Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف غير الاهتمام الأميركي المستجد المشهد في ليبيا؟

الولايات المتحدة تتمسك بالحل السياسي وترحب بـ"إعلان القاهرة" من أجل دعم مسار برلين

السفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند خلال لقاء مع المشير حفتر (موقع السفارة الأميركية في ليبيا)

ما هي إلا أيام بعدما نشرت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) ما قالت إنه أدلة على تحشيد عسكري روسي متنامٍ في ليبيا لصالح الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، وتأكيدها الانخراط في دراسة تدابير للحد من النفوذ الروسي في شمال أفريقيا، حتى تبدلت ملامح المعركة المتأرجحة في ليبيا منذ أكثر من عام، لتحقق قوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا بالسلاح والعسكريين الأتراك والمقاتلين الأجانب، تقدماً ميدانياً، أدى إلى إعلان قبول الطرفين استئناف مفاوضات وقف إطلاق النار، ما جعل المراقبين يجمعون على مزيد من الحضور الأميركي في الأزمة الشرق أوسطية الوحيدة التي غابت عنها واشنطن نسبياً على مدار نحو عقد من الزمن، لكن الآراء تباينت حول تداعيات التحرك الأميركي المكثف.
 
ووسط حديث متكرر حول "استنساخ السيناريو السوري" في ليبيا مع تدخل تركيا عسكرياً لصالح حكومة الوفاق ونقل آلاف "المرتزقة" السوريين لقلب موازين المعركة وفقاً للجيش الوطني الليبي، وما بدا كأنه "غض للطرف" من الجانب أميركي عن هذا التدخل مقابل نبرة مرتفعة الحدة في وجه ما أكدته تقارير الأمم المتحدة حول نشر موسكو مئات من "المرتزقة" التابعين لمجموعة "فاغنر" الروسية، رجح متخصصون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" أن تؤدي المواجهة الأميركية - الروسية المُستجدة في ليبيا إلى مزيد من التصعيد وإطالة أمد الأزمة الممتدة بالفعل، فيما يرى البعض أن إعادة إمساك الإدارة الأميركية بزمام المبادرة يمثل تعويضاً لغيابها غير المبرر عن المشهد الليبي خلال سنوات ما بعد الثورة، منذ أن أسندت مهمة إطاحة العقيد معمر القذافي إلى حلفائها الغربيين في حلف الناتو واكتفت بالمساعدة المحدودة في ظل سياسة إدارة باراك أوباما الانكفائيّة في ليبيا التي يميل الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عكسها.

الدب الروسي أمام بوابة أوروبا الجنوبية

وحذرت الولايات المتحدة مراراً خلال الأسبوعين الماضيين من محاولة موسكو إقامة "معقل جديد" على المتوسط في ليبيا، مؤكدة على لسان مساعد وزير الخارجية الأميركي، ديفيد شينكر، أنه "لا مكان للقوى الأجنبية أو المرتزقة على أرض ليبيا"، كما أكدت واشنطن عزمها على العمل مع شركائها "لردع الأنشطة التي تقوض سيادة ليبيا".

وقال عبدالله حديد الباحث الليبي في مركز ليبيا للدراسات الإستراتيجية والمستقبلية، في تصريحات خاصة "لا شك في أن الاهتمام الأميركي بالملف السياسي الليبي آخذ في الزيادة لا سيما بعد تطور الأحداث الأخيرة من وجود الفاغنر الروسية، بل والتدخل الروسي شبه الرسمي في الملف الليبي، وملاحظة العجز الأوروبي في معالجة هذا الملف الذي لا يبدو معقداً في أصله، حيث لا توجد تعقيدات مترسخة بين المتنازعين بالسلاح من الفريقين الليبيين، فنحن إذاً بصدد نزاع مصنوع، وليس حقيقياً"، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تريد التخلي عن حلفائها ومصالحها وترك فراغ إستراتيجي يستفيد منه الروس وقوى إقليمية ستجد طريقها "للتفاهم" مع موسكو. 

