Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كورونا" يزحف بشركات ضخمة نحو الإفلاس

ديون السندات تسجل مستويات تاريخية... وانهيار أرباح الشركات يعمق الأزمة

متعامل في بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ف.ب)

مع تفاقم الأزمات المصاحبة لانتشار فيروس كورونا المستجد، تحوّلت الأزمة من مجرد كساد وركود عنيف إلى أزمة أكبر تتمثل في انهيار شركات ضخمة وإعلان إفلاسها.

الأزمة لم تكن وليدة أو اندلعت بسبب الخسائر العنيفة التي خلّفها فيروس كورونا على الاقتصاديات الكبرى، ولكن إجمالي الديون المستحقة على الشركات كان في تصاعد مستمر منذ النصف الثاني من العام الماضي، وهو ما استدعى مؤسسات وجهات دولية إلى التحذير منها.

لكن ربما التداعيات والمخاطر التي أوْجها فيروس كورونا، دفعت بعض الجهات إلى الحديث عن حالات إفلاس وشيكة سيعلن عنها في وقت قريب، بخاصة مع عدم وجود ما يشير إلى تراجع حدة الأزمة حتى الوقت الحالي.

الأرقام والبيانات الرسمية المتاحة تشير إلى أن الشركات غير المالية على مستوى العالم اقترضت 2.1 تريليون دولار إضافية في هيئة سندات الشركات، بعد العودة إلى سياسات نقدية تيسيرية أكثر منذ بداية العام الماضي.

وفي الوقت الذي تعجّ فيه الأسواق بالفعل بحالة من الفوضى، فإن هناك أزمة ديون دولارية تهدّد الآن الاقتصاد العالمي. هذا ما تطرق إليه التحليل الذي أعده موقع "بروجيكيت سينديكيت"، مشيراً إلى أن الشركات التي تعتمد على التجارة الدولية شهدت تعرض أرباحها لحالة من الانهيار، كما أن الكثير من تلك الشركات لن يكون قادراً على خدمة ديونه المقومة بالدولار، في حين تواجه البنوك الدولية ضغوطاً شديدة.

مستويات تاريخية عند 13.5 تريليون دولار

التحليل أشار إلى أن أزمة الديون كانت بالفعل تلوح في الأفق حتى قبل تفشي وباء "كوفيد-19". ففي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أشار تقرير صادر عن "روبرت تريفين إنترناشيونال" إلى سيطرة اللون الأحمر على كل مؤشر يرصد التعرض للدولار خارج الولايات المتحدة في إشارة للتحذيرات المقلقة. وحذر معدّو التقرير من أن الديون بالدولار للجهات غير المصرفية خارج الولايات المتحدة تقف عند مستويات قياسية جديدة.

في الوقت نفسه، فإن عدم تطابق العملات وقروض الرافعة المالية في القطاع الخاص قد ازدادت، كما أن التمويل بالدولار للبنوك خارج الولايات المتحدة يبدو هشاً.

وبالعودة إلى تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد حذرت في وقت سابق من زيادة سندات الشركات ذات الجودة الائتمانية المنخفضة، كونها تعطي إشارة مستقبلية على ارتفاع حالات التعثر عن سداد الديون، حيث اقترضت الشركات غير المالية نحو 2.1 تريليون دولار إضافية في هيئة سندات الشركات، بعد العودة إلى سياسات نقدية تيسيرية أكثر منذ بداية العام الماضي. ويعتبر المبلغ المقترض في العام الماضي من جانب الشركات بمثابة انعكاس واضح لتراجع إصدار سندات الشركات خلال عام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووصل بذلك تراكم ديون السندات إلى أعلى مستوى في تاريخه عند 13.5 تريليون دولار في نهاية العام 2019. حيث لفت التقرير إلى أن ديناميكيات سندات الشركات المصدرة اليوم قد تغيرت كذلك. وعند المقارنة مع الدورات الائتمانية السابقة، فإن سندات الشركات المصدرة أصبحت ذات جودة ائتمانية منخفضة بشكل عام مع آجال سداد أطول.

