الدولة العميقة في العراق... من المتحكم بها؟

إيران اخترقت البلاد بميليشيات تابعة للحرس الثوري بهدف تعويم الاقتصاد والسيطرة على النفط

تدخلات إيران بالعراق وراء المظاهرات التي عمت البلاد  (أ.ف.ب)

المبدأ العام الذي يتحكم بمفهوم الدولة أن تكون واحدة لتمثيل مواطنيها من دون تمييز، إلا أن الاستثناءات التي تمر بها بعض الشعوب تفرض منطقاً آخر ونمطاً من التفكير غير المنطقي ومستوى جديداً لوجودها بمفهومي الدولة العميقة والحكومة الخفية.

الدولة العميقة ظاهرة نتاج ظروف متشابكة

بلا شك أن ظروفاً استثنائية وحيثيات متعددة تتحكم بوجود هذه الظاهرة، التي توصف بالرديفة للدولة العلنية، وما هي إلا نتاج التحالفات الخفية للمجموعات المنظمة وغير المنظمة التي ترافق مسارات الدولة في نشأتها وقوتها.

معنى  تشكل الدولة العميقة 

الدولة العميقة هي بالحقيقة شبكة من الارتباطات والمصالح والتحالفات الثانوية التي تتسع رويداً رويداً لتفرض واقعاً من التعامل الخاص بين مجموعات وشلل سياسية تكون فوق القوانين وغالباً فوق الدستور. وهي في المحصلة تحدٍ يفرض نفسه بديلاً عن ما هو السائد لفكرة الدولة التقليدية ويقود إلى تأسيس أجهزة حاكمة غير منتخبة لها سلطة القرار الأمني والسياسي إلى جانب التحكم في الجيش والإدارة والأحزاب الحاكمة وتوزيع الميزانيات ومراكز النفوذ وتقاسم السلطة والأدوار.

مهمات الدولة العميقة

بغطاء الدولة المعلنة، تحتمي الدول العميقة صاحبة القرار في التوجيه والنفوذ في الداخل والخارج، تُسمى أحياناً بالدولة الخفية أو المخزن أو الحاكمية تبعاً لطبيعة ثقافة البلدان وأنظمتها وتجاربها،

وغالباً ما تملك القرار في أجهزة المخابرات والأمن العام والحشود العسكرية الشعبية غير النظامية، وتصنع في الغالب اللوبيات في إحدى مراحل تطورها وتسبغ هذه الظاهرة على أدواتها النافذة في السلطة والقوة والمال والتحكم في القرار والسطوة المجتمعية وفرض نمط من التفكير لدى فئات المجتمع بسلطة الخوف والترهيب وإشاعة الهلع، عملها لا يمت بصلة للقرار الحكومي أو الحزبي أو المؤسسي المعلن. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أساليب الدولة العميقة

نتاجها احتكار القرار السياسي وتوزيع الاستثمارات والعقود الحكومية وغير الحكومية لصالح جهات معينة تقع تحت هيمنتها، بل في ظلها السياسي، ومظاهر القسوة مع خصومها وتصفيتهم والتمثيل بهم، حتى تصل في مراحل الإيغال في تعويم الدولة التقليدية إلى فرض الحكومات وتوزيع الوزارات والإدارات الرسمية على منسوبيها والموالين لها، أو منْ تتعاقد معهم من المستعدين ليكونوا أدوات طائعة بيد رموزها، فهي تحرص على السيطرة على أربع مؤسسات رئيسة: البرلمان، والإدارة الحكومية، والاقتصاد، والإعلام.

القانون والقضاء من ضحاياها

غالباً ما يكون القانون والقضاء ضحايا الدولة العميقة حين يتحول جهاز العدل إلى سلطة هشة لا فاعلية لها رغم محاولات إبرازه شكلياً في العلن لخدمة القوانين، لكنه يوظف أثناء فرض ما يريده رموز تلك الدولة غير المرئية بعد أن يعينوا القضاة والولاة في مراكز القرار ويوجهونهم بوسائل كثيرة، ليتحكموا في القرارات وإقصاء الخصوم وسجن الأعداء وتصفيتهم وتنصيب الأعوان خدمة للولاء العلني لمافيا سياسية لها اليد الطولى، حتى تصل في إحدى مراحل طغيان الدولة العميقة إلى صورة للقمع وتسويغ وتمرير قرارات الأحزاب الحاكمة والنافذة التي تتحول تدريجياً إلى عصابات مسلحة، تستحوذ على السلطة الثالثة للدولة وهي القضاء. 

تأصيل الدولة العميقة في العراق

التجربة العراقية حالة واضحة تتأسس فيها هذه الظاهرة بعد عام 2003، حين سقط النظام العراقي وأبدل بنظام جديد، كان ظاهره المعلن نظاماً ديمقراطياً خلاله تغيرت السلطة ومراكزها كلياً عن مجمل تجربة الحكم التقليدي العام السابق المعروف والمؤطر بمؤازرة الشعب بدرجات متفاوتة.

