Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العودة إلى الحياة الطبيعية بعد العزل ليست سهلة أبدا

السكان في المدن المزدحمة قلقون لأن التباعد الاجتماعي شبه مستحيل

قضت المملكة المتحدة ثمانية أسابيع إجمالاً تحت الإغلاق بسبب جائحة كورونا، من دون أن يُسمح للأفراد بمغادرة منازلهم سوى للضرورة، قبل أن تبدأ الحكومة بالإعلان عن خططها بشأن تخفيف القيود. ومع أن التغييرات صغيرة، يتطلع كثيرٌ من الناس إلى استعادة حياة يومية شبه طبيعية.

وتبعاً للمكان الذي تعيشون فيه، نظراً لاختلاف القوانين بين الأقاليم الأربعة المُكونه للمملكة المتحدة، قد تشمل حرياتكم الجديدة التشمس وزيارة المشاتل أو حتى لقاء صديق واحد أو قريب من خارج أفراد منزلكم. وبدأ عديد من الأشخاص كذلك يعودون إلى أماكن عملهم، ومن المزمع أن تعيد المدارس فتح أبوابها في إنجلترا في بداية يونيو (حزيران).

يُفترض بهذه الأنباء أن تكون سعيدة. لكن العودة إلى الحياة الطبيعية ليست بالسهولة التي تبدو عليها، لا سيما عندما تكون النقطة التي تعودون منها هي جائحة قتلت 33 ألف شخص على الأقل في المملكة المتحدة، ودفعت بالملايين نحو البطالة أو التسريح المؤقت، ومن شبه المؤكد أنها وضعتنا كذلك على سكة ركود اقتصادي أسوأ من الانهيار المالي الذي حصل في 2008، وأنتجت مستويات لا يمكن تخيلها من القلق ومشكلات الصحة النفسية- العقلية.

في ذلك الصدد، ترى الرسامة ريبيكا هاندن (31 سنة) إنه "على الرغم من رفع القيود، سأظل في المنزل. أنا أتوجس من مسائل النظافة الشخصية والمخاطر الجسدية في الأوقات العادية، لذا في حالتي، تسبب لي فيروس كورونا بقلق شديد. بالتالي، سألازم المنزل بشكل عام إلى أن ينتهي كل شيء، حتى لو تطلب ذلك وقتاً طويلاً جداً".

لا تساور هذه المشاعر ريبيكا وحدها. فقد وجد استطلاع للآراء أجرته شركة "إيبسوس موري" ونُشر في أول مايو (أيار) أن أكثر من  60 في المئة من البريطانيين غير مرتاحين لفكرة ارتياد الحانات والمطاعم والحفلات والفعاليات الرياضية أو استخدام وسائل النقل العام، عند انتهاء الإغلاق. وأقل من نصف (49 في المئة) الأشخاص الموظفين حالياً يشعرون بالارتياح إزاء العودة إلى العمل. وأشارت بعض التلميحات إلى أن رسالة الحكومة حول "ملازمة المنازل" كانت ناجحة لدرجة جعلت الناس لا يرغبون في الخروج من منازلهم.

منذ وضع بوريس جونسون المملكة المتحدة قيد حالة الإغلاق في 23 مارس (آذار)، اكتسب وسم "#مددوا_الإغلاق" شعبية على وسائل التواصل الاجتماعي، واستقطب آلاف التعليقات من أشخاص قلقين للغاية من تخفيف القيود. يبدى بعضهم قلقاً إزاء عدد الأشخاص الذين لا يرتدون الكمامات في العلن (تنصح الحكومة الآن بتغطية الوجه في الأماكن التي يصعب تطبيق التباعد الاجتماعي فيها)، فيما يشعر آخرون بالإزعاج بسبب ازدياد أعداد السيارات في الشوارع، ويشعر غيرهم بالإحباط لرؤية الناس خارجاً يتصرفون كما لو أن شيئاً لم يحدث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن ناحية أخرى، يقلق بعض الأشخاص الذين يقطنون المدن والمناطق الحضرية المُزدحمة من ركوب وسائل النقل العام، لأنه من شبه المستحيل الحفاظ على التباعد الاجتماعي فيها. ويوضح مارسيو ديلغادو (39 سنة)، مستشار في الشؤون الرقمية، "لا أرتاح أبداً لفكرة استخدام النقل العام في لندن في الوقت الراهن. ومع أنني لا أستطيع العمل من المنزل إلى الأبد، إلا أن عبور المدينة من أجل حضور اجتماعات مع العملاء يسبب لي قلقاً من خسارتنا كل الجهود التي بذلناها أثناء عزل أنفسنا خلال الشهرين الماضيين".