ووفقاً للمنظمة، فإن نحو خمس ديون الشركات المصدرة كل عام منذ 2010 كانت ذات درجة غير استثمارية، لكن هذه النسبة وصلت إلى 25 في المئة في عام 2019. وذكرت أن هذه هي أطول سلسلة منذ العام 1980 تكون فيها حصة إصدار السندات من الدرجة غير الاستثمارية مرتفعة للغاية، وهو الأمر الذي يشير إلى أن معدلات التعثر عن سداد الديون في فترة الانكماش المقبلة من المرجح أن تكون أعلى من الدورات الائتمانية السابقة.

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإن السندات التي تحمل تصنيف ائتماني BBB كانت تُشكل ما نسبته 52 في المئة من كل السندات المصدرة الجديدة من الدرجة الاستثمارية، وهو أدنى تصنيف في فئة الدرجة الاستثمارية. وذكرت المنظمة أن غياب دعم معدلات الفائدة المنخفضة أو في حالة تراجع نشاط الشركات، فإن آليات التصنيف الائتماني نفسها التي سمحت بزيادة قروض الرافعة المالية ستؤدي إلى خفض التصنيف الذي يزيد من تكاليف الاقتراض للشركات ويحد من نطاق استثماراتها.

ديون الجهات غير المصرفية 14 في المئة من الناتج العالمي

التحليل أشار إلى أن ديون الجهات غير المصرفية المقومة بالدولار خارج الولايات المتحدة تتجاوز 12 تريليون دولار أو ما يعادل 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو أعلى من معدل 10 في المئة المسجل في عام 2007 قبل الأزمة المالية العالمية مباشرة. وعلاوة على ذلك، تبلغ السندات المقومة بالدولار والمصدرة من قبل الكيانات غير الأميركية بخلاف البنوك نحو 7 تريليونات دولار، وهو ما يبلغ ثلاثة أمثال مستويات عام 2007.

وسيكافح العديد من الشركات خارج الولايات المتحدة بما في ذلك الصين وغيرها من الأسواق الناشئة لخدمة ديونها المقومة بالدولار. وبعد مرور ثلاثة أشهر على أزمة "كوفيد-19"، لا تزال التجارة الدولية في السلع والخدمات معطلة، وهو ما يدفع إلى طرح علامات استفهام حول كم من الوقت يبقى أمام الشركات التي لا تحقق أيّ أرباح قبل أن تفشل في سداد مدفوعات السندات.

وسيتبع العديد من الشركات استراتيجيات مالية دفاعية يمكن أن تضر البنوك بشدة، فعلى سبيل المثال ستقوم الشركات المجهدة بسحب ودائعها (التي تعتبر بمثابة تمويل مستقر للبنوك) أو ستنشط خطوط الائتمان الخاصة بها. وسيؤدي تدافع الشركات العالمية مقابل السيولة بالدولار إلى تآكل احتياطي السيولة لدى البنوك.

ويمكن أن تجبر البنوك على خفض خطوط الإقراض والائتمان، كما يمكنهم القيام بذلك بسرعة أكبر مما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية؛ نظراً لأن القواعد الجديدة الخاصة باتفاقية "بازل 3" للسيولة تجعل الأمر أكثر سهولة بالنسبة إلى البنوك لإلغاء خطوط الائتمان.

وستعمل البنوك على بيع الأصول الخطرة بأسعار منخفضة للغاية، وبالنظر إلى التقلبات الصارخة في الأسواق ستطلب المزيد من الضمانات من العملاء الذين يستخدمون قروض الرافعة المالية. لكن من المرجح أن تضيف المؤسسات التي تعرضت لسلسلة من عدوى الإفلاس العابرة للحدود المزيد من الضغوط الانكماشية على الاقتصاد العالمي.

بينما لا يعتبر خفض معدلات الفائدة بمثابة أمر كافٍ، حيث إن تراكم ديون الشركات بالدولار ضخم للغاية، كما أن الضربة الوشيكة للأرباح شديدة للغاية. وكما حدث في عامي 2007 و2008، فإن السيولة الخاصة تستنزف سريعاً من الأسواق، وينبغي على البنوك المركزية ضخ السيولة بشكل سريع عبر تجدد برنامج "التيسير الكمي" على نطاق واسع، مع الإشارة مرة أخرى إلى أنها ستفعل "كل ما يتطلبه الأمر".

