Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تبادل السيطرة الميدانية لا يحسم الصراع الليبي

الاحتمال الأقرب هو حلقة جديدة من التدخلات الدولية بهدف وقف التفوق العسكري لطرف على الآخر

الأحداث في ليبيا تشير إلى أنه من المتوقع أن تكون هناك ردود فعل إقليمية ودولية (أ.ف.ب)

يظل الصراع العسكري والسياسي في ليبيا مستمراً، وإن كان الانقسام السياسي بدأ في 2014، فالبلاد تعاني حالة حرجة من غياب الاستقرار منذ فبراير (شباط) 2011، أي ما يقرب من عشر سنوات، وتجلّت تلك الحالة أخيراً عندما استطاعت قوات حكومة الوفاق السيطرة على قاعدة الوطية الجوية، وأدّى ذلك إلى تراجع جغرافي للجيش الوطني الليبي تحت قيادة المشير خليفة حفتر.

ويرى كثيرٌ من متابعي الشأن الليبي أن هذه الخطوة "نصرٌ عسكريّ" للغرب الليبي، خصوصاً بعد الدعم العسكري الذي تلتزمه تركيا خلال الأشهر الماضية. لكن بغض النظر عن الدور التركي في الأزمة، وهو ما تطوّر أخيراً، يتعين علينا أن نطرح تساؤلاً حول المشهد الحالي. هل ما تشهده ليبيا في هذه الأيام هو نتاج طبيعي لتقدّم طرف على الآخر عسكرياً أم هو نمط خبرناه في المشهد الليبي منذ سنوات طوال؟ تحليل الوضع القائم حاليّاً يحتاج إلى الإجابة عن هذه التساؤلات.

لعل التحوّل في المشهد الليبي في هذه المرحلة يتعلق بالأساس بالدور التركي. فهي ما زالت مستمرة في نهج استغلال الفرص السياسية، وتفعل ذلك من أجل أغراض تصبّ في مصلحة السياسة الخارجية التركية إجمالاً، خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا، وخلقت أنقرة من خلال وجودها في المشهد الليبي دوراً إقليمياً جديداً لها بالمنطقة، ومما لا شكّ فيه ستستغل تركيا نفوذها بهذا الملف الحسّاس في علاقتها مع الغرب، تحديداً أوروبا.

الخلاف على الشرعية

أعلن خليفة حفتر أخيراً عدم اعترافه باتفاق الصخيرات، بالتالي ذلك يعني عدم اعترافه أو اعتراف الشرق الليبي ككل بحكومة الوفاق في طرابلس. وبعد هذا القرار، عادت ليبيا إلى المربع الأول في ما يتعلق بالتسوية السياسية. اتفاق الصخيرات على الرغم من عدم تفعيله على أرض الواقع، إذ إنّ مجلس النواب في شرق ليبيا لم يوافق على تشكيل الحكومة المطروحة من قِبل المجلس الرئاسي في طرابلس، فإنّ الاتفاق في النهاية كان يوفّر إطاراً عاماً للخروج من الأزمة، من دون اللجوء إلى المواجهات العسكرية المباشرة بين الأطراف المتصارعة.

وعدم الاعتراف بالاتفاق وما أتى به من بنود كان بمثابة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من التصعيد العسكري التي نشهدها الآن. فالخلاف على الشرعية في ليبيا يضع إطاراً جديداً للصراع بين الشرق والغرب. وفي واقع الأمر، الخلاف الحالي ينزع الشرعية الدولية عن الطرفين، وإن كانت المؤسسات السياسية الإقليمية والدولية حتى الآن لم تصدر عنها بيانات تفيد بوجود تحوّل في موقفها من اتفاق الصخيرات الذي كانت تدعمه.

لكن في النهاية، الطرفان لم يُنتخبا من قِبل الشعب الليبي، فحكومة الوفاق لا تمتلك سوى الشرعية التي جاءت من اتفاق الصخيرات والاعتراف الدولي به، أمّا خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي فلديهما شرعية الأمر الواقع، التي فرضها حفتر من خلال عملية الكرامة، وأجبر تقدّمه العسكري مجلس النواب على الاعتراف بقواته، باعتبارها جيشاً أو قوة عسكرية نظامية.

 

لذا، في ظل غياب شرعية شعبية عن الطرفين، تظل مواقفهما هشّة، ولا يمتلك طرفٌ أن يدّعي أنه الممثل الرسمي للشعب الليبي من دون اعتراف من قِبل الشعب بشرعية هذا الطرف أو الكيان. وأغلب الظن أن هناك مرحلة جديدة من المبادرات الدولية للتوصّل إلى اتفاق سياسي في ليبيا خلال الأشهر القليلة المقبلة، تحديداً بعد انشغال غالبية الدول المهتمة بالشأن الليبي بمكافحة انتشار فيروس كورونا، وهو ما أدّى إلى تراجع في دور المؤسسات الدولية والدول في عدد من الملفات بالعالم العربي مثل ليبيا، وسوريا، واليمن.

التدخل التركي

غيَّر التدخل التركي في ليبيا أخيراً كثيراً من الأوضاع الميدانية في سياق الصراع، خصوصاً من الناحية العسكرية. تدخلت أنقرة لكي تدعم حكومة الوفاق وقواتها العسكرية، من دون أي مظلة إقليمية أو دولية تسمح أو تعترف بهذا الإجراء، وهو ما يدفعنا إلى التساؤل حول الدوافع التي اعتمدت الدولة التركية عليها في تبرير تدخلها العسكري. والسؤال الأساسي في هذا السياق هو: هل تحاول تركيا احتلال ليبيا أو أن تصبح حاكماً لها؟ الإجابة تتلخص في أنّ ليبيا بالمرحلة الحالية تعد عبئاً إقليمياً على أي فاعل يحاول التدخل فيها، خصوصاً عسكرياّ.

