.

ولد  آرنسكي، العام 1861 في مدينة نوفغورود، وتلقى دراسته الموسيقية في كونسرفاتوار سانت بطرسبوغ حيث كان رمسكي كورساكوف أستاذه الأساسي. وهو كان في الرابعة والعشرين من عمره حين عُهد إليه بقيادة كورس وأوركسترا البلاط الإمبريالي في العاصمة الروسية، وهو موقع أتاح له من المكانة والراحة ما مكناه من أن يبدأ بوضع الألحان والقطع التي كان يحلم بأن يمكّنه الوقت من وضعها، خلال السنوات الأولى من شبابه. وبالتوازي مع ذلك المنصب عُيّن آرنسكي كذلك أستاذاً للهارمونيا في كونسرفاتوار موسكو، وهناك كان من بين أنجب تلاميذه شبان سوف يصبحون لاحقاً، أعمدة الحياة الموسيقية في العاصمة الروسية ولا سيما منهم ألكسندر سكريابين، وسيرغي رخمانينوف وراينهولد غليار.

إذا كان آرنسكي قد بدأ حياته التأليفية بكتابة العديد من القطع القصيرة للبيانو، وهي تلك القطع التي سيجد الباحثون قرابة كبيرة بينها وبين أعمال تشايكوفسكي ولا سيما بعض أجمل فقرات الكونشرتو الأول للبيانو والأوركسترا، فإنه كان في الحادية والثلاثين، في عام 1892 حين كتب موسيقى تلك الأوبرا التي ستحقق له بعض شهرة محلية وعالمية "حلم على نهر الفولغا" والتي أتبعها لاحقاً بعملين أوبراليين لن يقلا عنها شهرة، "رافائيل" (1894) و"نال وداميانتي" (1899). وعلى هذا النحو كان في وسع آرنسكي أن يطل على القرن العشرين باعتباره واحداً من أبرز الموسيقيين الروس. صحيح أن القدر لم يمهله كثيراً بعد ذلك، إذ إنه رحل عن عالمنا شاباً في الخامسة والأربعين من عمره عام 1906، لكن حياته القصيرة أتاحت له، مع ذلك، أن يكتب، إلى الأوبرات الثلاث التي ذكرناها والتي تعتبر عماد شهرته الأساسية، وإضافة إلى قطع البيانو المبكرة، عدداً من الأعمال البارزة ومن أهمها سيمفونيتان، ورباعيتان، وكونشرتو للبيانو، وانترميتزو، و"ثلاثي للبيانو من مقام صغير"، وعمل للبيانو والأوركسترا بدا فيه بدوره متأثراً بتشايكوفسكي بشكل فاضح هو "فانتازيا انطلاقاً من أغنيات روسية شعبية"، و"خماسي للبيانو". وإضافة إلى هذا كله كتب آرنسكي موسيقى ذلك الباليه المقتبسة من بوشكين بعنوان "ليال مصرية" بدا فيها هذه المرة متأثراً بأستاذه الكبير رمسكي كورساكوف، بحيث أن ثمة مقاطع في "ليال مصرية" تحيل مباشرة على "شهرزاد" و"عنتر" اللتين تعتبران من أجمل القصائد السيمفونية التي أبدعها هذا الأخير في ذلك الحين. بقي أن نذكر أن موسيقى آرنسكي تميزت على الدوام بطابعها الغنائي. غير أن اقترابه من تشايكوفسكي ورمسكي كورساكوف، لم يمنع موسيقاه من أن تكون أكثر انتقائية وتجريبية، بحيث أننا نجده، في نهاية الأمر، أقل وطنية وانغماساً في الفولكلور والموسيقى المحلية من أستاذيه. طوال سنوات عدة ظلت أعمال آرنسكي، مع هذا، غير معروفة على نطاق واسع خارج روسيا. أما العملان اللذان حققا له أكبر قدر من الشهرة العالمية، وأحياناً من دون أن يحفظ أحد اسم صاحبهما بالكامل، فكانا "فالس مأخوذ من المتتابعة رقم 1 لآلتي بيانو" و"تنويعات على موضوعة مستقاة من تشايكوفسكي".

المزيد من ثقافة