ويرى "حديد" أن "تدخل الولايات المتحدة الأميركية يمكن ملاحظته في تصريحات (أفريكوم) مؤخراً التي تحدثت عن خطورة الوضع وضرورة إنهاء الصراع. كذلك في مباحثات سفير الولايات المتحدة التي تجري من فترة مع مختلف الفاعلين المحليين والتأكيد على دعم الحكومة المعترف بها دولياً، وفي الوقت نفسه لا يزال محافظاً على تواصله مع فاعلي المنطقة الشرقية السياسيين والعسكريين، ويشير بعض المراقبين إلى أنها قد تباشر بإدارة الملف بنفسها بعد فشل الأوروبيين في ذلك وهذا يدعوها إلى تقييم سياساتها في الفترة السابقة تجاه ليبيا من حيث شركائها الإقليميين أو الفاعلين المحليين". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي مقال أخير له في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال الباحث الليبي البارز محمد الجارح، وزميل في "المجلس الأطلسي"، إن تدخل تركيا في ليبيا أدى إلى تحويل مسار الحرب لصالح "حكومة الوفاق الوطني" في طرابلس، مؤكداً أن "التدخل التركي المباشر لصالح حكومة الوفاق يترتب عليه تغيير في الدور الذي تلعبه القوى الداعمة للطرف الآخر في هذا البلد الذي مزّقته الحرب... تستعد روسيا لاغتنام الفرصة ولعب دور أكبر في شرق ليبيا. وقد تمثّلت الإستراتيجية الدبلوماسية لموسكو في ليبيا على مدى السنوات القليلة الماضية بالانخراط مع جميع أطراف الصراع الليبي، لكن مع المحافظة على الانخراط العسكري فقط إلى جانب حفتر كقائد للجيش الوطني الليبي".

ونبه الباحث الليبي إلى أن "تدخل روسيا المتزايد في ليبيا جاء في وقت مفصلي في الصراع. قد تكون روسيا مرشّحة للعب دور أكبر في الملف الليبي باعتبار أن العلاقة بين حفتر وموسكو قائمة أصلاً. من ناحية أخرى، قد ترى موسكو أنه من مصلحتها الاستفادة من حالة الضعف والتراجع لدى حفتر بسبب التدخل التركي حتى تتمكن من إملاء بعض من شروطها عليه".

واعتبر الجارح أن الولايات المتحدة مستمرة "في إظهار قلّة اهتمام أو انخراط جاد في الملف الليبي، وما زالت أوروبا منقسمة من دون سياسة مشتركة وواضحة بشأن ليبيا، فمن المرجح أن تستمر كل من تركيا وروسيا في الاضطلاع بدور محوري في الأزمة الليبية، لا سيّما إذا استمرت روسيا في زيادة نفوذها العسكري والسياسي بالوتيرة نفسها القائمة الأن".

صراع المصالح يعلن وقتاً إضافياً للأزمة 

وبعيداً من المواقف المتفائلة بإعلان استئناف المفاوضات العسكرية للوصول إلى صيغة لوقف إطلاق النار والترحيب الأميركي والروسي والعربي بمبادرة "إعلان القاهرة" للحل السياسي في ليبيا التي حددت مُهّلة زمنية لوقف إطلاق النار بصورة شاملة، يقول الباحث الليبي إن صراع المصالح بين الجانبين يمكن أن يزيد من التصعيد على عكس المتوقع ويطيل أمد الأزمة، وتابع "على كل فالموقف الأميركي عموماً لن يخرج اهتماماته في الملف الليبي عما يخدم مصالحه في أفريقيا، وسيكون ذلك في سياق الأهداف الإستراتيجية الخارجية الأميركية المعلنة. وهذا لا يعني عدم مواكبتها للتغييرات السياسية الحالية او الابتعاد عن المشهد خصوصاً في عالم ما بعد كورونا، وبعد ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا".

وقال المحلل السياسي والباحث الليبي عزالدين عقيل في تصريح إلى "اندبندنت عربية" إن "الغرب برمته وليس أميركا فقط استخدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كطُعم لمزيد من التصعيد، وعلى أمل استخدامه لاحقاً كشرطي في ليبيا عند وقوف الطرفين على خط التماس المقبول أميركياً وروسياً وغربياً. وأردوغان سيمارس دور بلاده، ثاني أكبر جيش في الناتو، لأنه يسعى لحماية قرصنة الغاز التى نالها من دعم حكومة الوفاق عبر اتفاقه البحري معها على توفير الغطاء القانوني لحصول الأتراك على حصة مهمة من  غاز شرق المتوسط، مقابل ابتلاء الشعب الليبي بضمان استمرار العنف والفوضى والفساد القائم على تحجيم دور جيشهم بصنع الاستقرار وتحديد مستقبل ليبيا".

واستكمل الباحث الليبي "أما الروس فقد أظهروا وأكدوا للمرة الألف إخلاصهم للارتباط بمتلازمة الغدر القائمة على تحويل مصالح وحياة الشعوب التى لا تقع في مجال نفوذهم الجيوسياسي إلى أوراق للتفاوض والابتزاز والمساومة لتأمين حصولهم على مكاسب في مناطق النفوذ التى تهمهم".

ولفت "عقيل" إلى أن تزاحم التدخل الخارجي في ليبيا، يمثل ورقة مساومة في ملفات أخرى بين القوى المتصارعة.

