Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل حقق "الاتحاد الأفريقي" أحلام الأفارقة؟

مع تغيّر البيئة العالمية والإقليمية في أعقاب الحرب الباردة بدت الحاجة ظاهرة للتطوير كاستجابة لتحديات المرحلة الجديدة

مؤتمر رؤساء الدول الأفريقية بأديس أبابا- 25 مايو 1963 (أ ف ب)

انطلاقاً من منصات الاستعباد والاستغلال والاستعمار، حاول الأفارقة التعاضد والتعاون والنهوض عبر أكثر من قرن ونيف، وجعلوا من 25 مايو (أيار) يوماً لأفريقيا يسترجعون فيه معاناتهم الطويلة من الرجل الأبيض ويخلّدون ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية، التي كان تأسيسها عام 1963 عنواناً للانتصار في معركتهم ضد الاستعمار الكلاسيكي، بينما معركتهم ضد الاستغلال ما زالت قائمة مع دول تسعى لنفوذ في أفريقيا، وشركات تسعى وراء الموارد الطبيعية والبشرية لقارة بكر وشابة في آن واحد.

أما معارك الاستعباد، فهي المعركة ذات الطابع الفكري التي تأسست معها مفاهيم "الأفريقانية" منذ مطلع القرن العشرين، وحاولت أن تؤسس لفكرة الهوية الجامعة والمصالح المشتركة، بينما تبقى معركة الاستغلال مستمرة ومرهونة بقدرة دول القارة على الفكاك من الشروط المجحفة للشركات عابرة الجنسيات، التي تحصل على الموارد الطبيعية بعوائد غير عادلة.

 

وفي هذا السياق بلورت منظمة الوحدة الأفريقية عند نشأتها باتفاق 22 دولة كانت قد تحررت من الاستعمار الغربي، أهدافاً طموحة، وانضمّ 21 عضواً تدريجياً لتصل إلى ما مجموعه 53 دولة منذ إنشاء الاتحاد الأفريقي في عام 2002. وفي 9 يوليو (تموز) 2011، أصبح جنوب السودان العضو الرابع والخمسين في المنظمة القارية الأفريقية.

ويمكن القول إنه مع تغيّر البيئة العالمية والإقليمية في أعقاب الحرب الباردة بدت الحاجة ظاهرة لتطوير منظمة الوحدة الأفريقية لتستجيب لتحديات المرحلة الجديدة، خصوصاً على الجانب الاقتصادي، فخلال نهاية تسعينيات القرن الماضي، ناقش القادة الأفارقة في قمتهم الخامسة والثلاثين بالجزائر ضرورة تعديل هياكل المنظمة لتعكس تحديات عالم متغير. وقد برز اتجاهان، الأول يتبنى أفكار التكامل الاقتصادي المتدرج، والآخر، وكان صاحبه الرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، الذي دعا إلى إنشاء الولايات المتحدة الأفريقية على غرار نظيرتها الأميركية، كما دعا إلى تكوين جيش أفريقي واحد بديلاً عن الجيوش الوطنية لكل دولة.

وبطبيعة الحال اصطدمت هذه الفكرة الرومانسية بمواقف الدول الإقليمية الكبرى، كمصر ونيجيريا وجنوب أفريقيا، ولكنها استجابت لمسعى تطوير منظمة الوحدة، حيث أصدر رؤساء الدول والحكومات إعلان سرت 1999، الذي يدعو إلى إنشاء اتحاد أفريقي جديد. وكانت الرؤية البناء على مسيرة منظمة الوحدة، ولكن من خلال إنشاء الهيئة التي يمكن أن تسرّع عملية التكامل في القارة، ودعم وتمكين الدول الأفريقية في الاقتصاد العالمي ومعالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية متعددة الجوانب، وطبقاً لذلك، عقدت أربعة اجتماعات للتحضير للإطلاق الرسمي، وهي قمة سرت (1999)، التي اعتمدت إعلان سرت والدعوة إلى إنشاء الاتحاد الأفريقي، وقمة لومي (2000)، التي اعتمدت القانون التأسيسي، فضلا عن قمة لوساكا (2001)، التي صاغت خريطة الطريق للتنفيذ، وقمة ديربان (2002)، التي أطلقته فعلياً.