لا سيما أن السلطة التي فرضت نفسها منذ العهد الجمهوري الأول عام 1958 وتميزت بسطوة العسكر على مقاليد الحكم وأشاعت في محصلتها (سلطة الخوف) والأحكام العرفية التي غالباً ما تعطل مدنية الدولة لكنها انتهت في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 عند تحطيم النظام القائم آنذاك، واستبدلت رمزيته بمشهد مسرحي في ساحة الفردوس في قلب بغداد بسقوط أكبر تمثال لصدام حسين رأس النظام بكل رمزيته المعلنة.

المعارضة العراقية وسلطتها الخفية

بقدوم قوى المعارضة العراقية الزاحفة من إيران بأسلحة بدر والمجلس الأعلى والدعوة وسواها من الأحزاب الموالية لطهران والمحتمية بها ثلاثين عاماً خلت، وكذلك قوى معارضة أخرى تتناغم معها قدمت من سوريا ولبنان ولندن ودول غربية أخرى، وجدت هذه الأطراف نفسها إزاء فراغ هائل لمؤسسة الحكم التي حُلت بموافقة المحتل الذي اشترط مسبقاً بتحييدها ومحايدتها عن المجابهة مع قواته قبيل الغزو وبمفاوضات أكدها السياسي المعارض أحمد الجلبي في بيته في بغداد عام 2012 أثناء حضوري القمة العربية بوجود نخبة من الإعلاميين الخليجيين وقتها.

 سلطة القرار انتزعت من العراقيين 

استبدلت صيغة التحكم العسكري وشبه العسكري بسلطة الاحتلال المباشر الذي جاء بخطاب آخر يعتمد على عملية سياسية المعلن منها أنها برعاية دولية، وتفرد القرار بالحاكم المدني الأميركي بول بريمر الذي عجّل ببلورة دستور جديد، سرعان ما أتاح أجواء صيغة المحاصصة السياسية لقوى متناقضة الأهداف والتوجهات والأساليب في الشراكة السياسية يصفهم العراقيون بالمثل الشعبي، (وجوه متوالفة وقلوب متخالفة).

 وفُرض النظام البرلماني بدل النظام الرئاسي السائد منذ عام 1958، الذي اعتمد بديلاً عنه بعقد شراكة ظاهرة في توزيع مهام الدولة إبان إعلان مجلس الحكم الذي تولى السلطة في البلاد بين أعضائه حسب الحروف الهجائية، وقد فسره العراقيون بأنه نمط من السخرية السياسية، لأن النظام القائم كان بصيغة الانتداب الذي يتحكم به الحاكم المدني ومن بعده خلفاؤه لثماني سنوات عجاف حتى الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011.

بداية تأسس الدولة العميقة 

وطيلة هذه الفترة كانت دولة أخرى تتأسس في العراق يقوم بتشكيلها في الخفاء الحرس الثوري بمؤازرة مع ميليشيات عراقية تتناغم معها حد التبعية، حين كانت إيران تنقل تجربتها التعبوية في الباسيج والتنظيمية في تشكيلات الحرس والاقتصادية في مسعى تعويم الاقتصاد العراقي بأدوات عراقية حليفة وبأذرع  حزب الله الذي صاغت فروعه في العراق مشروع الانتخابات العراقية وحسمها لصالح أحزاب السلطة، وتكريس أصوات الأحزاب الدينية.

 كانت دولة أخرى تحتمي بالمحاصصة السياسية وبالأغلبية في القرار، والثلث المعطل، الذي كرسه دستور رعاه السفير الأميركي آنذاك زلماي خليل زاد، وموافقة المرجعية الدينية على فقرات الدستور كما أكد النائب بهاء الأعرجي عضو لجنة كتابة الدستور وقتها.

ظلت الدولة الظاهرة تحتمي بشكليات السلطة وامتيازات أغلب النواب الذين منحوا رواتب ومناصب حكومية فسرت لشراء أصواتهم، موزعة على ثلاث رئاسات لكن الفاعل منها في القرار الحكومي والمتحكم بالميزانية العامة لرئاسة الحكومة التي منحت للسلطة السياسية الشيعية.

مهام مبكرة للدولة العميقة

عكفت الدولة العميقة تلك على امتلاك القرار وتصفية الخصوم وربط الاقتصاد العراقي بعجلة الاقتصاد الايراني المتداعي تحت نظام العقوبات الغربي، خلال الفترة من 2006- 2014 لأسباب عديدة ومتشابكة أهمها الصراع على السلطة، ومسوغ الإرهاب المهدد المتمثل بالقاعدة وبعدها داعش، التي خلقت حالة من الهلع والتخويف المقصود والهياج الجماهيري، لجعل العراقيين يتقبلون ظواهر الحشد العسكري والتطوع المستمر لمجابهة تلك التحديات، وضياع البوصلة التي يستهدون بها لهول التفجيرات والقتل العمد والاختطاف، والمقابر الجماعية خلف السدة أقصى شرقي بغداد.

