Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

راهبات دير المحبة يمنحن الأمومة والعناية الإنسانية للبؤساء منذ 140 سنة

"مؤسسة خيرية تُعنى برعاية الأطفال الأيتام والمتروكين وأبناء العائلات المفككة"

لوح مزين بالدمى وكُتب عليه إسم مركز الكريس بالفرنسية (اندبندنت عربية)

يأوي دير راهبات المحبة "الكريش" (كلمة فرنسية تعني المهد) في مدينة بيت لحم (جنوب الضفة الغربية) منذ عام 1880 عشرات الأطفال الفلسطينيين الذين لا عائلات لهم بسبب ظروف اجتماعية خاصة، كما ويحافظ على حياة عشرات النساء المعنفات أثناء وخلال وبعد الولادة.

وين ماما؟

داخل أروقة "حضانة العائلة المقدسة" (راهبات المحبة الكريش) في بيت لحم، تضج الأروقة بالضحكات والأغنيات، فبعد وجبة دسمة دافئة وصحية، يتراكض آدم وحمودة (6 سنوات) لغسل أيديهما فرحين في أكثر الأماكن أماناً وحناناً بالنسبة إليهما، كيف لا وهذا الدير كان ولا يزال الملاذ الوحيد لأحلامهما البريئة، فـ"الكريش" يأوي منذ عام 1883، عشرات الأطفال الذين لا عائلات لهم بسبب ظروف اجتماعية خاصة، حيث تُكرس مجموعة راهبات وعاملات أنفسهن لخدمتهم ومداواة قلوبهم الصغيرة التي أنهكها السؤال وين ماما؟ وين بابا؟
يبذل "الكريش" اهتماماً مضاعفاً في حماية ورعاية الأطفال حديثي الولادة، المجهولي الأبوين، الذين يُلقون على قارعة الطريق أو الأطفال غير الشرعيين، فالكريش يمثل المؤسسة الوحيدة المؤهلة والمرخصة من قبل الجهات الرسمية الفلسطينية لاستقبالهم ورعايتهم ومنحهم دفء العائلة بسيل من الاهتمام والرعاية النفسية والتعليمية والغذائية والصحية والتربوية أيضاً، من خلال روضة وحضانة، بخاصة داخل الدير، وبقية الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين يوم وحتى عمر المدرسة (5 - 6 سنوات)، فيلتحقون بالكريش نتيجة التفكك الأسري أو اليُتم أو الإهمال أو الإساءة لهم، ما يعرضهم للخطر.


راهبات المحبة

وصرحت الراهبة دينيز أبي حيدر، مديرة جمعية راهبات المحبة (الكريش) أن "الكريش مؤسسة خيرية تُعنى برعاية الأطفال الأيتام والمتروكين وأبناء العائلات المفككة، ويعود تاريخها إلى عام 1883 حين سمحت الإمبراطورية العثمانية وضمن اتفاقية مع الحكومة الفرنسية، بتمكين راهبات المحبة من بناء المؤسسة، إضافة إلى المرافق الخدماتية المختلفة من مستشفى العائلة المقدسة، وبيت داخلي للأطفال مع قسم الروضة، والخدمة الاجتماعية، التي تخصصت منذ نشأتها في حماية الأطفال المشردين والمهمَلين برؤية وروح ورسالة مؤسس جمعية راهبات المحبة، مار منصور دي بول، وما زالت تدير هذا العمل الإنساني والاجتماعي والصحي أيضاً من خلال ما عُرف في حينه بالمستشفى الفرنسي، الذي عمل لمدة 100 سنة كمستشفى عام، ثم تحول بالتعاون مع فرسان مالطة، إلى مستشفى متخصص للولادة مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ويُعرَف اليوم باسم مستشفى العائلة المقدسة".


