Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كتّاب مصريون في الحجر: كأننا على مركب يغرق وفيسبوك نافذتنا

خوف وترقب ولا نشر ولا مكتبات وعزلة كورونا غير صالحة للإبداع

كتب معروض في القاهرة (أرشيفية)

لا تبدو في أفق العام 2020 في مصر بادرة أمل بشأن كتب كان يفترض أن تُنشر قبل انقضاء ذلك العام العجائبي، أو يجري إعدادها للنشر في العام الذي يليه. ومع ذلك يظل هناك أمل في أن تنقشع الغمة قريباً، سواء بالنسبة إلى الكُتَّاب أو دور النشر، حتى ترى مشاريع  مؤجلة النور، ورقياً أو حتى إلكترونياً في ظل ملاحظة اشتداد العزوف عن القراءة. "اندبندت عربية" استطلعت آراء كتاب وناشرين مصريين حول هذا الأمر.

يقول الروائي إبراهيم عبد المجيد: "انتهيت من كتاب عنوانه "الأيام الحلوة فقط"، وهو عبارة عن ذكريات من الحياة الأدبية وجلسات جمعتني بكتاب من داخل مصر وخارجها. وكان هناك اتفاق على نشر الكتاب في دار "بيت الياسمين" التي يديرها ابني زياد، لكننا تراجعنا عن ذلك وأرجأنا النشر إلى أجل غير مسمى بما أن  لا أمل في أن تستأنف معارض الكتب نشاطها قريباً، فضلاً عن أن المكتبات تقلَّص نشاطها جداً، وانعدمت الندوات وحلقات النقاش وقد انعكس ذلك سلباً على تلقي روايتي الأحدث "العابرة". أضحك كلما ضبطني أفكر هل من الممكن أن أحمل كل ما كتبته معي ولا يبقي منه شيئ علي الأرض مادام كورونا قرر أن يجهز علينا جميعاً".

ويقول الشاعر أحمد الشهاوي الذي كان ينتظر صدور روايته الأولى "حجاب الساحر" : "تبدأ دور النشر في تجهيز المخطوطات التي لديها في الصيف. لكن الصيف على الأبواب فيما غالبية دور النشر متعطلة أو متوقفة أو غير قادرة على توزيع ما لديها من كتب جديدة أصدرتها في يناير وفبراير السابقين، وحل فيروس كورونا خلال مارس (آذار) الماضي في بلداننا العربية، ومن الصعب على دور النشر بل من المستحيل أن تنشر كتباً جديدة، والكتب التي صدرت لم توزَّع ولم تشارك في أي معارض للكتب بعدما ألغيت كل المعارض العربية بسبب الفيروس الذي اجتاح العالم".

 ويضيف: "أتصور أن دور النشر لن تنشر جديداً وإن نشرت فسيكون في نطاق محدود يكفي لالتزامات أخرى تتعلق بالتقديم في جوائز عربية، فالناشر يأمل أن يعوض خسائره المادية بفوز بعض كتبه بالجوائز التي تقدم إليها خصوصاً أن الناشر يحصل على نسبة من الجوائز. وقد يكون لديه تعاقدات مؤجلة وعليه أن ينفذها. وعلى المستوى الشخصي كان سيصدر لي في العربية ثلاثة كتب طبعة جديدة من كتابي الشعري "كتاب الموت"، ورواية "حجاب الساحر"، ومختارات شعرية في العاصمة الأردنية عمان. أسعى أو آمل أن تساعد الظروف المقبلة في اجتياز هذه المحنة التي ضربت جميع مناحي الحياة. على الرغم من معرفتي اليقينية أن الجو العام لا يؤهل لتلقّ حقيقي للكتب والكتابة الجديدة والجادة، وعلينا أن ننتظر حتى نعود إلى ما كنا عليه قبل كورونا وهذا صار من الصعب، كأننا كنا في نعمة وترف. من الظلم التضحية بنشر روايتي في أجواء يغلب عليها الانسداد والإحباط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عالم يترقب 

