Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخصوصية شرط لقبول الناس استخدام تطبيق تتبع كورونا

الحكومة محقة في تسخير التكنولوجيا للقضاء على الجائحة لكن يجب عليها الحصول على ثقة الشعب

عاملة في "خدمة الصحة الوطنية" تجرب تطبيق المتابعة و التحقق لرصد المصابين بفيروس كورونا في "آيل اوف وايت" Isle of Whight البريطانية (رويترز)  

قلب فيروس كورونا اقتصادنا ونمط حياتنا رأساً على عقب، وإذا لم نتصد للوباء، فسوف لن نواجه مجرد خطر وقوع ذروة أخرى للمرض فحسب، بل حدوث فترات عدة من ذروة الانتشار من شأنها القضاء على عشرات آلاف الأشخاص على امتداد فترة طويلة من الزمن.

وتملك التكنولوجيا القدرة على مساعدتنا في مكافحة الجائحة، إذ يساند الذكاء الاصطناعي عملية رصد عوارض المرض أو جمع البيانات الذكية التي تساعد هيئة "الخدمات الصحية الوطنية" (أن آتش أس) NHS على اتخاذ قرارات تتعلق بالإمدادات. إنّ الحكومة محقة في تسخير التكنولوجيا بهدف القضاء على الجائحة، لكن مقاربتها قد تقضي على الثقة الشعبية.

وهنا يأتي دور "بالانتير"Palantir، الشركة التي تُعتبر محطّ كثير من الجدل، وقد أسّسها الليبرالي اليميني بيتر ثايل  Peter Thiel (بروفيسور ومستثمر أميركي في التكنولوجيا). وتستخدم "إدارة الهجرة والجمارك" الأميركية السيئة السمعة أدوات "بالانتير" Palantir الرقمية من أجل تحديد هُوية الأفراد، وتقبض على مهاجرين غير شرعيين في أماكن عملهم ثم ترحّلهم، بالتالي فإنها تفرّق كثيرين عن عائلاتهم عنوةً.

وتصف جماعات حقوق المهاجرين في الولايات المتحدة سلوك "بالانتير" بأنه مساهمة في انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، الأمر الذي تنفيه "بالانتير". تلك هي الشركة التي أناطت بها الحكومة البريطانية أن تطوّر استجابتها بشأن فيروس كورونا، وشمل ذلك حصول الشركة على بيانات من مجموعة مراكز لـ"الخدمات الصحية الوطنية"، مع الحفاظ على سرية اسم المريض الذي تؤخذ بياناته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسوف تُسهم هوية الشركات التي عهدت إليها الحكومة البريطانية أمر تطوير استجابتها لفيروس كورونا ونقص الشفافية الأساسي حول البيانات التي تستخدمها، في إعطاء بعض المصداقية لمن يحيكون نظريات المؤامرة ومروجي البروباغندا الرسمية للدولة، وقد انتعش نشاطهم منذ حلول الجائحة.

ويحدث هذا في وقت تطلق فيه الحكومة تطبيق التتبع الذي صنعته لهيئة "أن آتش أس". كان من المطلوب اكتساب الثقة الشعبية في تطبيق الهيئة. إذ يتمثّل هدفه الأول في أن تحمّله النسبة الأكبر من السكان، وتستخدمه بكامل إرادتها. ويقدّر "معهد البيانات الكبيرة" في "جامعة أكسفورد" The University of Oxford’s Big Data Institute أنه يجب أن يحمّل 56 في المئة من السكان هذا التطبيق ويستخدموه، كي يكون فعّالاً. ولأنّ الهواتف الذكية ليست في متناول الجميع، يتوجّب على 80 في المئة من مستخدمي تلك الهواتف أن يحمّلوا التطبيق.

لكن الحكومة لا تجيب عن أسئلة أساسية حول الطريقة، التي سيستخدمها التطبيق من أجل الوصول إلى معلوماتنا الخاصة، ومن يستطيع الاطلاع على هذه المعلومات، وكيف ستُعالج بياناتنا. وكذلك أُخبِرَ البرلمان يوم الاثنين الماضي أنّ تقييم مخاطر حماية البيانات في التطبيق لم يحدث بعدُ، على الرغم من أنّ تاريخ إطلاق التطبيق (على سبيل التجربة) في جزيرة "آيل أوف وايت"، بات وشيكاً.

ومن دواعي القلق كذلك أنّ التطبيق طُوّر باستخدام نظام مركزيّ للغاية. إذ سيعمل تطبيق "أن آتش أس" NHS للتعقّب مع قاعدة بيانات مركزية بهدف تتبع مدى الاحتكاك بين الأشخاص. تعمل هذه التطبيقات في دول أخرى بالاعتماد على تخزين بيانات الاحتكاك بين الأشخاص (باستخدام تقنيات "بلوتوث" Bluetooth) على هاتف كل شخص بعينه. وكذلك لا تُستخدم هذه البيانات إلّا عند تشخيص إصابة أحدهم بفيروس كورونا، من أجل إخبار الباقين أنهم ربّما أصيبوا بالعدوى كذلك. في المقابل، تبني الحكومة البريطانية قاعدة بيانات ضخمة ومركزية تتضمّن معلومات عن الأشخاص الذين نحتك بهم أو نكون بقربهم، ومتى نفعل ذلك، من دون أن تقيّم المخاطر حتّى.

