Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خسائر كورونا في لبنان ترفع أرقام أزمته الاقتصادية

آثار الإقفال ستراعى في خطة النهوض الحكومية

شُلت الحركة الاقتصادية في لبنان بعد إعلان الحكومة التعبئة العامة (أ.ف.ب)

يبدأ لبنان هذا الأسبوع الاتصالات التمهيدية مع حاملي سندات يوروبوندز التي سبق له أن أعلن عن تعليق دفعها، مع انتهاء مهلة التسديد القانونية وفترة السماح في 16 مارس (آذار) الحالي، في وقت تتراكم على ماليته واقتصاده الصعوبات، فتزيد أزمة فيروس كورونا الركود في اقتصاده وفي مداخيل الخزينة.

فبعد إعلان مجلس الوزراء اللبناني "التعبئة العامة" (تجنباً لإعلان حال الطوارئ لتفادي تجيير الصلاحيات إلى الأجهزة العسكرية)، من أجل دفع اللبنانيين إلى التزام بيوتهم وتجنب التجمعات والاختلاط الاجتماعي وفي المؤسسات العامة والخاصة لمنع تفاقم انتشار كورونا، أخذ اللبنانيون يحتسبون ما أضافه هذا الإجراء الاضطراري، وسط ضعف إمكانيات النظام الصحي، إلى أزمتهم الاقتصادية المالية الحادة في بلد شارف على الإفلاس وعدم تسديد ديونه.

اقتصاد متهاوٍ زائد تأثير كورونا

فقبل الإجراءات التي شلت الحركة الاقتصادية في البلاد، كان النقاش يدور بين الفرقاء اللبنانيين على ما إذا كانت الاستعانة بصندوق النقد الدولي لسد الفجوة التمويلية التي أدت إلى شح في السيولة بالعملة الأجنبية لدى المصارف اللبنانية ومصرف لبنان المركزي يجب أن تقترن مع الموافقة على شروط الصندوق لجهة رفع الرسوم والضرائب في بعض المجالات أم لا، فإذا بالأمر يعدل في الحسابات. فصندوق النقد بات أمام مهمة نجدة عشرات الدول بسبب آثار كورونا على الانكماش الاقتصادي العالمي. وقد أعلن الصندوق أنه مستعد لضخ تريليون دولار كقروض ضمن جهوده لمساعدة بلدان العالم في مكافحة فيروس كورونا، ما يعني أن بإمكان لبنان الإفادة من مساعداته. والتقديرات حول خسائر الاقتصاد العالمي بسبب كورونا تتراوح، وقد تصل إلى 3 تريليونات دولار أميركي، إذا طال تأثيره. وهذا يعني أن نسبة الخسائر تصل إلى 5 في المئة، أي تراجع نمو الإنتاج العالمي زهاء 2 إلى 2.5 في المئة، ما يعني انحداراً اقتصادياً كبيراً له انعكاسات لا يستهان بها.

وفي وقت تنهمك الحكومة اللبنانية في رسم خطة اقتصادية مالية ينتظر أن تكتمل عناوينها مطلع الشهر المقبل، وأن تصبح جاهزة مطلع شهر مايو (أيار) بهدف تصحيح المالية العامة وخفض العجز نسبة إلى الناتج القومي وإعادة هيكلة المديونية، والمصارف ومصرف لبنان المركزي... بات على اللجان التي شكلتها الحكومة أن تأخذ في الاعتبار ما أضيف على أزمته الاقتصادية من عثرات نتيجة الإقفال حتى 29 الشهر الحالي على الأقل، من دون إغفال إمكان تجديد هذا الإجراء.

خطة النهوض الاقتصادية

وفي انتظار التقدير الواضح لخسائر لبنان الإضافية من كورونا، يقول وزير المال غازي وزني لـ"اندبندنت عربية"، إن الخطة التي تضعها الحكومة من الطبيعي أن تأخذ في الاعتبار تلك الخسائر المستجدة. فالإقفال الذي حصل لقطاعات عدة يؤثر سلباً في النمو والاستهلاك وموارد الخزينة والتجارة والفنادق والمطاعم وارتفاع كلفة الفاتورة الصحية.

ويشير وزني إلى أن الاقتصاد العالمي برمته تأثر سلباً، ولا يعقل أن يبقى اقتصاد لبنان المأزوم بمنأى عن ذلك. ويرى أن تأثير تداعيات الإقفال في لبنان بفعل كورونا لا بد من أن يؤخذ في الاعتبار في الخطة التي تعدها الحكومة، من زاوية المزيد من التراجع في النمو خلال عام 2020 وزيادة العجز. إلا أنه يلفت إلى أن كورونا أدى إلى انخفاض أسعار النفط عالمياً، وهذا يخفض حتى إشعار آخر فاتورة استيراد المازوت والفيول أويل للكهرباء (مصدر رئيس للعجز) والبنزين على لبنان.