يقول الشاعر كريم عبد السلام: "مثل فيلم أميركي يحكي عن انهيار العالم، نحبس أنفاسنا ونحن نترقب ما يمكن أن تخبئه لنا الأيام، والمدى الذى يمكن أن يذهب إليه الوباء الجديد أو الكابوس الجديد كوفيد 19، الذى سحب العالم من أنفه ووضعه في معزل كبير. داخل هذا المعزل الضخم، تجمدت الحياة نفسها، نذهب إلى العمل بالقصور الذاتي أو عبر الفيديو كونفرانس، أو الإنترنت، مشاريعنا للأيام الآتية توقفت، بل تجمدت، كان لدى مشروع ديوان جديد فى العام 2020، وكنت سأدفع به إلى إحدى دور النشر العربية، لكن النشر توقف ومعارض الكتب أغلقت أبوابها ومهرجانات الشعر ألغيت. من ذا يفكر فى النشر والشعر داخل المعزل الكبير الذي نعيش فيه؟ من ذا يفكر في الشعر وفعالياته وإصداراته والموت يحصد الآلاف كل يوم في أركان الأرض الأربعة؟

 ويضيف :"كوفيد 19 أو الكابوس الجديد الذى اختطف العالم، أكد لي صحة اعتقادي بأن الشعراء في لحظتنا الراهنة، أشبه بالبحارة على مركب يغرق، وكل ما عليهم هو أن يضعوا شهادتهم على لحظة الغرق ومشهد النهاية، فى زجاجة وأن يلقوا بها في الماء، عسى أن تصادف يوماً شاطئاً مأهولاً بمَن يعرفون القراءة، ومن ثم أفكر في الاحتمالات التى تقتضيها اللحظة، مثل النشر على صفحتي على تطبيق "فيس بوك" أو النشر الإلكترونى على منصات "إى بوك" و"أمازون" وغيرها، حتى إذا جاءت النهاية لا ترفع الأقلام والصحف لا تجف".

ويقول الروائي طارق إمام: "بالنسبة لي ليس عندي مشروع مكتمل ينتظر النشر، لكن ظرف كورونا عطَّل مثلاً صدور طبعة جديدة من روايتي الأحدث "طعم النوم"، فقد كانت دار النشر على وشك إصدار طبعة جديدة لكن الظرف المفاجئ أرجأ ذلك.

كذلك قطع كورونا إجبارياً ورشة الرواية التي كنت أديرها وهي في مراحلها النهائية. وتعطَّل بعض الشيء مشروع إصدار مجلة أدبية عربية مستقلة أنا أحد أعضاء هيئة تحريرها. وعلى مستوى السفر كنت مدعواً لأكثر من محفل، منها معرض الرياض للكتاب وأنشطة أخرى، قبل أن تلغى جميع النشاطات. أستطيع أن أقول إن ظرف كوفيد 19 أثَّر على نشاطي الأدبي إجمالاً بخاصة وأن أجندتي في 2020 كانت حافلة. وبعض النشاطات استعضت عن حضورها بتنفيذها عبر اون لاين مثل مناقشة مجموعتي "مدينة الحوائط اللانهائية"، والتي كانت كتاب شهر أبريل (نيسان) الفائت لنادي كتاب الإمارات في دبي. لكن على جانب آخر اعتبرت ما حدث فرصة لالتقاط الأنفاس ومواصلة العمل على كتابة روايتي الجديدة. أستطيع أن أقول إنني اعتبرت هذا التعطيل الإجباري للنشاط ضارة قد تكون نافعة!".

مشروع جماعي

الروائي والقاص أحمد أبو خنيجر، يقول: "في بدايات الكورونا والحظر تصور الكثيرون أن هذه فرصة ثمينة للقراءة والكتابة والعمل على مشاريع مؤجلة بسبب العمل والمشاغل الأخرى، غير إن ذلك ليس صحيحا بالمرة، لدى على الأقل روايتان ومجموعة قصصية، لا تحتاج للكثير من العمل، فقط الجلوس والعمل، أو حتى الدفع بمسرحية "فوانيس الليل" التي فازت مؤخراً بجائزة ساوريس لنشرها، أقول حتى الرغبة في هذا أصبحت ضعيفة، ففي ظل هذا التوتر العالمي يصبح التركيز قليلاً والقدرة على الكتابة أو القراءة شبه منعدمة؛ فقط الآن يزداد الحنين للمندرة وجلساتها المتنوعة ولمة الأصدقاء ومناوشاتهم البديعة".