وعلى مدى ما يقرب من عقدين حاول هذا التجمع القاري أن يحقق خطوات على طريق تحسين حياة الأفارقة كشعوب، وتطوير مؤسسة الدولة الأفريقية لتستجيب لشروط الحكم الرشيد، ومن ثم تدخل نادي الدول الحديثة والمستقرة.

 

الاتحاد الأفريقي وشروط النهضة

بطبيعة الحال يواجه الاتحاد حالياً كمنظمة قارية حزمتين من التحديات الكبرى لتحقيق أهدافه. الحزمة الأولى مرتبطة بالنظام العالمي وتفاعلات أطرافه المحركة من دول كبرى في أفريقيا، التي هي مساحة فراغ بالنسبة إلى هذه الأطراف، ومن ثم نشهد حالياً هذا التدافع الدولي المهدد لمصالح أفريقيا وأهداف الاتحاد.

والحزمة الثانية مرتبطة بحالة القصور الذاتي لقطاع كبير من الدول الأفريقية والمؤسسة على ظروف نشأتها التي رسمت حدودها بقلم المستعمر، حيث هندس نسبياً عوامل الانقسام والتشرذم في القارة، وهي العوامل التي ترتّب عليها حروب أهلية وصراعات مسلحة ما زالت تقعد القارة عن النهوض.

ويمكن القول إن التفاعلات المعقدة والمركبة بين هاتين الحزمتين على مدى النصف قرن الماضي قد أنتجت ظواهر مقلقة يسعى الأفارقة للفكاك منها بجهود مقدرة من منظمتهم القارية، ولعل أهم هذه الظواهر عجز الدول عن تمويل الاتحاد الأفريقي، ومن ثم اللجوء إلى المجتمع الدولي لتدبير تمويله، ولعل نظرة على حجمه - نوضحها في رسم توضيحي مرفق- تكشف إلى أي حدّ يمكن أن يؤثر الفاعل الدولي على استقلالية القرار ومدى استجابته لسياسات تخدم واقعياً المصالح الأفريقية، فمثلاً كان التمويل الدولي عامي 2014، و2015 ضعفي وثلاثة أضعاف قدرة الدول الأفريقية على تمويل الاتحاد والوفاء باحتياجاته.

 

ومنذ عام 2016 وفي قمة كيجالي، يحاول الاتحاد القفز على هذا التحدي الأساسي، حيث تم اتخاذ قرار بتكليف الدول الأعضاء باستحداث ضريبة بنسبة 1.6 في المئة على الواردات تخصّص للتمويل، بهدف الحدّ من الاعتماد على الموارد المالية للشركاء لتنفيذ برامج التكامل والتنمية القارية، وتخفيف الضغوط على الموازانات الوطنية لتسديد الإسهامات المقررة، حيث بدأت دول عدة لم تكن تفي بتسديد التزاماتها في تطبيقه، مثل إثيوبيا، وكينيا، وتشاد، وروندا، وجمهورية الكونغو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتبدو هذه الخطوة في دفع الدول لتسديد حصصها المالية غير كافية لضمان استقلال القرار الأفريقي واتجاهات سياساته، ولعل الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والاتحاد أخيراً بشأن تمويل 75 في المئة من تكلفة عمليات السلام في القارة يشير بشكل واضح إلى هيمنة العامل الدولي في قضايا ومشكلات القارة ومناهج حلولها، وهي مرحلة مطلوب تجاوزها، خصوصاً بعد فشل الاتحاد في معالجة قضايا أفريقية كبرى بسبب طبيعة النفوذ الإثيوبي فيه، باعتبار أديس أبابا بلد المقر، خصوصاً في أزمتي سد النهضة والصومال، وكذلك فشله في فرض إرادته في مناهج حلّ أزمة كدارفور مثلاً. 

