Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الخطر الأكبر على أردوغان كورونا وليس إدلب

تركيا أعلنت للمرة الأولى وفاة 4 أشخاص بالفيروس... والتعتيم على الأعداد الحقيقية لم يعد يجدي بعد التضاعف السريع في أعداد المصابين

ارتفاع عدد المصابين بفيروس كورونا على نحو متسارع في تركيا (أ.ف.ب)

مع تسارع انتشار فيروس "كوفيد 19" المعروف إعلامياً بفيروس كورونا المستجد، ووصول عدد حالات الوفاة في العالم إلى نحو 8 آلاف تقريباً، صرح وزير الصحة التركي فخر الدين كوجا عن وفاة أربعة أشخاص بالفيروس في البلاد ليكون ذلك إعلاناً عن أول إصابة إيجابية قبل أسبوع.

وكانت الحكومة التركية تصرح منذ فترة طويلة أنها اتخذت إجراءات صارمة، زاعمة أنها لم تسجل أي حالات إصابة بالفيروس الفتاك، وتحاول من خلال تلك التصريحات كسب تأييد وتقدير الشارع التركي. كما لجأت إلى تكميم الأفواه المنتقدة من خلال شن حملات اعتقالات، بيد أن تلك الحيلة لم تكن كافية، وبدأت أعداد المرضى تتزايد تدريجياً.

أجل، جرت الرياح بما لا تشتهي السفن؛ والأعداد بدأت تتزايد بتضاعف سريع. فهل ستواصل الحكومة التركية إخفاء الأعداد الحقيقية لحالات الوفاة بين المصابين بفيروس كورونا، كما فعلت وتفعل في إخفاء الأعداد الحقيقية لقتلى الجيش التركي سواء في سوريا أو ليبيا؟

الذي نعرفه هو أن الحكومة لم تعد تستطيع إخفاء الحقيقة بسبب تصاعد الأرقام التي تشير إلى حالات الإصابة التي تم نشرها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.

فقبل يومين كان عدد المصابين المعلنين 98 حالة فقط، إلا أن وزير الصحة أعلن بعدها أن عدد الحالات المؤكدة ارتفع إلى 359 حالة. ومن المحتمل أن تقفز الأعداد عند نشر هذا المقال إلى ضعف هذا العدد.

على جانب آخر، صدرت تصريحات رسمية من الحكومة الألمانية والأميركية والبريطانية والهولندية وغيرها لتؤكد أن نحو 70 في المئة على الأقل من الشعب سيصاب بالفيروس المجهول، وبالتالي فقد كانت هذه الحكومات صريحة مع شعوبها في هذه القضية، ولكن هل يمكن أن ينتظر الجميع من أردوغان أن يخرج ويدلي بمثل هذه التصريحات يا ترى؟

 نرى أنه اختار حتى الآن طريق التكتم والتعتيم أو التصريح بالأرقام بشكل تدريجي وبأعداد قليلة، وذلك لأن نظام أردوغان لديه سبب حقيقي لاتباع هذه الاستراتيجية والتمسك بها، فالأمر قد يؤدي إلى كسر كامل في عزيمة الشعب التركي الذي يواجه ويقاوم أزمة اقتصادية منذ فترة طويلة، بل سيصل الأمر إلى التدافع والتدفق إلى الشوارع.

الحقيقة أن تركيا حاولت منع قطاع السياحة وقطاعات الخدمات من الانهيار، من خلال إخفاء حالات الإصابة بالفيروس. فأردوغان في الوقت الذي كان يجب عليه مشاركة الشعب التركي ألم وفاجعة استشهاد 36 عسكرياً تركياً، في غارة جوية للطائرات الروسية والسورية على تمركز لهم في إدلب شمالي سوريا قبل ثلاثة أسابيع، خرج على الجميع بالتفاخر وقال إن قطاع السياحة سجل أرقاماً قياسية يوماً بعد يوم.

على ما يبدو أن انحسار فيروس كورونا الذي تحول إلى وباء عالمي، لن يكون في القريب العاجل، إذ أعلن العديد من الدول الأوروبية من الآن أنه من المتوقع أن يستمر الفيروس حتى بداية شهر يونيو (حزيران) المقبل في أحسن تقدير، معلنة قطع علاقاتها بكافة دول العالم. وهو ما جعل تعرض قطاع السياحة في تركيا لصفعة قوية للغاية أمراً لا مفر منه.