لكن في الوقت نفسه، ما زالت البلاد بها كثير من الفرص المحتملة اقتصاديّاً، وكثير من النفوذ الذي من الممكن ممارسته مع الغرب في حال التحكّم أو الوجود في المشهد الليبي. بالتالي التدخل التركي يسعى أساساً لاستغلال نفوذه في ليبيا، لكنه لا يرغب في احتلالها، تركيا ليست الحاكم الجديد لليبيا، لكنها المنتفع الرئيس من حالة الصراع خلال الفترة الحالية، وهو ما يعرف بالانتهازية السياسية أو political opportunism.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بداية التدخل التركي في الملف الليبي ترجع إلى نهايات عام 2019، تحديداً في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما وقّع رجب طيب أردوغان مذكرة تفاهم مع فايز السراج ممثلاً عن حكومة الوفاق والدولة الليبية. المذكرة كانت معنية بالأساس بالسياسة البحرية وتقسيم الحدود المائية في المتوسط، وهي الاتفاقية التي أبدت مصر وقبرص عدم ارتياحهما لها، نظراً إلى ما كانت تحمله من علامات للتوغل التركي بالمنطقة، خصوصاً في سواحل جنوب البحر المتوسط. المصالح النفطية في المتوسط تعدُّ أحد الدوافع الرئيسة للتدخل التركي في ليبيا، خصوصاً بمجال الغاز الطبيعي.

وبدأت من خلال هذه المذكرة علاقة من التفاهم بين تركيا من ناحية وحكومة الوفاق في طرابلس من ناحية أخرى. وكان النتاج هو التقدّم الكبير في القدرات العسكرية لقوات الوفاق بالغرب الليبي، ولعل ما يدل على ذلك ما حدث في معركة قاعدة الوطية الجوية، إذ أجبرت قوات الوفاق من خلال العمل العسكري الجيش الليبي على التراجع والانسحاب من منطقة كان يسيطر عليها في محور العاصمة طرابلس.

ردود الفعل

مجمل ما يقع من أحداث في ليبيا أخيراً يشير إلى أنه من المتوقع أن تكون هناك ردود فعل إقليمية ودولية، خصوصاً من مصر والإمارات والسعودية وفرنسا وروسيا. فلكل منها عدد من المصالح في ليبيا، سواء في ما يتعلق بالأمن، أو النفط، أو الهجرة غير الشرعية، وبات التساؤل مطروحاً: هل ستتدخل تلك الدول عسكرياً في ليبيا لمواجهة الدعم التركي الواضح لحكومة الوفاق؟ والإجابة هو أن تدخلات تلك الدول خلال السنوات الماضية لم تتضمن وجوداً عسكرياً رسمياً أو boots on the ground في ليبيا، لكن ذلك لا يمنع التدخلات العسكرية غير المباشرة من خلال الدعم اللوجيستي والإمداد بالأسلحة في بعض الأحيان وفقاً لعدد من التقارير الدولية. بالتالي، اشتعال حرب في المنطقة بسبب ليبيا مستبعد، لكن التدخلات الإقليمية والدولية سوف تمدد أمد الصراع، وتخلق عدداً جديداً من المواجهات بين الأطراف في الداخل الليبي.

 

هل هناك من جديد؟

من يتابع الشأن الليبي من كثب، خصوصاً منذ بدء الانقسام في 2014، يعلم أنه خلال السنوات الست الماضية، لم يتمكّن كيان عسكري من فرض سيطرته على المشهد، لكن كانت الانتصارات العسكرية نوعاً من السجال الذي به كثير من الكر والفر، وهذا الواقع لم يتغير ميدانياً حتى الآن.

استطاع الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر فرض سيطرة ميدانية بالمنطقة الشرقية، وبعض المناطق بالجنوب، لكنه لم يتمكّن من دخول العاصمة طرابلس رغم كثير من المحاولات. الانسحاب التكتيكي الذي أعلنه الجيش لا يزيد جغرافياً على ثلاثة كيلومترات، وهو ما يعني أن حفتر قادرٌ على العودة إلى الهجوم مرة أخرى على محور العاصمة. لكن في الوقت نفسه، تزداد القدرة العسكرية لقوات حكومة الوفاق المدعومة من تركيا يوماً بعد يوم، وهو ما جعلها تفكّر في التمدد شرقاً، والسيطرة على كامل التراب الليبي وفقاً لتصريحات المتحدث الرسمي.

من غير الممكن في الوقت الحالي الجزم بمستقبل الصراع الليبي سواء على المستوى السياسي أو العسكري. لكن التفوّق العسكري لحكومة الوفاق أخيراً سيخلق سلسلة من التفاعلات الدولية، والإقليمية، والداخلية، ما سيؤدي إلى تغيُّر في الإطار العام المعنيّ بالتعامل مع الصراع.

على كل الأحوال، الاحتمال الأقرب هو حلقة جديدة من التدخلات الدولية في ليبيا بهدف وقف التفوّق العسكري لطرفٍ على الآخر، ومحاولة الوصول إلى اتفاق جديد للتسوية السياسية، لكن تبقى تحوّلات الداخل الليبي أكثر حسماً في هذا الملف من التدخلات الخارجية.

المزيد من تحلیل