ضوء في نهاية النفق

ورغم صعوبة التحديات المترتبة على العجز المالي للاتحاد، من حيث قدرته مثلاً على دعم الدول التي تواجه تحديات مواجهة الإرهاب، أو الصراعات الداخلية المسلحة، فلا يمكن إنكار أنه قد أنجز خطوات مهمة على طريق إدراك أهمية التكامل الاقتصادي، فنشأت تجمعات جهوية تسهّل عملية التبادل التجاري، كالكوميسا في شرق أفريقيا، والساداك في جنوب القارة، والإيكواس في الغرب منها، ولعل هذه المنصات التجارية هي ما سهلت إطلاق المنطقة الحرة الأفريقية في منتصف 2019 سعياً وراء دعم الاقتصادات كخطوة أساسية نحو دعم القدرة على تمويل الخطة القارية للتنمية والمعنونة (2013- 2063)، والمطلوب لتموليها مئات المليارات من الدولارات حتى يتم القيام بالمشروعات الكبرى فيها، كتطوير البنية التحتية والنهوض بقطاعي الزراعة والصناعة.

وقد حقق الاتحاد الأفريقي تطوراً أيضاً في مسألة وسائل انتقال السلطة في القارة، والتخلّص من أسلوب الانقلابات العسكرية الذي وسم عمليات الانتقال السياسي حتى مطلع الألفية الجديدة، حيث عانت أفريقيا من 176 انقلاباً عسكرياً، وهو المجهود المؤسس على ميثاق لومي عام 2002، حيث امتلك الاتحاد الآليات اللازمة للضغط وحصار أي تحرك عسكري من الجيوش الوطنية يسعى للاستيلاء على السلطة عبر الانقلابات.

 

كما نجح في تدشين آليتين أنجزتا مهاماً ناجحة حتى الآن، وهما لجنة الحكماء المؤسسة عام 2007، التي لها مهام تدخلية في حالة النزاع السياسي الداخلي، وآلية النظراء المنوط بها مراقبة ومراجعة أداء الدول الأفريقية، من حيث الاستجابة لشروط الحكم الرشيد.

ويمكن القول إن لجنة الحكماء حاولت توطين الأمن والسلم في أفريقيا على مستويين، قاري ومحلي، بإنشاء شبكة للحكماء تغطي أفريقيا في مايو 2013 (PanWise)، وهي عبارة عن شبكة قارية لجهات ومؤسسات الوساطة. وأصبحت اللجنة وأمانتها عنصراً أساسياً، وقد كرست اللجنة الثالثة للحكماء (من 2014 إلى 2017) جهوداً ملموسة لتسهيل وتقديم مهام الوساطة لعمليات النزاع السياسي، على رأس أولويات جدول أعمال مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي (AU PSC)، فضلاً عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، وكذلك الارتقاء بجدول أعمال النهوض بالمرأة والسلام والأمن، من خلال إقناع مجلس الاتحاد الأفريقي بتعميم مشاركة المرأة بشكل دائم في هيكل السلم والأمن الأفريقي (APSA)، من خلال إنشاء الشبكة الأفريقية للمرأة في مجال منع نشوب النزاعات والوساطة السلمية (FemWise).

وفي هذا السياق يتفاعل الاتحاد الأفريقي حالياً مع جهود إصلاحه المؤسسي، حتى يكون أكثر فاعلية، وهي الجهود التي أطلقها بول كاجامي، رئيس روندا، بهدف القضاء على الازدواجية في هيكل المفوضية، وتعزيز اختيار القيادات العليا، والتعجيل بالتغييرات الإدارية والمالية بهدف تحسين الكفاءة الشاملة.

المزيد من تحلیل