Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"طالبان" وكورونا يدفعان أفغانستان نحو مرحلة سوداء

أعمال العنف الأخيرة التي نفذها متمردون شملت إحدى أكثر الهجمات ترويعاً في وقت لن تحصل البلاد على الكثير من الدعم من العالم الخارجي

رجل أمن أفغاني يواسي مواطنا بعد الاعتداء الذي نفذته طالبان على قسم الولادة في أحد مستشفيات العاصمة (أ.ب) 

قد تكون أفغانستان في طريقها نحو مزيد من الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا، بمعدل يفوق عدد القتلى الذين سقطوا في البلاد على مدى الأعوام الثمانية عشرة من الحرب، ما لم تُتَّخذ تدابير فورية وعاجلة حيال بقاء أعداد كبيرة من الإصابات غير مكتشفة.

هذا التحذير أطلقته "وزارة الصحة العامة" بعدما توصّلت اختبارات عشوائية أجرتها في العاصمة كابول على نحو 500 شخص، إلى أن 156 منهم أُصيبوا بالفيروس. ومن شأن البنية التحتية المدمّرة ونسبة الفقر ووضع النظام الطبي المثقل بآلاف اللاجئين الذين يعيشون في ظروف صعبة وغير صحية، أن تجعل من أفغانستان إحدى أكثر الدول عرضةً للوباء.

لكن سقوط عشرات القتلى هذا الأسبوع لم يكن نتيجة عدوى "كوفيد - 19"، بل كان وراءه متمردون ومسلحو حركة "طالبان" وجماعات إسلامية أخرى، رفضوا دعوات متكرّرة إلى وقف نار إنساني لمواجهة المرض الذي يجتاح البلاد.

ووقع أحد أكثر الهجومات ترويعاً في المرحلة الأخيرة حتى بالنسبة إلى المعايير الأفغانية المقلقة يوم الثلاثاء في مستشفى في داشتي بارشي، وهو حي شيعي في كابول يقطنه عدد كبير من سكان الهزارة. وكنتُ قد ذهبتُ إلى هناك في الماضي كما بعض الزملاء الآخرين، للتحدث مع بعض المصابين الذين تلقّوا علاجاً هناك، بعدما استُهدفت المنطقة بسلسلة اعتداءات مذهبية من جانب متمرّدين سنّة.

وقد استُهدف هذه المرة المستشفى ذاته المعروف بوجود جناح كبير للولادات فيه، تديره منظمة "أطباء بلا حدود"، وهو أحد المرافق المتخصّصة القليلة في المدينة. ويبدو أن المسلحين يركّزون بشكل واضح على مَن يريدون قتله في تلك المنشأة.

المهاجمون نفّذوا اعتداءهم وهم متنكّرون بزي شرطة. وكما يوضح أحد موظفي المستشفى، فقد توجّهوا مباشرة إلى جناح التوليد، متجاهلين الأجنحة المختلفة التي تضمّ مرضى آخرين. ولقي 24 شخصاً حتفهم، منهم 16 من النساء والأمهات الحوامل والممرضات. وكان من بين القتلى طفلان حديثا الولادة. وأظهرت إحدى الصور التي التُقطت للمذبحة امرأةً شابة تحتضن طفلها في الموت، كما كانت تفعل وهما على قيد الحياة. وفي مكان قريب، أُصيب طفلان صغيران بالرصاص بينما كانا يحاولان الهرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتقول عائلة زينب، المرأة التي تبلغ من العمر 27 سنة من مدينة باميان في شمال أفغانستان، إنها وضعت مولودها في المستشفى بعد نحو سبع سنوات من محاولاتها الإنجاب. وفيما نجت هي، فقد قُتل طفلها الذي سمّته "أوميد" أي "أمل" في لغة "داري" ذات الأصول الفارسية. وتوضح حماة الأم المنكوبة زهيرة محمدي التي كانت في المستشفى لحظة وقوع الهجوم، أن المسلحين استهدفوا السرير الذي كان فيه الطفل نائماً. أما هي، فقد فقدت وعيها. وتقول: "عندما فتحتُ عيني، رأيتُ جثة حفيدي ملقاةً على الأرض ومضرجةً بالدماء". وتضيف: "أحضرتُ كنتي إلى كابول كي لا تفقد طفلها. لكننا اليوم سنعود بجثمان المولود إلى باميان".