أما الصفعة الأخرى، فمن المتوقع أن تأتي على وجه قطاع الخدمات. فشبح البطالة بات يحوم حول مئات الآلاف من العاملين في هذين القطاعين الأكثر تشغيلاً للعمالة. لا أحد يعرف حتى الآن، كيف سيلبي هؤلاء الأشخاص احتياجاتهم الأساسية، وكيف سيدفعون التزاماتهم المالية وفواتيرهم الخاصة بالكهرباء والمياه والغاز الطبيعي طالما باتوا غير قادرين على الحصول على رواتبهم. وبات يُرى في الأفق أن معدلات البطالة في البلاد التي تسجل 12 في المئة وفقاً للأرقام الرسمية، ونحو 20 في المئة وفقاً للأرقام غير الرسمية، في طريقها لاستقبال مئات الآلاف من العاطلين عن العمل.

التقارير والإحصاءات في تركيا تتحدث عن وجود نحو 30 مليون مواطن لديهم ديون بطاقات ائتمانية. الأمر نفسه أيضاً بالنسبة للتجار الذين تسجل مديونياتهم معدلات مرتفعة، في ظل تدهور أعمالهم يوماً بعد يوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوضع لا يختلف كثيراً بالنسبة للموازنة التركية، التي تلتزم أن تسدد مليارات الدولارات هذا العام من الديون الخارجية، بينها 120 مليار دولار ديوناً على شركات القطاع الخاص. تلك الشركات باتت في مأزق لا تحسد عليه؛ من ناحية ستقوم بسداد تلك الأموال، ومن ناحية أخرى، ستحاول مقاومة تداعيات أزمة كورونا.

وفي الأسبوع الماضي، أعلنت المؤسسة المصرفية العملاقة ووكالة التصنيف الائتماني الدولية (جي بي مورغان تشيس) ومقرها الولايات المتحدة محذرة من اقتصاديات بعض الدول بما فيها تركيا ستدخل حالة ركود بسبب تداعيات فيروس كورونا، وأن بعض الاقتصاديات ربما ستنهار في وقت لاحق.

ومع ازدياد حدة الأزمة خلال الأيام المقبلة ستغلق مراكز التسوق والكافيهات والمطاعم أبوابها واحدة تلو الأخرى، كما أن شركة الخطوط الجوية التركية أيضاً، التي تعتبر واحدة من أكبر المؤسسات في البلاد، ألغت القسم الأعظم من رحلاتها تقريباً. ولكن الأمر لن ينحصر بهذه الشركة فقط، وإنما قد يؤدي إلى إفلاس العديد من المكاتب والوكالات السياحية التابعة لها.

العديد من الدول، التي تعاني سوء إدارة الاقتصاد على مدار سنوات لجأت إلى فرض قيود على وارداتها من الدول الأخرى، باستثناء احتياجاتها الأساسية على خلفية غلقها للحدود. أما تركيا التي تحاول تضميد جراح موازنتها المستنزفة عن طريق الصادرات، فستشهد عجزاً كبيراً في ميزانها الجاري.

الواقع والحقيقة أن القادة والزعماء الكبار يَظهرون في الأوقات والفترات الصعبة، ويُظهرون حجمهم الحقيقي. وقد رأينا ذلك في القادة والزعماء الأوروبيين. أما أردوغان فقد غاب عن الأنظار لأكثر من أسبوع، ثم ظهر ليلقي وعوداً ويصرح بتمنيات لا تسمن ولا تغني من جوع. فبينما كان من المتوقع أن يعلن عن حزمة اقتصادية تبعث الأمل والطمأنينة في نفوس المواطنين وأرباب الأعمال إذا به ينصح أبناء الشعب بالصبر والدعاء، أما صهره وزير الاقتصاد فقد صرح بأنهم سيُحوّلون الأزمة إلى فرصة من خلال بيع الأدوات الطبية للعالم، متجاهلاً من أن هذا لا يرجع بالربح إلا إلى عدد قليل من المقربين إليه.

أردوغان نفسه كان يحاول أن يحافظ على مكانته على طاولة المفاوضات الخاصة بالملف السوري من خلال تقديم المزيد من التنازلات لكل من روسيا والولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه الآن لا يجد أمامه من يمكنه منحه كرشوة لتحسين موقفه في مواجهة فيروس كورونا، وعليه الآن أن يُظهر الوجه الحقيقي لزعامته وقدرته على إيجاد الحلول، وإلا فلن يبقى بيده إلا أن يرفع يديه للدعاء من أجل مغادرة الفيروس لتركيا أو إيجاد علاج له في أقرب وقت ممكن.

والخلاصة أن فيروس كورونا يشكل خطراً على الجميع، ولكنه بالنسبة لأردوغان وزعامته أشد خطراً، وسيضعه على المحك أكثر من أي وقت مضى.

المزيد من آراء