Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب العالمية الثانية أدخلت البشرية "عصر الجنون"

"ستالينغراد" و"العلمين" و"ميدواي" أبرز المعارك وإجمالي عدد الضحايا بلغ 70 مليون قتيل

كان مشهد توقيع الجنرال "فلدمارشال فيلهلم كايتل" وثيقة الاستسلام الكامل وغير المشروط لكل القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية للجيش الألماني لدول التحالف في الثامن من مايو (أيار) عام 1945، بمدينة ريمز الفرنسية، إيذاناً بنهاية عهد النازية، ودخول أوروبا المثخنة بالجراح، والمستنزفة الموارد مرحلة جديدة بعد 6 سنوات من حرب، طالت أغلب مناطق القارة العجوز ودول العالم.

بحسب التأريخ الرسمي للحرب العالمية الثانية التي انطلقت شرارتها الأولى بغزو ألمانيا للنمسا في مارس (آذار) 1938، ثم سرعان ما أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على الجيش النازي الآخذ في التوسع شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، قبل أن يدخلها الاتحاد السوفياتي السابق، ثم تنخرط بها الولايات المتحدة من أقصى غرب الكرة الأرضية، بعد الهجوم الياباني على أسطولها في المحيط الهادئ، حصدت أرواح ما بين 55 مليون ونحو 70 مليون شخص من العسكريين والمدنيين، وفق تقديرات مختلفة، وكلفت الاقتصادات في حينه بلايين الدولارات، بالإضافة إلى استعمال السلاح الذري للمرة الأولى في التاريخ الإنساني.

مع تعدد محطاتها المفصلية، التي غيرت معدلات القوة والقدرة لصالح دول المحور حيناً (ألمانيا وإيطاليا واليابان)، أو لصالح دول التحالف حيناً آخر (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي)، تحاول "اندبندنت عربية" التذكير بـ2194 يوماً من أيام الحرب، كانت فيها البشرية على حافة الدمار، مع التركيز على المحطات الرئيسة التي أبرزها إنزال "النورماندي"، ومعركة "العلمين"، أهم معارك الدبابات، و"ستالينغراد"، والقنبلتان الذريتان على "ناغازاكي" و"هيروشيما"، فضلا عما جنته البشرية من سنين الحرب.

 

لماذا اندلعت الحرب؟

وفقاً للباحثين، فإنه ورغم أن أسباب اندلاع الحرب وانطلاق شرارتها الأولى بدأت في شكلها الظاهر مع بداية "تحرش" ألمانيا النازية لجيرانها من الدول، واحتلالها لمناطق من أوروبا واعتداءاتها على بلدان عديدة، لكن المؤرخين يرجحون أنها كانت مجرد نتيجة أفرزتها الأسباب الموضوعية لنهاية الحرب العالمية الأولى في عام 1918. وأنها نتيجة طبيعية لتسويات ما بعدها التي غيرت رسم خريطة العالم، خصوصاً أوروبا.

ومن ضمن تلك الأسباب، كانت معاهدة فرساي فى عام 1919، التي تضمنت بنوداً عقابية لألمانيا خسرت بموجبها 12.5 في المئة من مساحتها و12 في المئة من سكانها، ونحو 15 في المئة من إنتاجها الزراعي و10 في المئة من صناعتها و74 في المئة من إنتاجها من خام الحديد. كما ألزمتها بدفع تعويضات كبيرة للحلفاء، وحدت من قدراتها وإمكاناتها العسكرية بنصها على ألا يزيد الجيش الألماني على مائة ألف جندي.

هذه الأوضاع التي أنتجتها الحرب العالمية الأولى، أشعل شرارتها ظهور النازية بألمانيا في يناير (كانون الثاني) 1933، والفاشية بإيطاليا في أكتوبر (تشرين الأول) 1922، وقيام حلف بينهما عرف بدول المحور، انضمت إليه اليابان بعد ذلك.