في المقابل، قضت امرأة حامل أخرى كانت تنتظر الولادة، مع طفلها الذي لم يتمكّن من أن يبصر النور. ووضعت سيدة مولودها في اللحظة التي كان يحصل فيها إطلاق النار داخل المستشفى. وأكدت منظمة "أطباء بلا حدود" أنه تم إجلاؤها ومولودها بأمان. وقد تيتّم نحو 18 بعدما فقدوا أمهاتهم في الهجوم، وكانت عملية البحث عن أسرهم ما زالت جارية.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان ديبورا ليونز غرّدت على حسابها في "تويتر"، قائلةً: "مَن يهاجم أطفالاً حديثي الولادة وأمهات حاملات؟ إن الأكثر براءةً بين الأبرياء هم الأطفال! لماذا؟ إنّ القسوة ليس لها أتباع في الإنسانية".

أما وحيد مرجوح، نائب وزير الصحة الأفغاني، فقال: ​​"أطبائي وطاقمي الصحي والأم المسكينة التي كانت تحاول وضع مولودها، جميعهم تُركوا اليوم يواجهون حالاً من الفوضى. الطبيب الذي كان حاضراً لإنقاذها سقط إلى جانب سريرها وهو مغطّى بالدم".

ومن بين الاعتداءات الأخرى التي وقعت في اليوم ذاته، هجوم في مقاطعة ننغارهار شرق البلاد، حيث فجر انتحاري نفسه في جنازة لأحد قادة الشرطة. وقد حصد الانفجار أرواح ما لا يقل عن 32 شخصاً، فيما أُصيب 68 بجروح. وكان الضابط شيخ أكرم قد تُوفي بنوبة قلبية بعدما نجا من أعوام من القتال. والشظية التي مزّقت جثمانه دلّت على أن حتى الموتى، في ما يبدو، لا يمكنهم الهرب من العنف الدائر في أفغانستان.

انفجار آخر وقع يوم الثلاثاء الفائت في خوست المدينة الكبرى في جنوب البلاد، حيث تسبّبت عبوة ناسفة وُضعت في عربة داخل سوق محلية، في مصرع طفل وإصابة أربعة آخرين. وانفجرت أربع قنابل في اليوم السابق في العاصمة كابول، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص بينهم طفل. وتواصلت أعمال القتل، بحيث انفجرت شاحنة محمّلة بمتفجرات قرب محكمة في غارديز، شرق أفغانستان يوم الخميس، ما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة 14 بجروح.

تأتي هذه الفتنة المتجدّدة بعد توقيع اتفاق سلام رُوّج له إعلامياً بين الولايات المتحدة وحركة "طالبان" في الدوحة في قطر، كان من المفترض أن ينهي نحو عقدين من الصراع في أفغانستان. لكن المحادثات بين "طالبان" والحكومة الأفغانية في ما يتعلق باتفاق تقاسم السلطة بينهما وصلت إلى طريق مسدود، بسبب برنامج تبادل السجناء، وهو شرط تصرّ واشنطن على أن تعمل الحكومة على تطبيقه. وتريد "طالبان" إطلاق سراح نحو 5 آلاف فرد من مقاتليها يقبعون في السجون. وتقول كابول إنها في مقابل إفراجها عن نحو ألف سجين، لم تستردّ سوى 171 أسيراً لها في المقابل.

في غضون ذلك، تشنّ حركة "طالبان" وجماعات متمرّدة أخرى، هجمات متواترة بشكل متزايد انطلاقاً من قواعدها في باكستان، مستهدفةً القوات الحكومية الأفغانية بدلاً من الوحدات الأميركية الموجودة في البلاد، في محاولة لتجنّب ضربات جوية انتقامية. ولا توجد بعد نحو ستة أسابيع من الصفقة التي تم التوصل إليها في الدوحة، أي إشارات على تراجع حدّة العنف بنسبة 80 في المئة التي يدّعي الأميركيون أن "طالبان" أكدت لهم أنها ستصل إليها.

وقال مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي في أثناء تعليقه على أعمال القتل في كل من المستشفى في كابول والجنازة في ننغارهار: "نلاحظ أن طالبان نفت مسؤوليتها عن الهجومين ودانتهما واصفةً إيّاهما بأنهما عملان بشعان". ودعا كلاً من الحركة والحكومة الأفغانية إلى التعاون من أجل تقديم الجناة إلى العدالة.

