Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"راديو كارنتينا" مبادرة شبابية لبنانية لكسر عزلة كورونا

لطالما احتل "الترانزيستور" الصدارة في المقاهي والمنازل وجمع حوله الناس

مبادرة إذاعية شبابية لبنانية بمشاركة عربية ودولية (مواقع التواصل)

لطالما رافق الراديو اللبنانيين في عزلتهم، قبل ظهور الهاتف المحمول وشبكة الإنترنت والقنوات الفضائية. كاد الراديو أن يكون الآلة الأساسية في تجهيزات بيوتهم خلال الحرب الأهلية المديدة، فمنه يعرفون أخبار المعارك وجغرافيتها، ومن خلال نشراته يعرفون الطرق السالكة والطرق المقفلة، فيحددون وجهتهم وكيفية تنقلاتهم. وكان الراديو صديقهم في عزلتهم داخل الملاجئ الضيقة والمعتمة، فهناك يستمعون إلى نشرات الأخبار، وإلى الأغاني التي تكسر حدة العزلة التي قد تطول وتقصر بحسب مدة المعركة المشتعلة في الخارج. كان الراديو وسيلة الاتصال الأولى للبنانيي الحرب المعزولين، بالخارج المفتوح على الحروب المشتعلة على المحاور. وصار مذيعوه نجوماً، يعرف المواطنون أصواتهم عن ظهر قلب، ويتبادلون الحديث عنهم وكأنهم أصدقاؤهم الذين يعرفونهم شخصياً.

كاسر العزلة

قبل ذلك، كان الراديو وسيلة كل الشعوب العربية للاستماع إلى خطابات الرئيس المصري جمال عبد الناصر والاستمتاع بأغاني أم كلثوم، التي كانت تُذاع أسبوعياً. لذا تحوّل الراديو إلى آلة يجتمع حولها الجميع في القرى والمدن، وداخل الأحياء، وفي المقاهي، بل بات الراديو "الترانسزتور" جزءًا من المقهى، وهو سبب ارتياد المقهى، لا المقهى بحدّ ذاته. وباتت أم كلثوم "كوكب الشرق" بسبب الراديو، وجمال عبد الناصر ما كان ليصبح "زعيم" الأمة العربية "الواحدة" لولا الراديو. وهو سبب الهزيمة في حرب الـ67 بعد تصديق الشعوب العربية اقتراب النصر بسبب بيانات أحمد سعيد النارية التي كانت تعلن الانتصار تلو الانتصار للجيوش العربية في تلك الحرب، قبل أن ينفرج الضباب عن هزيمة كارثية، سُمّيت بـ"النكسة"، التي كان لها الأثر الكبير في تحديد مصير المعارك مع إسرائيل، وفي نفوس العرب جميعاً.
كان الراديو كاسر العزلة وناشر الأخبار وعبره يُبث "البيان رقم واحد" بعد الانقلابات الكثيرة التي حدثت في التاريخ المعاصر للدول العربية، وآلة الموسيقى أبرزت نجوماً من "إذاعة القاهرة" و"إذاعة بيروت" والـ "بي بي سي".
كان الراديو الوسيلة الأهم لكسر العزلات الفردية داخل البيوت في ما مضى، وعزلات القرى البعيدة من المركز في الدول العربية، وبسبب تفرّده بالتغطية الإعلامية الواسعة، بغياب أجهزة التلفزيون التي كانت نادرة في ذلك الزمان، ومركزية الصحف ونخبويتها، تمكّن الراديو أن يكون وسيلة للتعبئة والتحريض من جهة ووسيلة للتسلية والترفيه المتفرّدة من ناحية أخرى.


يوم عالمي للراديو

بعد انتشار التلفزيون واحتلاله مكان الراديو في وسط الغرف في البيوت، ومن ثم بعد انتشار الفضائيات والبرامج المنقولة عبر الأقمار الصناعية، وبعدها انطلاق "ثورة الإنترنت" وظهور وسائل التواصل الإجتماعي، ساد اعتقاد بأنّ الراديو بات من الماضي، وأنّه أصبح في أسفل لائحة وسائل الإعلام والترفيه. لكن هذا الاعتقاد لم يكن صحيحاً بحسب الإحصاءات، إذ تبيّن أنه في العام الماضي، كان مستمعو البرامج عبر الراديو أكثر عدداً من مشاهدي التلفزيون ومستخدمي الإنترنت في العالم العربي، أوّلاً في السيارات حيث لا يستغني السائق عن صوت الراديو فيها، ثانياً في القرى والبلدات البعيدة من المركز في الدول العربية، حيث ما زال سكان هذه القرى يستمعون عبر أثير إذاعات الراديو إلى ما يجري في العالم خلال قيامهم بأعمالهم، سواء داخل المنازل أو في الأراضي الزراعية أو في مهنهم الحرة. والسبب هو أنه يمكن الاستماع إلى الراديو، بينما تقوم بعمل آخر، فيما لا يمكنك ذلك أثناء مشاهدة التلفزيون أو العمل بواسطة شبكة الإنترنت.