أوروبا تحت رحمة النازية

بحسب التأريخ الرسمي لموسوعة الحرب العالمية الثانية والموسوعة البريطانية، كان احتلال الزعيم النازي أدولف هتلر للنمسا في مارس (آذار) 1938، وكذلك تشيكوسلوفاكيا في العام التالي وبولندا في سبتمبر (أيلول) 1939، ثم تهديد إيطاليا بغزو ألبانيا، سبباً مباشراً في إعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على دول المحور. لكن حين اشتعلت الحرب في أوروبا كان الجيش الألماني متقدماً على جميع الجبهات الأوروبية، حيث احتل أغلب الدول ودخل باريس، إلا أن مهاجمته للاتحاد السوفياتي في يونيو (حزيران) 1941 جعلته يترك ظهره مكشوفاً للبريطانيين.

ووفق الأرشيفات المختلفة للدول المشاركة في الحرب، كانت بدايات الحرب على صعيد التحالف والعداوات يختلف كثيراً عما تلاه، فقبل غزو ألمانيا النازية لبولندا في الأول من سبتمبر (أيلول) 1939، كانت قد أمنت جانب الاتحاد السوفياتي المحايد، بواسطة الميثاق الألماني السوفياتي من أغسطس (آب) 1939 لعدم الاعتداء. فيما كان رد كل من بريطانيا وفرنسا هو إعلان الحرب على ألمانيا في الثالث من سبتمبر. وفي خلال شهر هُزمت بولندا بواسطة كل من القوات الألمانية والقوات السوفياتية وقسمت بين ألمانيا النازية والاتحاد السوفياتي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد فترة من الهدوء التي تلت هزيمة بولندا، بدأت ألمانيا في تكثيف توسعاتها، ففي التاسع من أبريل (نيسان) 1940 قامت القوات الألمانية بغزو كل من النرويج والدانمارك. وفي العاشر من مايو (أيار) 1940 بدأت ألمانيا هجومها على أوروبا الغربية فقامت بغزو الدول المنخفضة، هولندا وبلجيكا ولكسمبورغ، التي كانت على الحياد مثل فرنسا. ثم وقعت فرنسا في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) 1940 هدنة مع ألمانيا، مما أدى إلى احتلال ألمانيا النصف الشمالي من البلاد، وأتاح لها إقامة نظام متعاون معها في جنوب البلاد مقره "فيشي".

وفي يونيو 1940 أيضاً قام الاتحاد السوفياتي بتشجيع من ألمانيا باحتلال دول البلطيق وضمها إلى أراضيه في أغسطس 1940 بالتزامن مع انضمام إيطاليا، كإحدى دول المحور إلى الحرب في العاشر من يونيو 1940. وقد شنت القوات النازية حرباً جوية على بريطانيا في الفترة من 10 يوليو (تموز) إلى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 1940 عرفت بمعركة بريطانيا.

ورغم اتساع دائرة الأطراف المتصارعة في القارة الأوروبية، فإن الولايات المتحدة لم تكن تدخل الحرب في البداية برغم فرضها حظراً بترولياً على اليابان ومنعها تصدير الحديد إليها، إلا أنه وفي السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1941 هاجمت القوات اليابانية الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ بميناء بيرل هاربر بجزر هاواي، فدخلت الولايات المتحدة الحرب ضد دول المحور.

وكانت الولايات المتحدة اعتمدت في عشرينيات القرن التاسع عشر الميلادي ما عرف بـ"مبدأ مونرو" أو مبدأ الحياد، وهو إعلان أطلقه الرئيس الأميركي جيمس مونرو سنة 1823، نص على ضرورة عدم مد الدول الأوروبية نفوذها الاستعماري نحو أميركا، والتزام الولايات المتحدة من جانبها بعدم التدخل في المشكلات أو العلاقات الأوروبية.

