طيور أوروبية بعشرات آلاف الدولارات خلال مزاد لحمام الزاجل في البصرة

سأل الجاحظ قبل أكثر من 1000 عام: هل الطير يحن إلى صاحبه أم الى عشه الذي خرج منه؟

مزاد علني على حمام الزاجل في قاعة للمناسبات العامة في البصرة (اندبندنت عربية)

قد يبدو غير معقول شراء طائر بسعر يتخطى 11 ألف دولار أميركي، لكن هذا ما حصل في مدينة البصرة جنوب العراق خلال مزاد لحمام الزاجل، شارك فيه المئات من هواة تربية هذا النوع الذي يتميز بقدرة مذهلة على الطيران مسافات بعيدة والعودة إلى مواطنه.

مزاد استثنائي
 
شارك في المزاد الأول من نوعه في البصرة الذي نظمته مؤسسة "بيبا" (PIPA) لحمام الزاجل (مقرها بلجيكا)، هواة من مختلف المحافظات العراقية وبعض دول الجوار. وأسفر عن بيع 60 طائراً من سلالات عريقة، جُلب أكثرها من بلجيكا وهولندا وألمانيا.
قال ممثل مؤسسة "بيبا" في الشرق الأوسط مرتضى شريف إن "المزاد يعدّ نقلةً نوعية على صعيد تربية حمام الزاجل في العراق، لأنه يعني إدخال سلالات عالمية لم تكن موجودة في البلد"، مبيناً أن "أول طائر عُرض خلال المزاد بِيع خلال دقائق قليلة بمبلغ 11600 دولار".
ولفت شريف الى أن "تربية حمام الزاجل في العراق في تطور مستمر، وعدد المربين في تزايد، فهم أكثر من 20 ألفاً، والإقبال الكثيف على المشاركة في المزاد يعكس مدى الاهتمام بهذه الهواية"، معتبراً أن "هناك ضرورة لإنشاء اتحاد رسمي لمسابقات حمام الزاجل في العراق على غرار بعض دول الخليج".
 

سباقات وتحديات
 
وتشهد البصرة والمحافظات الأخرى من حين إلى آخر مسابقات لحمام الزاجل تنظمها أندية محلية، إذ يتم إطلاق المئات وأحياناً الآلاف منها دفعةً واحدة، ويكون الفوز من نصيب الطيور التي تصل الى أبراجها أولاً، ولتحديد النتائج بدقة تُستخدم أنظمة ملاحية الكترونية تعتمد تقنية الـ جي بي أس (GPS).
قال مجيد البريهي أحد هواة تربية حمام الزاجل في إيران، جاء إلى البصرة للمشاركة في المزاد، إن "مربي الزاجل في دول المنطقة يعانون من صعوبات وتحديات، أقساها نظرة المجتمع السلبية لمربي الحمام، ولم تتلاش هذه النظرة القديمة على الرغم من تطور الهواية واستقطابها أشخاصاً يتمتعون بمستويات ثقافية وتعليمية رفيعة نسبياً، ومنهم أطباء ومهندسون ومدرسون".
وأشار البريهي إلى أن "المربين كثيراً ما يعانون صعوبة الاشتراك في سباقات دولية للزاجل بسبب اجراءات معقدة تفرضها السلطات البيطرية والصحية عند محاولة تمرير طيورهم من دولة إلى أخرى عبر المطارات والمنافذ الحدودية البرية"، مضيفاً أن "الشغف المفرط يحرض بعض المربين أحياناً على تهريب طيورهم ليضمنوا مشاركتها في سباقات دولية ذات جوائز قيمة".
 
محطة دولية
 
أما أحمد جبار، أحد هواة تربية حمال الزاجل في البصرة، فلفت إلى أن "في غالبية دول العالم نقاط مشتركة، هي عبارة عن محطات لإقامة حمام الزاجل، منها محطة في البصرة، حيث يقوم هواة من جنسيات مختلفة بتأمين بعض طيورهم في المحطة، وعندما تحين مواعيد سباقات الزاجل في العراق يشاركون بطيورهم المقيمة في المحطة من دون الحاجة إلى إرسال طيور أخرى من بلدانهم"، موضحاً أن "المحطة تضم طيوراً، بعضها أرسلها أصحابها من دول أوروبية".
ويتنافس مربو الزاجل على اقتناء طيور تنتمي إلى سلالات عريقة، ويكفي أن يُقال إن هذا الطائر أو ذاك من سلالة شهيرة حتى يتضاعف سعره أكثر من مرة، أما إذا كان يتحدر من ذرية  فازت في سباقات دولية فإن سعر الطائر يصبح خيالياً. وبيع أحد الطيور خلال المزاد بسعر 2500 دولار لأنه يمت بصلة قرابة من الدرجة الرابعة لطائر حائز جوائز عالمية.
 
في العلم والتاريخ
 
يتميز "الزاجل" بقدرته على التحليق بسرعة مسافات بعيدة، فضلاً عن قدرته على تحديد اتجاهات العودة إلى مواطنه بدقة متناهية، فلدى افلاته من مكان بعيد يبدأ بالتحليق بشكل محوري (دائري)، ثم يتجه بمسار مستقيم صوب موطنه حتى إذا كان يبعد مئات أو آلاف الكيلومترات. وأظهر العلم الحديث نظريات عدة تفسر هذه القدرة العجيبة، أبرزها أن "الزاجل" يملك جزيئات مغناطيسية في رأسه تمكنه من استشعار المجال المغناطيسي للأرض خلال الطيران.
ولتربية الزاجل في البصرة جذور تاريخية تمتد لمئات السنين، وجاء في الجزء الثاني من كتاب "ماذا قدم المسلمون للعالم؟" أن "لهذا الحمام مكانة خاصة، ويُباع بأسعار مرتفعة، ولهذا تنافس الناس في اقتنائه، لا سيما في مدينة البصرة". ويُعد الجاحظ البصري من أوائل الذين اجتهدوا في دراسة سلوك الزاجل، وفي كتابه "الحيوان" يفرق بين الطيور المهاجرة وحمام الزاجل الذي لا تُعد الهجرة من غرائزه الفطرية. وتساءل الجاحظ قبل أكثر من 1000 عام: هل الطير يحن إلى صاحبه أم الى عشه الذي خرج منه؟

المزيد من هوايات وغرائب