ومن الأسباب التي دفعت الأمم المتحدة إلى إعلان يوم عالمي للراديو في 13 فبراير (شباط) من كل عام، هو أن طبيعة الراديو ذاتها أحد العوامل التي هيّأت له عناصر البقاء حتى الآن، وستكفل له العمر المديد في المستقبل. لأنه وسيط يمنح حرية التخيّل والتصوّر للمستمع، الذي يشكّل في مخيّلته صورةً للمذيع أو المذيعة كما يحلو له. ويترك الراديو للمستمع حرية رسم صورة للأحداث بكامل حريته، وهذا ما يفتقده مشاهدو التلفزيون الذين تصلهم الصور جاهزة، فتمنع عنهم حرية التخيّل وتصيب قدرتهم على الخيال بالكسل. فالراديو هو أداة موجّهة إلى الأذن فالدماغ، بينما التلفزيون وإعلام الإنترنت يتوجّهان إلى العين والأذن ثم الدماغ، فيكون المتلقي في حالة الراديو مساهماً في صناعة المشاهد والصور، بينما متلقي صور التلفزيون والمشاهد الجاهزة يصير كالمُنَوَّم تنويماً مغناطيسياً، كما يصف عالم الاجتماع إريك فروم "بشر الكنبة والتلفزيون" الذين يُصابون "بالتشيّؤ"، أي يصبحون كالكنبة التي لا يتزحزحون عنها أمام الشاشة التي تتمكّن برامجها من تسييرهم على هوى إرادة الكارتيلات الإعلانية والإعلامية.
 

‎أسمهان - ليالي الأنس في فيينا Asmahan - special request from @celinatique in Paris, to Vienna, Cairo, Beirut and the...

Posted by ‎Radio Karantina راديو كرنتينا‎ on Tuesday, 31 March 2020

"راديو كارنتينا"

الحجر الصحي في زمن تفشّي كورونا، أدّى إلى العودة إلى أزمنة العزلة المنزلية. وهذه العزلة لم تطل قرية أو مدينة أو بلداً بعينه، بل شعوب العالم كله تقريباً، وهي عزلة منزلية، أي بين الجدران وفي الغرف. هكذا، فكّرت مجموعة شبان بالعودة إلى الراديو، مستفيدين من شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وعبر القنوات الموسيقية المنتشرة على الإنترنت. فالراديو يمكنه أن يستعيد دوره عبر شبكة الإنترنت كما فعلت الصحف والتلفزيونات والسينما التي باتت أكثر انتشاراً بواسطة الشبكة العنكبوتية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انطلقت الفكرة من لبنان عندما بدأ التداول بفكرة فرض حجر صحي إجباري على اللبنانيين. وفكّر الفنان، هاوي جمع الموسيقى، الشاب اللبناني نصري الصايغ، في إنشاء محطة إذاعية "إنترنتيّة" يبثّ عبرها مختلف أنواع الموسيقى التي يملكها في أرشيفه.
"كانت الفكرة في البداية تهدف إلى التواصل مع الأصدقاء في منازلهم عبر الموسيقى طالما لم يعد بإمكاننا اللقاء في منزل واحد"، يقول الصايغ. في البداية، كان يعتقد أن الراديو سيقتصر عليه وحده، ولكن سرعان ما بدأت تصل إلى الصايغ رسائل من شبان وشابات عبّروا عن رغبتهم وحماستهم للمشاركة في بث موسيقاهم من منازلهم. وهكذا أُطلق اسم "راديو كارنتينا" على هذه المبادرة، وسرعان ما جمعت حولها عدداً كبيراً من المهتمين بالموسيقى على اختلاف أنواعها، ليس في لبنان فحسب، بل أرسل كثيرون موسيقى من مدن مختلفة من أنحاء العالم. وأضاف "وصلتنا فيديوهات توثّق يوميات العزلة من بلدان مختلفة، وعرضناها على الموقع أيضاً، ثم راحت تصلنا رسائل من مستمعين يطلبون أغنيات معينة أو موسيقى قديمة، فرُحْنا نبثها أيضاً. الراديو كان سبباً في تحويل العزلة من بث للإحباط والضجر، إلى وسيلة للتواصل والتعارف والإنتاج. وكأنّ الموسيقى حلّت محل لقائنا المباشر، وبدل تواصلنا باللمس، فكلٌّ من غرفته المعزولة يشكّل حلقة في سلسلة تواصل واسعة".
وأعطى العاملون في "راديو كرنتينا"، لعملهم شعار "موسيقى وصور وحكايات من العزلة‎ من بيروت إلى العالم أو العكس".
ويعتبر الصايغ أنّ "تجربة العزلة غنيّة وثمينة وامتحان لإنسانيتنا لأنها حياة من قلب المحنة، حيث الوحدة وحيث الفقدان وحيث التذكر في صمت الجدران والشوارع والمدن، وحيث الانتظار. في غرفة الانتظار هذه، ربما يكون راديو كرنتينا فسحة أمل، تأخذنا في رحلة متناغمة، حزينة كانت أو سعيدة، خارج جدران منازلنا".

المزيد من منوعات