لحظات غيرت مسار الحرب

رغم زخم السنوات الست، هي عمر الحرب العالمية الثانية بالأحداث، فإن هناك عدداً من المحطات الأساسية التي شهدتها مسار العمليات والمعارك وفق رصد "اندبندنت عربية"، وهي أن أغلب المصادر التاريخية والأرشيفات الوطنية توافقت بشأنها لما كان لها من أثر في مسارها ونتائجها ومنها، معارك ستالينغراد (أكثر المعارك دموية في التاريخ)، وميدواي، والعلمين (أكبر معركة للدبابات في التاريخ)، وإنزال النورماندي (يونيو 1944 وبداية نهاية الجيش النازي)، وإلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي باليابان.

ففي معركة ستالينغراد خلال الحملة العسكرية الألمانية على الاتحاد السوفياتي، التي استمرت نحو ستة أشهر بين أغسطس 1942 وفبراير 1943، اعتبرها المؤرخون إحدى أهم المعارك الكبرى الفاصلة في الحرب العالمية الثانية.

وجرت المعركة في مدينة ستالينغراد، تلك المدينة التي عرفت فيما بعد بـ"فولغوغراد"، حيث هاجمت ألمانيا المدينة بسلاح الجو ثم دخلتها بعد أن حولتها إلى أنقاض، فاحتدم القتال داخلها بشكل عنيف مع الجيش الأحمر (الجيش السوفياتي)، وتمكن الألمان من إخضاع أغلب مناطق المدينة، لكنهم فشلوا في كسر آخر الخطوط الدفاعية للجيش الأحمر بالضفة الغربية لنهر الفولغا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1942، شن الجيش السوفياتي هجومين متزامنين وتمكن من محاصرة وتطويق حوالي 250 ألفا من القوات الألمانية، وفي ظل عجز الألمان عن توفير التموين لجنودهم انهارت قواتهم واستسلم القائد فريدريك باولوس في 2 فبراير 1943 ومعه أغلب قوات الجيش السادس.

وفق الموسوعة البريطانية، بلغت الخسائر البشرية في المعركة حوالي مليون شخص، مما جعلها إحدى أكثر المعارك دموية في تاريخ الحروب.

ومن القلب الأوروبي إلى أقصى الشرق، وتحديدا في يونيو 1942، حيث معركة ميدواي بعد ستة أشهر من الهجوم الياباني على الأسطول الأميركي في "بيرل هاربور"، الذي أودى بحياة أكثر من 2300 جندي أميركي (في السابع من شهر ديسمبر 1941، وهو التاريخ الرسمي لدخول اليابان الحرب).

في هذه المعركة "ميدواي"، التي قال عنها المؤرخ العسكري جون كيغان "الضربة الأكثر روعة وحسماً في تاريخ الحروب البحرية وبداية النهاية للجيش الإمبراطوري الياباني"، تمكنت القوات البحرية الأميركية من صد هجوم قوات البحرية الإمبراطورية اليابانية على جزيرة "ميدواي"، التابعة لهاواي وتبعد نحو 2100 كم عن أواهو، وإلحاق الضرر بالأسطول الياباني.

ومن خلال حرب فك الشفرات في تلك المعركة، وتمكن الأميركيين من رصد كافة المعلومات اليابانية، تمكنت القوات الأميركية من تدمير 4 حاملات طائرات يابانية إضافة إلى عدد من السفن الأخرى، ونحو 250 طائرة عسكرية مقابل خسارتهم لحاملة طائرات واحدة وقرابة 150 طائرة، وبناء على ذلك خسرت اليابان جزءاً مهماً من قوتها البحرية لتتخذ الحرب عقب ذلك منحى جديداً تميّز ببداية تراجع القوات اليابانية بالمحيط الهادئ.

 

 

وبين الشرق والغرب، برز دور الشمال الأفريقي وتحديداً في منطقة العلمين المصرية (90 كم غرب مدينة الإسكندرية شمال غرب)، في تاريخ تلك الحرب العالمية، بأكبر معركة للدبابات في التاريخ، وأحد أكثر المعارك قسوة على الإطلاق، فضلاً عن أول نصر للحلفاء في مسار الحرب.