وعلى نحوٍ مماثل، ومع أن الحكومة أوضحتْ إنه من الآمن التمرن والاسترخاء في الخارج، لم تقتنع ريبيكا بذلك. ووفق كلماتها، "لا يصلح هذا الأمر إلا عندما يتصرف الأفراد بطريقة عقلانية للغاية. حتى لو عرضتم علي المال، لن أجلس على الأرض في مكان عام حيث يُحتمل أن يكون أحدهم بصق على الأرض أو سعل عليها قبل وصولي". وترى ريبيكا هذا الأمر يحدث دائماً في حديقتها الخاصة التي تشكل مساحة خاصة مشتركة بين منازل عدة. "يسعل أحدهم على مقعد، ثم يغادر المكان، ويأتي غيره بعد ذلك بخمس دقائق ثم يجلس في ذلك المكان نفسه من دون علم منه بما حصل، ويلمس كل المواضع التي لمسها الشخص الذي سعل".

يشكل القلق من العودة إلى الحياة بعد الإغلاق جزءاً من حالة نفسية أشمل يُطلق عليها اسم "قلق العودة"، كما يشرح لـ"الإندبندنت" استشاري الطب النفسي في "ذا ساميت كلينيك" في لندن، مارك هكستر. وبحسب رأيه، "يجسد "قلق العودة" الخوف من المجهول وفقدان هذه الفترة من الأمان التي خلقها الحجر الإلزامي داخل منازلنا. لقد خلق الإغلاق إحساساً مصطنعاً بالأمان بشأن العالم. احتمينا من الفيروس وربما أيضاً من الظروف العائلية المعقدة أو النزاعات العائلية وغيرها من المشكلات الخارجية".

ولم ننعزل جميعاً تماماً خلال الإغلاق. وفي عدد من الأماكن، قرب الإغلاق المجتمعات المحلية من بعضها بعضاً بطرق غير مُتوقعة ومُحببة مع إلقاء الجيران التحية على بعضهم بعضاً (ربما للمرة الأولى) والتفاعل الاجتماعي عن بُعْد ضمن فعاليات كـ"أسبوع التصفيق لمقدمي الرعاية". ويعطينا هذا النوع من التفاعل إحساساً بالأمان لن توفره لنا "الحياة الطبيعية".

ويضيف هكستر، "يتشابه "قلق العودة" في بعض جوانبه مع رد الفعل على الصدمة. مثلاً، إذا تعرضنا لحادث سير، قد نجد أننا نشفى بشكل جيد من الصدمة الأولية التي سببها لنا الحادث وأن أجسامنا تستعيد عافيتها. لكن عندما نضطر للعودة إلى القيادة من جديد، نشعر بالقلق. ومَرَد ذلك أننا نضع أنفسنا من جديد في وضعٍ اختبرنا خطورته أو ضرره قبلاً".

وبعض الأشخاص عرضة للإصابة بقلق العودة أكثر من غيرهم. إذ يرى هكستر إن من لديهم تاريخ من الشعور بالقلق مثلاً سيكونون معرضين أكثر للإحساس بهذه المخاوف. وقد يعتمد الأمر بشكل كبير على ظروفكم الشخصية. ومن مروا بتجربة فقدان عزيز أو أصيبوا بالمرض أو عانوا من اضطراب شديد بسبب تغييرات شخصية أو مهنية، معرضون أيضاً للشعور بمزيد من القلق إزاء تخفيف القيود لأنهم يشعرون بأن العالم الخارجي غير آمن.  