أرسل تحالف لمجموعات الدفاع عن حقّ الخصوصية كتاباً إلى الحكومة يسألها فيه كيف ستُعالج بياناتنا خلال الجائحة. إذ تتسم معلوماتنا نحن الرأي العام عن التطبيق، بفجوات مُقلقة. مثلاً، هل ستحتفظ "بالانتير" بتحليل المعلومات المتأتية من تطبيق الـ"أن آتش أس"، أو بالمعلومات التي استخلصتها من عقدها، بعد التوقف عن استخدام التطبيق؟ هل تستطيع "بالانتير" أن تستخدم البيانات التي جمعتها من التطبيق، وأن تضعها في خدمة مشروعات قواعد البيانات الضخمة التي تعمل عليها مثل "بالانتير غوثام" Palantir Gotham؟ كيف يمكن أن تستغلّ "بالانتير" المعلومات التي استخلصتها من قواعد بياناتها في خدمة عملائها المستقبليين؟

ولماذا، وفقاً للتقارير، تنفق "بالانتير" نحو 88 ألف جنيه إسترليني أسبوعياً على عقدها مع هيئة "أن آتش أس" بينما لا تطلب من الهيئة سوى جنيه واحد؟ ربّما، تعمل الشركة كمقاولين كثيرين، على مشروع حسّاس من ناحية الوقت، ولم يُطرح ضمن عطاءٍ بكل نيّة صافية، من أجل ضمان مشروعات وأعمال مستقبلية.

هذا أمر مشروع كلياً. وربّما تعتبر "بالانتير" البيانات التي ستجمعها من هذا العمل أثمن بكثير من التزامها الزمني المُكلف؟ إذ تشكّل البيانات قطاعاً مستقبلياً تُقدّر قيمته بترليون دولار.

ثمة خطر متمثّل في أن لّا يتفاعل الشعب مع تطبيق هيئة "أن آتش أس" سيعتمد مستقبل الهيئة علينا نحن المواطنين، وعلى مشاركتنا مزيداً من معلوماتنا، وتراكيب حمضنا النووي، وكذلك سلوكنا، من أجل تطوير علاجات ذكية للأمراض الموجودة والناشئة. ويحمل تشارك المعلومات منافع عمليّة ضخمة، ويرجّح أن يصبح أحد الطرق الرئيسة التي تساعدنا على فهم الأمراض.

وتتمتع "الخدمات الصحية الوطنية" NHS بمستويات عالية من الدعم الشعبي، لأنها ملك وطني ثمين. ويجب اعتبار معلوماتنا ملكاً وطنياً كذلك، ويجب استخدامها كملك وطني يُسخَّر لصالح الشعب. إذا كنا نستطيع توظيف قدرات الدولة في بناء مستشفيات جديدة على غرار "مستشفى نايتينغايل" التابع للهيئة "أن آتش أس" في غضون أسبوع ومكافحة جائحة، فلماذا نحتاج إلى شركات خاصّة من أجل بناء قواعد البيانات هذه وتطوير نماذج القدرات؟ إذا كان العلماء البريطانيون قادرين على رسم خريطة الجينوم البشري ووضعها بين أيدي البشرية جمعاء، فلا شكّ في أننا نستطيع العمل على هزيمة الجائحة بهذه الروح، أليس كذلك؟ إذا كان الفريق الرقمي التابع للحكومة قادراً على بناء قاعدة معلومات تتضمّن المعلومات الشخصية لستة ملايين موظّف مسرّحين مؤقتاً خلال أيام، لِمَ لا تستطيع الحكومة أن تتولّى مشروع قاعدة المعلومات المماثل من الناحية التقنية؟

أنا لا أحسد مات هانكوك المُكلٍّف تولّي أصعب وظيفة في بريطانيا حاليّاً. ولا أعتقد أن تصرّف الحكومة في ما يخصّ ارتباطها مع شركة "بالانتير" نابع من سوء نيّة. في المقابل، مع وجود هذا الكمّ من الأسئلة التي لا جواب لها، من المقلق أنّ يكون ممكناً تقويض الثقة الشعبية في مشروع منفصل متمثّل في تطبيق "أن آتش أس" لتتبع مرضى كورونا إلكترونياً، بسبب غياب الشفافية حول مشروع آخر.

وفي النهاية، ربما يؤدي تطبيق "أن آتش أس" NHS للتتبع هدفه تقديم برهان عن مدى الدعم الذي تقدّمه التكنولوجيا لهيئة "الخدمات الصحية الوطنية"، إلى تقويض ثقة الشعب بها كلياً، ما سيؤدي إلى خسائر في الأرواح على المدى البعيد.

© The Independent

المزيد من آراء