وتكمن الصعوبة - كما يتعين أن يعرف وزير الخارجية الأميركي - في تحميل المسؤولية عن هذه الهجمات ما بين الجماعات المتمرّدة، وفق عادة "تجهيل الفاعل"، وذلك من خلال تبادل التهم والمطالبات والمزاعم المضادة في شأن الجهة المذنبة، بين تلك الجماعات والحكومة الأفغانية.

وعلى الرغم من أن حركة "طالبان" نفت تورّطها في أعمال القتل التي وقعت في مستشفى حي داشتي بارشي، فإن الحكومة الأفغانية تقول إنها تحمّلها المسؤولية عنها بعد قيام الحركة بسيل من الهجمات. وكانت "طالبان" قد تبنّت المسؤولية عن تفجير غارديز، لكن أجهزة الاستخبارات الأفغانية تعتقد بأن الاعتداء كان من تدبير شبكة جلال الدين حقاني المتطرفة.

في هذا الوقت، عاقبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أفغانستان بقطع مساعدات عنها بقيمة مليار دولار، مع التهديد بوقف إعانات أخرى بقيمة مليار دولار في السنة المقبلة، وذلك على أثر فشل المتنافسَيْن أشرف غني وعبد الله عبد الله، اللّذين ادّعى كل منهما النصر في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في التوصّل إلى اتفاق سياسي.

وأمر غني القوات الأفغانية التي كانت في وضع "تأهب دفاعي"، بالعودة إلى الهجوم بعد تصاعد العنف. أما مستشار الأمن القومي الأفغاني حمد الله محب، الذي كانت توقعاته كبيرة في شأن تحقيق السلام في البلاد عندما التقيتُه في كابول قبل بضعة أشهر، فغرّد على "تويتر"، قائلاً: "إن السبب في السعي إلى  السلام، هو إنهاء هذا العنف الذي لا معنى له. هذا ليس سلاماً، ولا حتى بداية مساره".

وعلّقت "منظمة العفو الدولية" التي تدافع عن حقوق الإنسان على هجمات الثلاثاء بالقول إن "جرائم الحرب التي لا يقبلها عقل في أفغانستان والتي تستهدف اليوم مستشفى للتوليد وإحدى الجنازات، يجب أن تنبّه العالم إلى الفظائع التي لا يزال يواجهها المدنيون هناك. لا بد من أن تكون هناك مساءلة عن هذه الجرائم الخطيرة".

وجاء رد الرئيس الأميركي على سؤال وُجّه إليه في شأن قتل أطفال وأمهات شابات في أفغانستان كالآتي: "كنّا هناك لأعوام عدّة، حيث نقوم بعمل وحدات الشرطة. إنّنا لا نقاتل في أفغانستان، نحن قوة شرطة في تلك البلاد، وفي مرحلة ما يتعيّن على الأفغان أن يكونوا قادرين على تولّي زمام الأمور في بلادهم".

ويُتوقع أن يواصل الرئيس ترمب، مع اقتراب موعد الانتخابات الأميركية، تصوير اتفاق الدوحة مع حركة "طالبان" على أنه انتصار كبير حتى مع انهيار هذه الصفقة.

في تلك الأثناء، أسهم وقف المساعدات الأميركية لأفغانستان في تقويض البرامج المدنية والعسكرية لحكومة كابول، إضافةً إلى أنه يعيق بشكل كبير جهود مكافحة فيروس "كوفيد - 19"، وفق سيناريو يزداد سوءاً لجهة النقص في الطاقم الطبي والمعدات والأدوية. وكان قد أُعيد مستشفى للولادات حُوّل  إلى مركز لعلاج المصابين بالوباء إلى استخداماته السابقة بعد الهجوم على مستشفى التوليد في حي داشتي بارتشي.

ويبدو أن أفغانستان تتّجه نحو مرحلة سوداء غير واضحة المعالم، في وقت تواجه أحد الفيروسات الأكثر شدّةً وعنفاً وشراسة، في ظل غياب الكثير من الدعم لها من العالم الخارجي.

© The Independent

المزيد من آراء