Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكاية حب فرعونية... الملكة حتشبسوت تقع في غرام مهندس من عامة الشعب

منحته 80 لقباً ملكياً وشيد لها أجمل معبد جنائزي في تاريخ مصر القديمة

رغم كون حتشبسوت أشهر ملكات العصر الفرعوني في مصر القديمة، وأقواهن نفوذاً، حيث حكمت البلاد أكثر من 20 عاماً بقوة واقتدار، فإنها لم تستطع أن تمنع قلبها من الخفقان بالحب إزاء مهندسها الخاص "سننموت"، الذي منحته نحو 80 لقباً ملكياً، بما يخالف الأعراف الفرعونية، حيث كان من عامة الشعب، وفي المقابل صمم لها ذلك العاشق أجمل معبد جنائزي من الحجر الجيري في تاريخ الفراعنة طبقاً للعديد من الباحثين، حتى أن زاهي حواس، عالم المصريات الشهير، قالها كثيراً "لو أن الرحالة القدماء الذين اختاروا عجائب الدنيا السبع زاروا مدينة الأقصر، لاختاروا معبد حتشبسوت الفريد واحداً منها".

حفيدة الملك أحمس تحكم مصر
محمد عبد الله، أستاذ المصريات، قال إن "الملكة حتشبسوت هي حفيدة الملك أحمس الأول محرر مصر من غزو الهكسوس، كما تعتبر الملكة الفرعونية الخامسة ضمن تسلسل ملوك الأسرة الـ18، حكمت البلاد أكثر من 20 عاماً (1479-1458 قبل الميلاد)، بعد وفاة زوجها المريض تحتمس الثاني، كوصية على الملك الصغير تحتمس الثالث ابن زوجها من إحدى الجواري، رغم اعتراض العديد من كبار الكهنة على أن تتولى امرأة حكم مصر، فقد كانت التقاليد والأعراف أن يكون الفرعون حاكم البلاد رجلاً، لكن حتشبسوت استطاعت السيطرة عليهم جميعاً بمساعدة المهندس (سننموت) الذي لم يكن يصمم لها معابدها فحسب، بل يخطط لها العديد من قراراتها أيضاً".

فيما يوضح الخبير الأثري علي النجّار أن "عهد الملكة حتشبسوت كان مميزاً، فقد حازت رضا عامة الشعب رغم سخط الكهنة، واستطاعت تكوين أقوى جيش في العالم في ذلك الوقت أرهب جميع الغزاة من دون حروب، وأقامت علاقات دبلوماسية قوية مع دول الجوار بعد أن كانت البلاد في حالة سيئة في عهد تحتمس الثاني الذي اتصف بالضعف الشديد بسبب مرضه المتواصل، كما فعّلت القوافل التجارية مع أغلب دول أفريقيا، ولهذا كونت أكبر أسطول بحري في المنطقة، وعموماً تميزت فترة حكمها بالازدهار والسلام والتنمية مقارنة بجميع عهود ملوك الأسرة الـ18".

سر ممارستها الحكم بلحية مستعارة!
وأشار حسين عبد المنعم، مرشد سياحي، إلى أن "حتشبسوت كانت أنثى جميلة كما يبدو من تماثيلها المختلفة، إلا أنها كانت ترتدي ملابس الرجال بعد توليها الحكم، كما كانت تستخدم اللحية المستعارة، لتتخلص من اعتراض كبار كهنة الإله آمون الذين كانوا يرون أن الملك الفرعوني لا بد أن يكون رجلاً".

 

أما سننموت، فيقول عنه حجاج سلامة، مدير مركز الأقصر للأبحاث والتراث والتنمية "لقد كان من أمهر مهندسي المعابد الجنائزية في التاريخ الفرعوني، وكان من أسرة بسيطة من العامة، تعرفت إليه حتشبسوت حينما كان مشرفاً على مخازن الغلال والطعام في عهد زوجها تحتمس الثاني، ونشأت بينهما ثقة متبادلة سرعان ما تحولت إلى قصة حب قبل توليها الحكم".

يتابع "يذهب مؤرخون كُثر إلى أن سننموت كان الداعم الأول لحتشبسوت في تمكينها من مقاليد الحكم، ويعد تعيينها له مديراً لأملاكها ومديراً لرعاية ابنتها (نفرو رع) ورئيساً للديوان الملكي، أكبر دليل على مكانته لديها".