ففي نوفمبر 1942 اندلعت معركة العلمين بين القوات الألمانية والإيطالية بقيادة إرفين رومل، والقوات البريطانية بقيادة برنارد مونتغمري، وصنفها المؤرخون من أهم معارك الدبابات على مدار التاريخ، فبعد انتصار القوات الألمانية في معارك الصحراء استطاعت القوات البريطانية هزيمة قوات المحور في هذه المعركة وطردها، وهُزم القائد الألماني الأكثر شهرة رومل فبدأت هزيمة دول المحور تلوح في الأفق.

وباعتبارها أول نصر حقيقي للحلفاء ضد قوات المحور، عكست نتائج المعركة تداعيات سلبية على الجيش النازي، بعد أن أسر 31 ألف جندي ألماني، وتمكنوا من القضاء نهائياً على قيادة أفريقيا في الجيش الألماني، وأجهضوا بذلك أحلام هتلر في السيطرة على قناة السويس وبترول الشرق الأوسط. وفضلا عن أهميته الاستراتيجية تلك، فإن الانتصار في العلمين مهد الطريق لغزو إيطاليا والقضاء على نظام بينيتو موسوليني المتحالف مع هتلر، مما شكل بارقة أمل في إمكانية هزيمة ألمانيا، وصنع تحولاً حاسماً أثر بشكل بالغ في مآلات الحرب.

وبحسب ما كتبه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل في وصفه أهمية هذا الانتصار "إن معركة العلمين تشكل نقطة تحول في التراث العسكري البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية؛ فقبل العلمين كنا نصارع للبقاء. أما بعدها أصبحنا ننتصر".

ومن العلمين إلى شمال فرنسا حيث شواطئ النورماندي والإنزال العسكري الأشهر في التاريخ، وبداية نهاية القوات النازية واستعادة الأراضي الأوروبية، وإقامة رأس جسر في الغرب الفرنسي وتمهيد الطريق لتحرير فرنسا وبلجيكا وهولندا، ثم مواصلة الزحف إلى برلين.

ففي السادس من يونيو 1944 قامت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال الأميركي دوايت آيزنهاور بإنزال عسكري في شمال فرنسا على شاطئ النورماندي، وأُنزِلَ أكثر من مائتي ألف جندي، أغلبهم من الأميركيين والبقية من بريطانيا وكندا وفرنسا. في أكبر إنزال عسكري في القرن العشرين، تمكن من تحرير المنطقة من الجيش الألماني.

بدأ الهجوم الذي سُمي "عملية القائد الأعلى" عند الساعة صفر ليلة السادس من يونيو متأخراً عن موعده الأصلي بيوم بسبب سوء الأحوال الجوية. وأُلقي 156 ألفاً من المظليين على شواطئ الإنزال الستة في إطار المرحلة الأولى من الهجوم التي أُطلق عليها "نبتونْ". وبعدها دخل المظليون في اشتباكات مباشرة مع القوات الألمانية التي فاجأها مكان الهجوم، إذ كانت تقديرات القيادة الألمانية تحسب أنه سيقع شمالاً في منطقة "كالي"، ومع ذلك دارت مواجهات عنيفة. وتُفيد التقديرات بأنه سقط في تلك الليلة وحدها 10 آلاف من قوات الحلفاء بين قتيل وجريح وأسير ومختف، و10500 من القوات الألمانية.

وعند الساعة الرابعة من فجر اليوم ذاته وصلت طلائع القوات المنقولة بحراً، وبدأ الإنزال البحري وسط اشتباكات دامية دار أشهرها على شاطئ "أوماها بيتش"، وقُتل فيه أكثر من 2500 جندي أميركي خلال الساعات الأولى، مع العلم بأن الأميركيين خسروا 6 آلاف جندي في اليوم الأول، وهي أفدح خسارة بشرية للحلفاء.

انتهى اليوم الأول من عملية النورماندي بإنزال الحلفاء أكثر من 150 ألف عسكري على الشواطئ الفرنسية، وهو ما اعتبر نجاحاً عسكرياً باهراً للعملية. وفي الأيام التالية تسارعت وتيرة وصول القوات من بريطانيا، وكان الهدف المرسوم هو إنزال مليوني جندي و350 ألف طن من المعدات والأسلحة والذخائر والمؤن، وهو ما تطلب إقامة ميناء مصنع أطلق عليه اسم "وينستون"، نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل.

