Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تصحيح العقيدة بداية التحرير

التاريخ يُثبت دوماً أن إرادة الشعوب تنتصر في كل صراع يجري على أراضيها

من أكثر المواجهات الحساسة والخطيرة هي مواجهة العقائد الروحية المنحرفة (أ.ف.ب)

على أبواب الشهر السابع من ثورة تشرين الشبابية، واستمرارها بتقديم التضحيات الجسام بالأرواح والأنفس تحت شعار "نُريد وطناً"، ومع إنها امتداد طبيعي للإرادة العراقية التي جابهت قوات الاحتلال الأميركي، ومناهضتها المتواصلة ضد الهيمنة الإيرانية، إلا أن تصحيح العقيدة الروحية بتحرير العقل من خرافات وأباطيل رجال الدين، لا تقل شأناً من تحرير الوطن من الدخلاء والعملاء، إذ لولا وجود المرجعية الدينية غير العراقية لما تمكنت أحزاب وحركات سياسية متسترة بعباءة دينية فضفاضة من مواصلة بسط سيطرتها على الواقع السياسي والاجتماعي، وما نتج منها من تأخر وتدهور فظيع في المجالات والميادين الاقتصادية والتجارية والخدمية والعلمية والثقافية الخ.

عندما تجد الشباب الثائر يزمجر بصدور عارية ضد رصاص القوات الأمنية والفصائل الولائية وقنابلها، بصورٍ يُسطّرها لهم التاريخ، بأنهم لم يهابوا الموت قط، وعندما تشاهد بعضهم عبر تسجيلات ينشرونها على شبكات التواصل الاجتماعي، تجدهم يتلفّظون لا إرادياً بمفردات تعكس مدى التجذر المنحرف للعقيدة الروحية، التي زرع بذرتها مراجع دينية غالبيتها فارسية الأصل. فعلى سبيل المثال لا الحصر، القَسَمّ بغير الله تعالى، إيماناً منهم بمبدأ التقرب والشفاعة عند الله جلّ في علاه، لكنه إشراك العبد بالمعبود، وهو انحراف واضح عن العقيدة الروحية الصحيحة.

وهذا يعني أن الطبقة الدينية المعشعشة على مثل هذه الانحرافات في العقيدة الإسلامية الحقة، تجدهم في باطنهم مطمئنين إلى أن لا خوف على مستقبلهم من هدير الثورة الصاخب ضد الأحزاب الدينية السياسية، التي بلغت نيرانها أن أشعلت "البيت الشيعي" الذي تخندقت وتشدقت فيه.

بلا ريب، من أكثر المواجهات الحساسة والخطيرة هي مواجهة العقائد الروحية المنحرفة، إذ يعتقد الذين توارثوها عبر أجيال من الزمن، حتى صارت جزءاً رئيساً من التكوين الشخصي والنفسي والاجتماعي، الذي جُبلوا عليه، أن يعدّوا الانقلاب عليها تمس قضية مصيرية، لذلك لا أحد يجرؤ على طرحها والنقاش فيها، اللهم إلا نفر قليل من الذين حرروا عقولهم من خزعبلات رجال الدين، وبما أنهم أفراد معدودون، لذلك لم يشكّلوا تأثيراً كبيراً في محيطهم، وإن مشكلة تصحيح العقيدة ستبقى معضلتها قائمة ومستمرة.

في خضم حركة الإصلاح والتجديد الديني، استناداً إلى الحديث النبوي الشريف "جددوا إيمانكم"، التي تزعمها جمال الدين الأفغاني (1838- 1897) ومحمد عبده (1849-1905)، وخلال السجال في شأن إدخال الثاني مادة الجغرافيا في التدريس، وكان مجلس إدارة الأزهر معارضاً، سأل الشيخ محمد البحيري عبده، "ألم تتعلم أنت في الأزهر؟"، فكان جواب عبده بالآتي:

"إن كان لي حظ من العلم الصحيح، الذي تذكر، فإنني لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغي ما علق فيه من وساخة الأزهر، وهو إلى الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة".

وكذلك حركة الإصلاح الديني في أوروبا، التي قادها الراهب مارتن لوثر (1483-1546) ضد تعاليم الكنيسة في "صكوك الغفران" وغيرها، وفي 1517 نشر رسالته الشهيرة، التي ترتكز على التحرير من التسلط الديني المتمثل بمنصب البابا في روما، ولقد ساهمت هذه الحركة في تفعيل عصر النهضة العلمية والفكرية التي نقلت أوروبا إلى عالم جديد، ما زالت تمتاز به حتى اليوم.