وأشار التحليل إلى أن "المركزي الأميركي" يمكنه وحده توفير السيولة الدولارية اللازمة على نطاق كافٍ. وعلى الرغم من تعرضه لانتقادات سياسية غير مبررة على الصعيد المحلي، لكن الفيدرالي الأميركي قام بوظيفته في الأزمة الأخيرة. وبالإضافة إلى دوره في تحقيق الاستقرار داخل سوق السندات الأميركي الذي يعد بؤرة هذه الأزمة، فإنه قام بتزويد البنوك المركزية الكبرى الأخرى بوصول غير محدود إلى مقايضات الدولار، وهو ما يمثل اعترافاً جزئياً بحقيقة أن تعرض البنوك الأوروبية للدولار كان مرتبطاً في المقام الأول باستثمارات في الأوراق المالية الأميركية المرتبطة بالرهن العقاري.

بيد أن هذه المرة مختلفة، حيث أن سلطات الفيدرالي الأميركي كمقرض الملاذ الأخير تم تقليصها منذ الأزمة الأخيرة. وبالإضافة إلى ذلك، فمن المحتمل ألا يكون مركز أزمة السيولة الدولارية المقبلة في الولايات المتحدة، بل في أسواق السندات المقومة بالدولار والصادرة عن شركات غير أميركية. وسيمتنع الفيدرالي عن مساعدة الشركات الأجنبية التي لديها الكثير من الديون بالدولار.

الاقتصادات بحاجة لمزيد من التيسير الكمي

وكما هو الحال في عامي 2007 و2008، فإن مشكلة السيولة بالدولار ستكون في قلب الأزمة. وحلها يتطلب عملاً متضافراً من العديد من الكيانات الرسمية، مثل البنوك المركزية والهيئات التنظيمية، وقبل كل شيء الحكومات.

ويستحق الفيدرالي الثناء على الإجراءات التي اتخذها في 15 مارس (آذار) الحالي، وعلى الدور القيادي في التدابير من قبل البنوك المركزية الأخرى. حيث تحتاج البنوك المركزية كافة إلى تكثيف برنامج التيسير الكمي بشكل كبير، حيث يجب استخدام خطوط مبادلة الدولار مع الفيدرالي لضمان أن البنوك المركزية تنفذ عمليات إقراض بالدولار بحرية.

وبالنظر إلى الاستثمارات العامة الضخمة بالدولار للبنوك غير الأميركية قبل صدمة فيروس كورونا، فمن المرجح بشدة أن تواجه بعض البنوك الكبيرة عملية التخلف عن سداد ديونها بالدولار في حال غياب المساعدة الرسمية. ويجب على الجهات التنظيمية تخفيف قواعد رأس المال والسيولة المطبقة على البنوك، حيث كان المركزي الأوروبي محقاً في خفض متطلبات رأس المال والسيولة لأكبر البنوك في منطقة اليورو خلال الأسبوع الماضي.

ومع ذلك، يمكن للحكومات فقط أن تتعامل مع مسألة الهروب من الأصول الخطرة خلال وباء يحدث لمرة واحدة في القرن، كما يمكنهم تفادي الانهيار الاقتصادي العالمي في حالة التصرف بشكل سريع. ومن شأن حالات متتالية من تعثر الشركات عن سداد الديون على الصعيد العالمي أن تؤدي إلى شل النظام المالي. فيما يُعد تقديم المساعدة بشكل مباشر وفوري إلى الشركات المتضررة من الوباء بمثابة أمر ضروري.

وعلى هذا النحو، ينبغي تخفيف القواعد والقيود المالية على مساعدات الدولة كما يجب على الحكومات تقديم ضمانات جزئية للبنوك التي تقدم القروض بسرعة للشركات المتعثرة. ويظهر هذا الأمر بوضوح في منطقة اليورو، التي تواجه اختباراً فريداً لقدرتها على مساعدة الدول الأعضاء الأشد تضرراً من الأزمة.

في الوقت نفسه، يجب على الحكومات ألا تتراجع عن دعم أسواق الأسهم، حيث تخلق الانخفاضات الحادة في أسعار الأسهم فرصاً للربح، كما تعني الأسواق المتقلبة أنه من المرجح ارتفاع الأسعار بشكل أكثر قوة استجابة للمشتريات الرسمية.