في المقابل، وتحديداً في 22 يونيو 1944 حطمت القوات السوفياتية مركز القوات الألمانية شرق روسيا البيضاء. وعبروا غرباً نهر فيستولا عابرين وارسو في الأول من أغسطس 1944. وفي بداية الشهر ذاته وباحتلالها لشرق باسارابيا الرومانية ظهرت القوات السوفياتية بنهر بروت وهاجمت عمق رومانيا متسببة في استسلامها في 23 أغسطس. واستسلمت بلغاريا في 8 سبتمبر 1944. أجبرت هذه التطورات الألمان على إخلاء اليونان وألبانيا وجنوب يوغسلافيا.

وبعد الهزائم التي تعرض لها الألمان في هذه المعركة دخل الحلفاء ألمانيا في ديسمبر 1944، وأعدم الثوار الإيطاليون الزعيم الفاشي بينيتو موسوليني في 28 أبريل 1945، وعلقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة بميلانو، وبعدها بيومين انتحر أدولف هتلر يوم 30 أبريل 1945 فاستسلمت ألمانيا.

 

 

"هيروشيما وناغازاكي" ضحايا القنبلة الذرية

رغم استسلام ألمانيا بقي اليابانيون يقاومون، ولم تتوقف الحرب بشكل نهائي إلا بعد قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين ذريتين شكلتا أول استخدام للقنابل الذرية في التاريخ. حيث ألقيت الأولى "الولد الصغير" على مدينة هيروشيما في 6 أغسطس 1945، وكانت قنبلة يورانيوم تزن أكثر من 4.5 طن، وأخطأت الهدف قليلاً وسقطت على بعد 800 قدم منه. وبعد دقيقة واحدة من إسقاطها فقد 66 ألف شخص أرواحهم، وأصيب 69 ألفاً.

وأدى انفجار القنبلة الذرية إلى رفع الحرارة على سطح الأرض بهيروشيما إلى أربعة آلاف درجة مئوية؛ مما أسفر عن مقتل 140 ألف شخص، قسم منهم على الفور، والقسم الآخر خلال الأسابيع اللاحقة، متأثرين بالجروح والأمراض الناتجة عن تعرضهم للإشعاعات.

وبعد 3 أيام من القنبلة الأولى، ألقيت الثانية "الرجل البدين" على مدينة ناغازاكي في 9 أغسطس 1945، وكانت قنبلة بلوتونيوم، أسقطت وسط ناغازاكي، وفي لحظة واحدة قُتل 39 ألفاً، وأصيب 25 ألفاً من سكان المدينة ووصل إجمالي الضحايا في الأسابيع التالي إلى 74 ألف شخص. وإثر ذلك وقّعت اليابان وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط يوم 2 سبتمبر 1945، وبعدها بثلاثة أيام رفع العلم الأميركي فوق طوكيو.

ماذا جنت البشرية؟

"في 8 مايو 1945، يوم النصر، بدأت أوروبا المثخنة بالجراح والمستنزفة الموارد تقف على قدميها وتشعر بارتياح عقب ست سنوات من الطغيان والمجازر"، هكذا كتب فرانسوا بونيون، في المجلة الدولية للصليب الأحمر. لكن في الجانب الآخر، لم يكن قد حسب بعد حجم التداعيات والخسائر التي جنتها البشرية جراء تلك الحرب المدمرة، إذ إن غبار الحرب لم يهدأ بعد. وكتب أستاذ التاريخ يوهانس هورتر من معهد التاريخ المعاصر في ميونخ، إن "الملايين ممن فقدوا بيوتهم بسبب الدمار الذي لحق بأوروبا ظلوا هائمين على وجوههم، بينهم المشردون وعمال السخرة وأسرى الحرب واللاجئون والمعتقلون السابقون في معسكرات الإبادة والاعتقال"، مضيفاً أن "عواطف عدة كانت تسود تلك الفترة، ما بين الشعور بالتحرر إلى الشعور بالخوف".