80 لقباً ملكياً
ويشير عبد الله عبد النعيم، أستاذ المصريات، إلى أن "المكانة التي حصل عليها سننموت في عهد حتشبسوت لم تكن عادية، لأن إطلاقها 80 لقباً ملكياً على مهندس من عامة الشعب كان أمراً غير مسبوق في الأعراف الفرعونية، ما دفع كهنة الإله آمون إلى إثارة غضب الصبي الصغير في ذلك الوقت تحتمس الثالث الوريث الشرعي لعرش البلاد، لكن الأخير لم يقدر على فعل شيء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح "من المؤشرات البارزة على قصة الحب التي جمعت بينهما أن هذا المهندس صمّم ممراً بين مقبرته الخاصة ومقبرة حتشبسوت ليظل على تواصل معها في العالم الآخر، حسب المعتقد الفرعوني، وهذا أيضاً كان أمراً غير معهود".

وأضاف عبد النعيم أن "بعض الباحثين في التاريخ الفرعوني القديم يرجحون أن ابنة حتشبسوت (نفرو رع)، لم تكن ابنة الملك تحتمس الثاني الملك صاحب المرض الطويل، بل كان سننموت والدها، ومن أسباب ترجيحهم ذلك أن تماثيله يظهر فيها محتضناً هذه الطفلة من دون شقيقتها (مريت رع حتشبسوت)".

التخلص من وريث العرش
كما يشير عبد النعيم إلى أن "بعض الجداريات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن سننموت لم يكن شخصاً عادياً أو مجرد مهندس ماهر في عهد حتشبسوت، بل كان الأقرب إليها في كل قراراتها، حيث تُظهر بعض النصوص معاونته لها في التغلب على تمرد الكهنة، ومساعدتها في التخطيط للتخلص من تحتمس الثالث الوريث الصغير للعرش فور بلوغه عبر إرساله على رأس الجيوش المصرية للحرب في غزة، بهدف التخلص منه بطريقة غير مباشرة".

فيما يذكر حسين عبد الحكيم، أستاذ التاريخ، أن "قصة الحب التي جمعت حتشبسوت وسننموت كانت معقدة، لم يكن لها أن تعلن بشكل رسمي، لكن الشواهد العديدة لمكانة كل منهما عند الآخر كانت أمراً غير عادي، وهو ما كان مثار جدل وغضب في أوساط كبار الكهنة".

 

من جانبه، يقول صلاح الماسخ، الخبير الأثري في مديرية آثار الأقصر، إن "المهندس العاشق استطاع أن يصمم وينفذ أجمل أعمال أثرية في تاريخ الأسرة الـ18 الفرعونية، وأبرزها معبد حتشبسوت، الذي يعد الأجمل في تاريخ مصر القديمة، وقد نفذه على مدار 15 عاماً من ثلاثة طوابق متتابعة من الحجر الجيري، بتصميم يختلف عن كافة المعابد الجنائزية وقتذاك".

يتابع "كل من يزور هذا المعبد يلمس حالة الحب التي صاحبت تشييده، كما أن سننموت صمم لحتشبسوت أجمل مسلتين بطول 30 متراً، ولا تزال واحدة منهما في معبد الكرنك بمدينة الأقصر، بينما استولى نابليون بونابارت (قائد الحملة الفرنسية على مصر) على المسلة الثانية ونصبت في ميدان (كونكورد) في باريس، بعدما أُعجِب بدقة تصميمها وتنفيذها الفريد".

النهاية الغامضة... وطمس أسماء العاشقين
ويقول أحمد البدري، الباحث في علوم المصريات "رغم اختلاف الباحثين حول نهاية حتشبسوت وما إذا كانت قُتلت أم أصيبت بمرض السرطان، فإن جميعهم اتفق على أن الملك تحتمس الثالث فور توليه مقاليد الحكم حرص على طمس وإزالة اسم حتشبسوت وسننموت من معابد عديدة، لما مثلته قصتهما له من مصدر إزعاج وإحراج أمام الكهنة وعامة الشعب، والغموض انتاب نهاية العاشقين".

سائحة بريطانية تُدعى جايني أشكار، عبرت عن إعجابها بقصة عشق الملكة حتشبسوت وسننموت، وقالت "رغم كثرة التحديات التي واجهتهما فإن التاريخ خلّد حكاية حبهما عبر هذه الأعمال الأثرية الفريدة، فمعبد حتشبسوت في مدينة القُرنة (غربي الأقصر)، يعكس بصمات العاشق المخلص لمحبوبته، والقصة إجمالاً تؤكد أن الحب دوماً يذيب الفوارق والحواجز بين الجميع".