القطاعات الخاسرة  

ووفق العديد من الاقتصاديين، فإن القطاعات التي تأثرت بقوة هي الخدمات والنقل والطيران (وقف الرحلات الجوية بين لبنان والعالم حتى 28 الحالي) والطبابة والاستشفاء والتجارة، فوق ما عانته جراء الأزمة الاقتصادية التي سبقت كورونا. ولا بد من الإشارة إلى تراجع القطاع التجاري نحو 60 في المئة وقطاع الصناعة نحو 50 في المئة وإلى إقفال زهاء 800 مؤسسة سياحية ومطعم وملهى ومقهى وشركات صغيرة في الأشهر القليلة الماضية نتيجة الأزمة التي سبقت كورونا (قدرت خسائر السياحة والخدمات السنة الماضية بحوالى 700 مليون دولار، ينتظر أن تفوق ذلك العام الحالي). وتسبب قطاع الخدمات بصرف نحو 30 ألف موظف وعامل، في الأشهر الأخيرة وحدها، من دون احتساب المصروفين قبلها خلال عام 2019. وما بقي من مؤسسات في هذا القطاع يعاني الآن من خسائر إضافية قد تتضاعف وفق المدة التي سيطول فيها الإقفال، على الرغم من أن تجارة التجزئة والدليفري ناشطة نسبياً، في ظل التزام الناس بيوتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأدت "التعبئة العامة" وإلزام المواطنين البقاء في منازلهم إلى إصابة قطاع النقل العام، خصوصاً الباصات التي حظرت السلطات عليها نقل المواطنين الذين سمح لهم بالتنقل للذهاب إلى أشغال أجيز لها بالاستمرار، منعاً للاختلاط وتحسباً لانتقال الفيروس. ويشكل سائقو وسائل النقل هذه نموذجاً لفئات اجتماعية تكسب قوتها بشكل يومي في مجالات عدة، ما حدا باتحاد نقابات النقل البري إلى مطالبة الحكومة بتأمين مساعدات مالية لهؤلاء السائقين بسبب إجبارهم على عدم تشغيل آلياتهم. وينتظر أن تتكشف مآسٍ اجتماعية عن آثار الإقفال العام لدى فئات تقتات من أعمالها اليومية مثل بسطات الخضار وأسواق الخضار، التي منعت من النشاط تحسباً لاكتظاظ المواطنين داخلها.

نمو اقتصاد المعرفة

وفي تقدير نائب رئيس الحكومة السابق غسان حاصباني لـ"اندبندنت عربية"، فإن احتساب الخسائر نتيجة الإقفال 15 يوماً قد يتراوح بين 250 و300 مليون دولار على الأقل، وكلما امتد إجراء التعبئة العامة كلما ارتفعت الخسائر الاقتصادية. ويشير إلى أن الركود الاقتصادي سيخفض الناتج المحلي وإذا احتسبنا أن حصيلته تقارب الـ 50 مليار دولار، فإنه انخفض وسينخفض إلى حوالى 40 مليار دولار. ويرى أنه إذا كان عدد الموظفين والعاملين يبلغ زهاء مليون و400 مليون موظف، فهذا الرقم مرشح للانخفاض نتيجة الأزمة الاقتصادية السابقة لكورونا ثم بعده بنسبة تقارب النصف، ما يعني أن كلفة إنتاجية العامل على الناتج المحلي ستحدد مدى الخسائر. كما أشار إلى تراجع الاستيراد منذ أشهر، لكن وقع ذلك على الناتج المحلي سيكون منخفضاً.

إلا أن حاصباني يلفت إلى أن من فوائد الأزمة بعد كورونا ربما يكون إعطاء دفعة كبيرة لاقتصاد المعرفة. إذ إن ملازمة الناس منازلها دفع شركات إلى الطلب من موظفيها العمل من بيوتهم باستخدام وسائل الاتصال الإلكتروني. كما أن بدء التدريس للتلاميذ الذين توقفت مدارسهم عن استقبالهم منذ أسابيع حملت الجسم التعليمي على اللجوء إلى التعليم عن بعد عبر ابتداع تطبيقات إلكترونية حديثة. وبدأ التحضير لتطوير هذه التطبيقات، فضلاً عن أن صناعة الطبابة والاستشفاء اضطرت لاستخدام تطبيقات متطورة للتعامل مع المرضى من دون احتكاك الأطباء مع المرضى. وهذا قطاع مرشح للانتشار أيضاً.

انخفاض الناتج المحلي

ويقول المستشار المالي والاقتصادي للحكومة السابقة الدكتور نديم المنلا، إنه إذا كان الناتج المحلي يتوزع على أربعة مصادر، فإن الرواتب انخفضت بسبب خسارة مواطنين كثر وظائفهم جراء إقفال مؤسسات وبسبب خفض رواتب مؤسسات متعثرة إلى النصف. أما الأرباح من الإنتاج فهي في أدنى حالاتها في كل القطاعات، فيما قد لا تتأثر الزراعة والصناعة بفعل كورونا بقدر تأثرهما منذ تفاعلت الأزمة التي سبقت انتشار الفيروس. أما مصدر الفوائد على الودائع فانخفض بنسبة تراوح بين 65 و75 في المئة (بعد تعميم مصرف لبنان بخفضها نظراً إلى أن ارتفاعها في السنتين الماضيتين أسهم في فقدان السيولة)، فيما انخفض مصدر إيجارات الشقق السكنية بنسبة 30 في المئة. كما أن السفر وقطاع الطيران سينخفض مثلما هو في أزمة كبرى في كافة أنحاء العالم، حيث في الولايات المتحدة الأميركية وحدها يحتاج إلى 50 مليار دولار من القروض والمساعدات الحكومية كي يواجه الخسائر.

ويوافق المنلا على أن اقتصاد المعرفة قد يتطور في هذه المحنة. وأكد أن قرار وزارة التربية تدريس التلامذة عبر البث التلفزيوني دفعه إلى الاتصال بالقيمين عليها، وإبلاغهم بوضع محطة "المستقبل" (بصفته مسؤولاً في مجلس إدارتها) المتوقفة عن بث البرامج الجديدة وعن إنتاجها، بتصرف الوزارة لعلها تستفيد من شاشتها لإيصال المحاضرات المصورة من قبل طاقم المحطة، إلى التلاميذ في منازلهم.

المزيد من العالم العربي