وبعد ست سنوات من القتال الشرس انتهت الحرب العالمية الثانية وخسرت فيها البشرية ما بين (55  و70 مليون شخص أكثر من نصفهم مدنيون)، وفق تقديرات متباينة، أي ما يعادل أكثر من 2 في المئة من سكان العالم في ذلك الوقت، بالإضافة إلى عشرات الملايين من الجرحى والمشوهين، وقد كان كل من الاتحاد السوفياتي وبولندا وألمانيا من أكثر البلدان الأوروبية تضرراً من ويلات تلك الحرب.

ووفق بعض الإحصاءات الوطنية، التي نقلتها موسوعة الهولوكوست، فقد خسرت الولايات المتحدة 292.129 قتيلاً و139.709 مفقودين. وفقدت ألمانيا 2.049.872 قتيلاً و1,902,704 مفقودين. وفقدت الصين 1,324,516 قتيلا و115,248 مفقوداً. وفقدت اليابان 1,506,000 قتيل و810,000 مفقود. وفقدت بريطانيا 397,762 قتيلا و90,188 مفقوداً. فما كانت أكبر الخسائر البشرية في الاتحاد السوفياتي، بعدد ضحايا تجاوز 14 مليون شخص واحتلت بولندا صدارة الدول الأوروبية في حصيلة الضحايا بأكثر من 6 ملايين قتيل، ما يعادل حينها نحو 17 في المئة من عدد السكان.

وعن حجم الخسائر، كتب أستاذ الاقتصاد السويدي كارل غونار سيلفرستولبه في عام 1947 الذي عدد الخسائر المادية لجميع البلدان المشاركة في الحرب لتتراوح بين 100 و200 مليار دولار (ومن ضمنها ألمانيا واليابان). ويُعد ذلك في ذلك الوقت رقماً لا يمكن تصوره. فيما وضعا اثنان من المؤرخين الألمان حسابات تبين أن خسائر الحرب التي تسببت فيها ألمانيا تصل حسب القيمة الحالية إلى 7.5 بليون يورو. فيما قدر حجم الإنفاق بتريليونات الدولارت، وقدر الإنفاق الأميركي وحده بنحو 4.104 تريليونات دولار، وهو يعادل أكثر من 12 ضعفاً لما أنفقته أميركا في الحرب العالمية الأولى.

ومن بين ما جنته البشرية كذلك، أن استخدام الولايات المتحدة القنبلة الذرية في الحرب لإرغام اليابان على الاستسلام فتح باب التسابق المحموم لامتلاك أسلحة الدمار الشامل. هذا فضلاً عن تشكيل خريطة القوى الدولية الجديدة بعد الحرب وبروز الولايات المتحدة الأميركية فاعلاً رئيسا في النظام الدولي الجديد، وإنشاء هيئة الأمم المتحدة، كأحد النتائج على المستوى السياسي.

وحاولت أميركا من خلال الأمم المتحدة، مواجهة القوى الأوروبية الصاعدة التي يمتد نفوذها وراء البحار (بريطانيا وفرنسا تحديداً) والاتحاد السوفياتي الذي أخذ نفوذه يتسع. ولتقليص الدور الأوروبي، شجعت الولايات المتحدة حق تقرير المصير للمستعمرات، كما أسهم مشروع مارشال، الذي وضعته لإعادة بناء أوروبا المدمرة في إبقاء هذه الدول مدينة للولايات المتحدة، إضافة إلى إسهامه في إشراك النفوذ الأميركي في صياغة النظم السياسية والتأثيرات الحربية المباشرة في أوروبا.

وتُعتبر الحرب العالمية الثانية الأكبر بالخسائر والأعلى بالتكاليف في تاريخ الحروب. ورغم عقود على نهايتها لا تزال ألمانيا تجد نفسها إلى يومنا هذا في مواجهة مطالب بدفع تعويضات للضحايا.