 ويضيف: "كنا، أنا ومجموعة من الأصدقاء، قد طوَّرنا من جلساتنا في مقهى أحمداني بشارع سعد زغلول بأسوان (جنوب مصر) إلى تجمع ثقافي واجتماعي، وكانت جلسة الأربعاء مخصصة للنقاشات الأدبية والثقافية، تيمناً بحديث العميد طه حسين الذي خصَّه بيوم الأربعاء ليصبح كتاباً في ما بعد هو: "حديث الأربعاء". وفى الوقت ذاته نستلهم من تراثنا الشعبي جلسات المنادر ـ جمع مندرةـ حيث يجتمع الأهل والخلان لمناقشة أمور حياتهم، وبها تعقد سوامر أفراحهم وأحزانهم وجلسات سمرهم، وهو ما كان يشكل السمة الأساسية لجماعتنا في المقهى، والتي ارتضى أصحابها ورواد المقهى ذلك منا، بل أصبحوا مشاركين لنا وجزءاً أصيلاً من هذا التكوين الذي أطلقنا عليه: المندرة. ستجد الشعر والغناء وقراءة القصص القصيرة وتسمع سرد الحكايات والأغاني على العود أو بدونه: من كف ونميم ومواويل وإنشاد ديني. ولن تعدم مناقشات حامية في اللغة والفن والثقافة والفلسفة والأدب الشعبي، حتى أصبحت المندرة مقصداً ومزاراً، لكن كل ذلك توقف مع بدايات انتشار جائحة كرونا وتوابعها من إغلاق للمقاهي ومن بعده الحظر على الحركة والتجمع. في المندرة ستجد من انتحى جانباً وراح يكتب ما يخطر له من إبداع أو غيره قبل أن يتلوه على رواد المقهى لسماع آرائهم وتعليقاتهم، وكنت قد نشرت عدداً من النصوص تخص الحكي عبر حسابي على الفيس بوك قبل أن أقوم بجمعها لتنشر في كتاب، لكن ومع توقف أحوال السفر والمتابعة لأعرف مصير هذا الكتاب عند الناشر الآن، ليس هو فقط بل كتاب آخر يخص الإنشاد الديني الشعبي في جنوب الصعيد".

عدو غير مرئي

الكاتبة سمر نور، تقول: "ظننت أن كل شىء قد تغير بالنسبة لى في ديسمبر 2019. فمع كتابة آخر جملة في أي عمل أدبي جديد أشعر أن عالمي سوف يتحول، أشعر أني خلقتُ عالماً جديداً وأسكنته شخصيات تستعد للحياة مستقلة عن وجودي، أو هكذا كنت أخطط بعد انتهائي من روايتي الجديدة "تماثيل الجان" والتي استغرقت كتابتها ما يقرب من العامين، قبلهما سنوات طويلة من المشاكسة مع الفكرة والشخصيات. تمهلت في دفع الرواية للنشر رغم أنها كانت المسودة الثالثة للعمل، وفضلت أن يأخذ وقتاً أكبر في المراجعة والتدقيق، وربما كنت أسعى لنشرها خلال الصيف، حتى استيقظت يوماً، مثل كل البشر، لأجد العالم في حالة من الذهول، كل الأنشطة تتوقف تماماً، فلا مجال لاستكمال أي خطط شخصية أو عملية قبل أن نفهم ما يحدث حولنا. العالم يتبدل، لم يعد بمقدورنا التحكم في تفاصيل حياتنا البسيطة، نحن رهن اعتقال عدو لا مرئي، لا نملك أسلحة لمواجهته سوى الهروب داخل قوقعتنا، تلك هي الحقيقة الوحيدة وكل ماعداها مجرد تكهنات. ربما العزلة مناسبة لي، لكن الخوف من المجهول أكثر فتكاً من المرض ذاته".