وفي نظرة إلى تاريخ الحوزة العلمية في النجف، فمنذ تأسيسها في القرن الخامس الهجري، وتسلط المراجع الفارسية عليها، بدءاً من أبو جعفر محمد الطوسي (توفي 460 هـ)، وصولاً إلى علي السيستاني، لم تشهد تجديداً حقيقياً يواكب المعطيات والمتغيرات، إلا بما يلائم أهداف المرجعية من مصالحها الخاصة، ومنها كسب أموال الخُمس من غير سجلات حسابية أو دائرة رقابية، والميل نحو إيران والابتعاد عن العرب، وعدم السعي إلى التقارب بين المذاهب والأديان.

وفي نظرة فاحصة إلى مواقف السيستاني بعد الغزو الأميركي العراق في 2003، قدّمَ الجهاد السلمي وأخّرَ الجهاد المسلح، وبذلك عطّلَ عزيمة الملايين على القتال ضد قوات المحتل، ثم قوله بمنح المحتل الأميركي سنتين ليرى نتائجه، ودعمه العملية السياسية من خلال تأييده الأحزاب السياسية الدينية الموالية لإيران، وصمته تجاه سلسلة الجرائم الشنيعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأميركي، واستمرار صمته لمجازر وانتهاكات الحشد الشعبي، الذي تشكل وفقاً لفتواه "الجهاد الكفائي" في 2014، وردود أفعاله الباهتة والمتوارية منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2019، تجاه سيل الدماء التي ينزفها الشباب على أيدي فصائل مدعومة من إيران، وقوات حكومية عناصرها من الدمج الموالية لإيران أيضاً.  

في الحقيقة، يطول الحديث عن مواقف السيستاني تجاه الواقع العراقي بعد الاحتلالين الأميركي والإيراني. وما وصل إليه الوضع العام في العراق جراء مواقف مراجع النجف غير العراقية، إذ إن أصل علي السيستاني إيراني من سيستان، ومحمد سعيد الحكيم إيراني أيضاً من أصفهان، وبشير حسين النجفي هندي من البنجاب، ومحمد إسحاق الفياض أفغاني من هزارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لذلك، لا غرابة أن يكتب المرجع العراقي العربي السيد حسن الموسوي على حسابه في موقع "تويتر"، في 27 من الشهر الحالي، أن "المذهب الشيعي آيل للسقوط برمته، لأنه لا يمثل مذهب أهل البيت (سلام الله عليهم)، لأن أغلب الموروث الروائي موضوع وسبب ذلك المجوس وشاكلتهم، لذا وجب علينا أن نعيد بناء المذهب وفق أصله الصحيح، وهو مذهب الإمام الصادق".

وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا الوضع لا يمنعنا من استخدام التحليل العقلي والاستنتاج المنطقي بفحص وتقييم مواقف أي مرجع ديني أو سياسي أو اجتماعي، لكي نتمكن من تحديد صورة إيجابية أو سلبية عن تلك المراجع التي تتحمل مسؤولية دينية وأخلاقية وقانونية تجاه الله والشعب والوطن.

من هنا، أدعو الشباب الثائر إلى أن يشمل وعيهم وإدراكهم في تحرير الوطن من براثن الأذرع الإيرانية، أن يكونوا على هذه القوة والشجاعة بتحرير عقولهم من القبضة الدينية. فالعقل هو المعول في هدم أحابيلهم وأباطيلهم، وهو أداة ترسيخ الهوية الوطنية ومدى صلتها الجذرية بالعروبة والإسلام بشكلها الصحيح والسليم. إن تصحيح العقيدة الروحية يتطلب تفعيل العقل في المسائل والقضايا الدينية والدنيوية على حدٍ سواء. فمن العدل الإلهي في الثواب والعقاب أن يهب الله تعالى إلى مخلوقه الإنسان، عقلاً للتفكير، وإرادة للتنفيذ، وحرية للاختيار. لذلك، نقلل من شأن ما خلق الله فينا، إن غيبنا عقولنا وإرادتنا وحريتنا والخضوع إلى رجال دين يجحفون أتباعهم من ممارسة الحق الإلهي باستخدام العقل تجاه أي قول أو فتوى أو رواية تناقض العقل وتعطل الإرادة وتقيد حرية الاختيار.

إن منطق التاريخ وحقائقه يُثبت دوماً أن إرادة الشعوب الأصيلة تنتصر في كل صراع يجري على أراضيها، وفي تاريخ العراق أدلة ساطعة كثيرة، وفي وقتنا الحالي من سنوات المقاومة المسلحة إلى شهور الشباب الثائر، ما يؤكد أن العراق ماضٍ نحو التحرير، لكن تحرير الوطن يكتمل بتحرير العقل في مسار تصحيح العقيدة الروحية، التي تقطع دابر العمائم والأحزاب الدينية السياسية من تدليسها وأغاليطها على التاريخ والشعب والوطن.

المزيد من آراء