كانت سنوات الجمر وهول الأحداث الجسام، وعرابها يبني دولته العميقة والخفية، ويصنع الميليشيات كما يصنع تشكيلات القاعدة ويلم مجموعات داعش، حتى يسري النفط من جهة أخرى وتطير الأموال في بنوك أسواق بيع العملة، وتمتد الأنابيب النفطية من تحت الأراضي العراقية للجارة الحليفة وتنقل صهاريج النفط العراقي المهرب بأسعار زهيدة.

عسكرة المجتمع إحدى مهام العميقة

عسكرة المجتمع مستمرة وشراء الأسلحة بصفقات مليارية مشبوهة وبوسطاء يؤمنون الأموال لرموز الدولة العميقة والشعب مغلوب على أمره ومهدد بوجوده من خلال قسوة مشروع القاعدة وداعش، فقبل تعطيل الدولة التقليدية الديمقراطية، ناهيك عن مشروع الميليشيات التي تزحف لتطهير المدن المحتلة وتصفية خصومها، والموصل مثال حي لتلك المواجهة التي قادها الجنرال قاسم سليماني مع الحشد وفرض واقعاً جديداً في العراق.

التحكم بالنفط الهدف الأول

لم تقف الدولة العميقة التي يقودها الحرس الثوري وشركاؤه في العراق بالشراكة مع الطائفيين الشيعة والمتواطئين المنتفعين من السياسيين السنة، في فرض سياسة الهيمنة على القرار السياسي فحسب، بل ذهبوا إلى عصب الاقتصاد العراقي المتمثل بالنفط وفرض هيمنتهم على ثلاثة عشر رصيفاً بحرياً لتصدير النفط وتوزيع ريع عائداته، واعتمدوا شركات غير غربية لأنهم يدركون بأنها تمتنع من دفع الرشى لأولئك المهيمنين على الموانئ وعقود تصدير النفط، بالتحكم بالقرار النفطي استخراجاً وتصديراً، مع تهيئة إبرام عقود جديدة تدر عليها المليارات، التي تذهب عبر مصارف عراقية التأسيس، وتبعية الأهداف تسهل عملية بيع العملة الصعبة، التي تطرح في الأسواق عبر البنك المركزي في سابقة لافتة، وكانت نتائجها هدر للمال العام وتدني قيمة الدينار العراقي رغم العائدات المليارية، وتصفية الموظفين الكبار في البنك المركزي وطردهم، لمجرد اعتراضهم عن جدوى هذه السياسية الفاقعة والمؤذية لمصالح البلاد.

خمسون مليار خسارة العراق السنوية

حتى أن وزير النفط السابق أكد لـ"اندبندنت عربية"، أن العراق يخسر أكثر من خمسين مليار سنوياً، جراء هيمنة الدولة العميقة التي تحرص على خدمة مصالح دول إقليمية تضر بالاقتصاد العراقي ضرراً بالغاً وتحول دون السيطرة على الغاز واستخدامه كوقود يوفر عوائد هائلة من الأموال للبلاد، لأن ليس من مصلحة دول تصدر المشتقات النفطية أن تتيح للعراقيين استثمار الغاز وتأسيس مصافي كفؤة لتأمين الاحتياجات الداخلية أو تصدير الفائض.

سياسة كسر المشاجب وعدم السيطرة المركزية

المظهر الآخر لهيمنة الدولة العميقة على القرار السلطوي في العراق، يتمثل بالسلاح المنفلت غير المسيطر عليه من قبل الحكومات المتعاقبة، فما أن ينشب خلاف عشائري أو اختلاف بين الميليشيات أو المناطق تظهر كميات مهولة من الأسلحة المتوسطة والثقيلة، حتى أن بعض الفصائل المسلحة تملك صواريخ موجهة وكاتيوشا وطائرات مسيرة خارج سيطرة الدولة، رغم الدعوات المتكررة التي أطلقها مسؤولون رسميون ورؤساء كتل سياسية وبعض الوزراء لوضع الأسلحة في مشاجب الحكومة والتحكم بها مركزياً لم ينفع وظلت بيد الميليشيات وأحزابها في سياسة معروفة الأهداف تكمن في هز هيبة الدولة وخلق مراكز متصارعة تمكن الطرف الآخر من فرض القرار وإحراج الدولة.

وشهدت مناطق عديدة داخل العراق قصفاً ومجابهات عنيفة أمام أنظار الدولة من دون قدرة على ردعها، آخرها قتل نحو ستمائة محتج من شباب الحراك الشعبي وإصابة أكثر من ثلاثين وإعاقة خمسة آلاف مدني. وتكتفي السلطة بالقول أن ذلك تم على يد "الطرف الثالث".

ما يعني اعتراف رسمي بوجود دولة أخرى تسير بعجلة الدولة المعلنة، وتستخدم أسلحتها وتقتل وتنفذ عمليات عسكرية وتنصب قناصين فوق البنايات الرسمية وغير الرسمية وتسيّر دوريات بأسلحة مجازة.

المزيد من تحلیل