تشجيع الحل السياسي

ويشير النشاط الدبلوماسي المكثف للسفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند خلال الأشهر الماضية مع مختلف أطراف الصراع الليبي، منذ تعيينه كأول سفير أميركي في ليبيا منذ اغتيال السفير الأميركي السابق كريستوفر ستيفنز وثلاثة موظفين في القنصلية في بنغازي، بالإضافة إلى تعيين الدبلوماسية الأميركية ستيفاني توركو وليامز، كممثلة خاصة بالإنابة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أونسميل)، خلفاً لغسان سلامة الذي أعلن تنحيه المفاجئ "لظروف صحية"، إلى عودة واشنطن إلى الإمساك بخيوط الحل السياسي، حيث أكدت خلال الأيام الماضية تمسكها بالحل السياسي كحل وحيد للأزمة الليبية وترحيبها بالجهود كافة بما في ذلك "إعلان القاهرة" يوم السبت من أجل دعم مسار برلين تحت رعاية الأمم المتحدة.

 

 

وقال السفير الأميركي في إيجاز صحافي خاص عبر الهاتف عبر المكتب الإعلامي الإقليمي لوزارة الخارجية الأميركية في دبي يوم الخميس، "إن الموقف الأساسي للولايات المتحدة في ما يتعلّق بليبيا هو ضرورة وقف الصراع الليبي. فإنهاء الصراع سيساعد على حدوث أشياء عدة. أولاً، سيوقف التأثير المزعزع للاستقرار للتدخل الأجنبي. ثانياً، سيسمح بالعمل الإنساني الذي تمس الحاجة إليه لمواجهة انتشار كوفيد-19. وثالثاً، سيقلل من معاناة المجتمعات الليبية التي عانت من ارتفاع في الخسائر في صفوف المدنيين والنازحين".

واستكمل: "تماشياً مع هذا الوضع، كانت رسائلنا إلى كل من حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي على الدوام هي أنه ينبغي الاستفادة من النافذة التي تفتح الآن للعودة إلى مناقشات 5 + 5 بقيادة الأمم المتحدة".

ويعتبر السفير أن بلاده تدخلت بنشاط لوقف الصراع والتصعيد الروسي-التركي في ليبيا، بقوله "سيطرت قوات حكومة الوفاق الوطني بدعم تركي على مناطق عدة في غرب ليبيا. بالإضافة إلى ذلك، قام مرتزقة مجموعة فاغنر بإعادة التمركز بعيداً من الخطوط الأمامية لجنوب طرابلس. ولكننا لا نزال مع ذلك قلقين للغاية بشأن إمكانية استمرار التصعيد، بخاصة بالنظر إلى تسليم روسيا معدات جوية رئيسية أبرزتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في بيانها العام الأسبوع الماضي. وفي الوقت نفسه، تدفق العتاد العسكري التركي وأشكال الدعم الأخرى مستمر".

ويرى المحلل السياسي الليبي محمد العباني أن "كل ما يحدث من أميركا غير واضح، ولكن المؤكد أنه لا يمكن مواجة الروس. الطرفان لا يرغبان في ذلك، إنما هي سياسة للضغط، حتى لا ينفرد الأتراك بالكعكة الليبية، وتقديري أنهما سيتوافقان على إخراج تركيا من المشهد كما يحدث أيضاً بشكل تدريجي في سوريا".

هل من خطوط حمراء "لتقدم الوفاق"؟

وأعلن المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسماري، يوم الأحد، إن القوات المسلحة تصدت لمحاولات قام بها "المرتزقة والميليشيات" لأجل الهجوم على مدينة سرت، في تصعيد لعمليات حكومة الوفاق هو الأول من نوعه منذ أكثر من عام حاولت خلاله "صد هجوم" قوات الجيش الوطني الليبي ومحاولاته المتكررة للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس.

وقال المسماري، في مقابلة خاصة مع "سكاي نيوز عربية" إنه غير متفائل بوقف إطلاق النار، الذي يدخل حيز التنفيذ اليوم الاثنين. وأكد المسماري، في تصريحاته أن الرئيس التركي، هو من "يوظف الإرهابيين لقتال الجيش الليبي"، مشدداً على أنه في حال عدم التزام الطرف الآخر بوقف إطلاق النار سيرد الجيش الوطني بشكل قوي.

وتقوم مبادرة "إعلان القاهرة" التي أعلنها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بشأن ليبيا بمشاركة حفتر ورئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، "على التأكيد على وحدة وسلامة الأراضي الليبية واستقلالها، واحترام الجهود والمبادرات الدولية وقرارات مجلس الأمن كافة ذات الصلة، وبناءً عليه التزام الأطراف بوقف إطلاق النار.

المزيد من تقارير