بيت آمن للمعنفات

ويجسّد دير المحبة "الكريش" وسط مدينة بيت لحم، كل مفاهيم المحبة والتسامح، بل وأبعد من ذلك، فمنذ 20 سنة وأكثر يعتبر هذا المكان الملاذ الوحيد الآمن للنساء المعنفات بشكل عام، والحوامل خارج شرعية الزواج الرسمي بشكل خاص. وبغض النظر عن سبب الحمل سعى الكريش إلى العناية بهن ورعايتهن قبل وأثناء وبعد الولادة لضمان أمن وسلامة الأم والطفل.
وأوضح الأخصائي الاجتماعي في الدير إسكندر أندون أن "الكريش يقدم خدماته لأكثر من 200 طفل، أكثر من نصفهم يتلقون الخدمة داخل المؤسسة، سواء كان ذلك ضمن برنامج الحضانة الداخلية (الأطفال المقيمون) أو الحضانة الخارجية (رعاية نهارية)، أما الأطفال الآخرون فتُقدَم لهم العناية من خلال قسم الخدمة الاجتماعية التابع للراهبات، الذي يصل إلى العائلات المحتاجة في بيئاتهم الطبيعية، حيث يعمل في الكريش أكثر من 40 موظفاً، يتوزّعون بين إداريين ومهنيين متخصصين، من بينهم المربيات (الأمهات البديلات) والمعلمات، والأخصائيين من تمريض وطب الأطفال والخدمة الاجتماعية والنفسية والعلاج الوظيفي والحركي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


"أس أو أس"

منذ قدوم الطفل وحتى سن السادسة، يرعى "الكريش" كل حاجاته ومتطلباته وأحلامه، ومن ثم ينتقل من الدير إلى قرية "أس أو أس" SOS  لرعاية الأطفال في بيت لحم، حيث يبقى هناك حتى سن الثامنة عشرة، ليشق بعدها طريقه بنفسه في حال لم يتم تبنيه أو كفالته في سن صغيرة. وتوزع SOS الأطفال على منازل عدة مع أم بديلة أو عائلة بديلة تمنحهم الحنان والرعاية والحب والاهتمام، إلى حين فصلهم في سن الرابعة عشرة إلى قرى الشباب التي تحضرهم لخوض المستقبل باستقلالية ومسؤولية.


كفالة أم تبنٍ؟

ولفت أندون إلى أن "هناك معضلة حقيقية في قضية تبني الأطفال من داخل دير المحبة، إذ إن كل الأطفال بحسب قانون الأحوال الشخصية لعام 1999 يُعتبرون مسلمين وعلى دين الدولة، إلا إذا أثبتت القرينة خلاف ذلك، ما يعني أن أبناء الطوائف المسيحية لا يمكنهم تبني طفل مسلم من داخل الدير، وفي عام 2019 تم الاتفاق بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الفاتيكان على إدخال تعديلات على القانون بحيث يُعتبر الطفل الذي وجِد على قارعة الطريق مسيحياً إذ وضِع أمام كنيسة، أو عُثِر معه على صليب، في هذه الحالة فقط بإمكان العائلة المسيحية تبني الطفل بمفهوم التبني الفعلي، أي يصبح كابنٍ حقيقي لها. أما في الدين الإسلامي فهي تسمى كفالة وليست تبنياً، لأن الإسلام حرّم التبني، وبذلك يبقى اسم الطفل وشهادة ميلاده في حال كفالته، مختلفَين عن اسم وكنية العائلة الكفيلة المسلمة، ما يسبب مشاكل مستقبلية للطفل. وتتم كل الإجراءات لكفالة أو تبني الأطفال من داخل الدير، تحت رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية الفلسطينية التي تتعاون معنا باستمرار".
ويعتمد دير المحبة على الدعم المادي من التبرعات العينية والنقدية المحلية والدولية، التي يتقدم بها أشخاص مؤمنون برسالة الكريش والقائمين عليه، والمدركين لصعوبة ومرارة الحياة وقساوتها التي قد يتعرض لها الطفل في حال تُرك بلا رعاية وحضانة.