وتشرح الطبيبة النفسية في "جامعة سنترال لانكاشاير" الدكتورة ساريتا روبنسون أن الأمر قد يعتمد أيضاً على مدى قلقكم بشأن احتمال إصابتكم شخصياً بـ"كوفيد 19". وتضيف، "من يعتقدون بأن الاحتمال مرتفع سيشعرون بقلق مضاعف. لكن غيرهم سيعتقدون أن احتمال إصابتهم بعيد، ربما لأنهم في عمر فتي وبصحة جيدة". وإضافة إلى ذلك، قد يشعر من تقع على عاتقهم مسؤولية الاعتناء بسواهم من الأطفال أو الأهل المسنين، بقلق إضافي ليس على سلامتهم الخاصة بل على سلامة أحبائهم.

واستطراداً، من الضروري معالجة موضوع "قلق العودة"، ليس من أجل دعم العافية النفسية- العقلية للأمة فحسب، بل من أجل مساعدة البلاد على النهوض مجدداً. لن يحصل ذلك إذا منع الخوف الناس من مغادرة منازلهم. وتضيف الدكتورة روبنسون "علينا تفادي التسرع في إخراج الناس من نطاق راحتهم". وتشرح أيضاً أن هذه السرعة قد تترتب عليها عواقب نفسية بالنسبة للأفراد، تشمل زيادة خفقان القلب وارتفاع ضغط الدم. وبحسب رأيها، "إذا تعرض الناس لتلك الصدمات النفسية مراراً، قد يشرعون في الشعور بالإرهاق أو قد يعجزون عن إيقاف مشاعر القلق، ويصعب عليهم بالتالي الاسترخاء". 

ومن أجل تخطي الإحساس بـ"قلق العودة"، عليكم ببساطة أن تجدوا طريقة لإعادة الانخراط في الحياة العادية. ووفق هكستر، "نصيحتي أن تعودوا ببطء وحذر. تحضروا لفكرة أن الأمور لن تكون على حالها تماماً، وتوقعوا أن تختبروا بعض الضياع، وشيئاً من المشاعر غير المتوقعة مثل تقلب المزاج أو الاضطراب".

وقد يفيدكم أن تُدخلوا تغييرات أخرى في طريقة حياتكم، لا سيما تلك التي تعمل على تكييف ذهنكم كاليوغا والتأمل. وكذلك تشير دومينيك آنتيغليو، خبيرة المساعدة الذاتية في عيادات "بيسوفرو"، إلى أنه "قد تعجزون عن تغيير عوامل العالم الخارجي لكن يمكنكم تقرير طريقة اختباركم لها. إن وجدتم أنكم تشعرون بالذعر فجأة بسبب القلق، حاولوا إجراء تدريبات تنفس لإبطاء خفقان القلب السريع".

وفي ذلك الصدد، يضيف هكستر أنه من الطبيعي جداً أن يشعر معظم الناس بشيء من "قلق العودة" في هذه الفترة، مع أنها ستكون مجرد فكرة تمر مرور الكرام بالنسبة للبعض، بينما تُنهك آخرين. ووفق كلماته، "يشكل استباق المشكلات وتوقع ما قد نواجهه منها، جزءاً مهماً في مسيرة تكيفنا مع الوضع، وينطبق وصف مماثل على طلب المساعدة في حال شعورنا بأن الموضوع يفوق طاقتنا على الاحتمال. من المهم جداً تقبل فكرة أن طلب المساعدة أمر عادي، ويمكن تكييفه بحسب الأوضاع. يجب ألا نخجل من ذلك الموضوع".

© The Independent

المزيد من صحة