وتستطرد: "الأزمة الاقتصادية التي سببها انتشار فيروس كورونا أثَّرت بالتأكيد على سوق النشر، مما سيعطل ظهور إصدارات جديدة في الفترة القادمة، مع توقف المعارض وإغلاق المكتبات. هذا هو الوجه الواضح للأزمة، لكنّ هناك وجهاً آخر لا يمكننا التغاضى عنه، وهو الخوف من صدور عمل استغرقنى لسنوات طويلة في مناخ عام من الارتباك والتغيرات على أصعدة مختلفة، نحن في رحم لحظات يتغير فيها العالم ويغيرنا معه، فهل يمكن أن أزج بمولودي الجديد في غمار عالم مازال يتشكل وربما تعرقل التحديات المادية والنفسية الانتباه إلى الكتب الجديدة الفترة القادمة، لكن ما يهدئ من وتيرة تلك الأفكار المتزاحمة هو أن روايتي الجديدة منشغلة بهذا الارتباك الذي يواجهه العالم، وبأسئلته الكبرى التي لن تنتهي، وبقدرة الانسان بتركيباته المختلفة وتناقضاته على مواجهة تقلبات الحياة وهواجسه الوجودية، وتعاطي البشرية مع أسئلة كيف بدأنا وإلى أين ننتهي، فكأنها كتبت من أجل تلك اللحظة، وربما إننا طوال الوقت نعيش تلك الحالة من المواجهة سواء في تفاصيلنا اليومية البسيطة، أو حتى في حروبنا الكبرى، والتي تعيش البشرية إحداها تلك الايام، وبالتأكيد لن تكون آخرها".

خوف الكتابة

يقول الروائي وجدي الكومي: "خلال فترة العزل والحجر الصحي، جربتُ كتابة ألوان من القصص القصيرة تتخيل أن العالم ينتهي بسبب وباء عظيم. اختبرتُ ألواناً من الكتابة الشديدة القتامة، هي عند القراء تنتمي للكتابة "الديستوبية" أو كتابة نهاية العالم. وبالفعل كتبت قصتين قصيرتين إحداهما نشرتُها، والأخرى لم أنشرها بعد. لمست من هاتين التجربتين عدة أشياء: أولاً أن المواقع المهتمة بنشر قصصي، كثيرة، لأن الوباء والكورونا والعزل الصحي ويوميات الأدباء خلال العزل الصحي باتت "ترند". ثانياً: أن القراء ليسوا جميعاً على رأي واحد. من المؤكد أن هناك الكثير من القراء يرغبون في قراءة ما يطمئنهم أكثر ويصرف عن أذهانهم التفكير في "الكارنتينا" والوباء. وعلى الرغم من أن هناك قاعدة ثابتة ومعروفة تقول إن البعض يقرأ ما يثير مخاوفه، لأن طلب الإثارة هو أمر مؤصل في تلقي الفنون، وكجزء من عمليات الإمتاع الفني الذي يبحث عنه القراء، إلا أنني حينما جربت بنفسي قراءة نص حقيقي مترجم لإحدى الكاتبات الإيطاليات، تتحدث فيه عن واقعية الوباء، ولم تذكر وقائع خيالية، بل عددت المظاهر المرتبطة بالكارثة مثل "ضياع الوظائف" و" انهيار المنظومة الطبية"، شعرتُ بالرعب أكثر. أنا نفسي الذي علمتني طبيعة عملي كصحافي وككاتب ضرورة البحث عن الحقيقة والمعرفة، شعرتُ أن الحقيقة الإيطالية التي نقلها المقال كانت مضاعفة، وجرعة شديدة التركيز من الرعب والخوف ولو لم أقرأها كان ذلك سيكون أفضل لي.

ويقول الروائي حسين عبد البصير: "عندى رواية كبيرة الجحم، تستعيد أجواء مصر الفرعونية على غرار روايتين سابقتين لي، هما "البحث عن خنوم"و"الأحمر العجوز". كانت بداية محاولاتي لنشرها أنني كنت أتواصل مع أحد الناشرين في مصر والعالم العربي، فاعتذر لي عن نشر أي عمل في الفترة الحالية، على الرغم من أني لم أطلب منه نشر روايتي لديه مباشرة، وكان تواصلي معه عن النشر حالياً، فذكر لى أن حركة النشر متوقفة، وأن عدداً كبيراً من الناشرين في العالم العربي سوف يخرجون من الصناعة، وقال لي إن المكتبات التي تبيع الكتب مغلقة، ولا يوجد تصدير أو استيراد كتب من الخارج، ولا يوجد شحن. والحقيقة فإن نشر الروايات، أو الكتب عموماً، أصبح في مصر من أصعب الأمور؛ نظرًا لأجواء فيروس كورونا المسيطرة على الحياة وعلى الناس والأحداث، في العالم كله. لكن ما يحيرني هو أن النشر يشهد ازدهاراً في الغرب، نظراً لإقبال الناس على القراءة في الحجر، على عكس ما يحدث عندنا تماماً".

المزيد من ثقافة