Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف قرأ المصريون مشهد رحيل حسني مبارك؟

اختلفوا بشأن سياساته واتفقوا على وطنيته... والجميع ترحم عليه

الرئيس المصري الراحل محمد حسني مبارك  (أ.ف.ب)

تاريخ المصريين حافل بشخصيات اختلفوا على حبها وكرهها، وتفرقوا فيما يختص بدورها الوطني. حقب متتالية قرأ عنها المصريون أو عايشوها أو سمعوا عنها في حكايات الأجداد والآباء، وأغلبها متسق متشابه من حيث لغة السرد شبه المتطابقة، كما أن المواقف من الأحداث متقاربة على الأقل في الخطوط العريضة.

لكن الرئيس الراحل محمد حسني مبارك سيحفر لنفسه اسماً في تاريخ المصريين باعتباره مَنْ خرق المألوف، فأجمع الكارهون على مواقف وطنية له، وتوحد المحبون على تسببه في الكثير من معضلات مصر ومشكلاتها الحالية، وعجز المعارضون عن سبّه وقذفه بأبشع الألفاظ كما يجري عادة، ووقف الجميع على قلب رجل واحد غير متيقن من طبيعة مشاعرهم ومواقفهم ضد الرجل.

الرجل الذي يحتفظ لنفسه منذ قرار تنحيه عن الرئاسة المصرية التاريخي في أعقاب فعاليات الميادين المصرية على مدار 18 يوماً فارقة في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) عام 2011 بمكانة الصدارة، من حيث عدد بث أخبار وفاته على مدار السنوات التسع الماضية، توفي فجأة ودون إثارة الكثير من البلبلة والقيل والقال. ويبدو أن تواتر أخبار الوفاة على مدار السنوات الماضية أدى إلى عزوف القاعدة العريضة عن التصديق، حتى إذا كان خبر الوفاة قد أعلن بالفعل، سكتت الغالبية لحين التحقق.

خلاف سياسي وإجماع على الوطنية 

تحقق النبأ أسفر عن مشاعر أقل ما يمكن أن توصف بالتضاد والالتباس. العبارة الأكثر تردداً على جميع المستويات هي "الله يرحمه". تعقبها أحياناً "ويسامحه" مصحوبة ببعض من اللوم والأسى، وتذيلها أحياناً "ويسامح من ظلمه" مع نبرة يغلب عليها الحزن على "موت مبارك".

"مبارك مات"، جملة حملت أوجه الصدمة الحزينة، أو العبرة بأن كل من عليها فان أصبحت الهاشتاغ رقم واحد في أقل من دقيقة. كان "أتوبيس الزمالك" وفضيحة المباراة الملغاة على رأس قائمة الترند، مع تسلل اسم محامي الرئيس الراحل فريد الديب ضمن قائمة الهاشتاغ الأكثر رواجاً، حيث نفى الوفاة أمس، وأكد أن "الرئيس مبارك بصحة جيدة". لكن سرعان ما تسللت أنباء عن الوفاة لتتحول خبراً رئيساً في نشرات الأخبار، وشريطاً عاجلاً باللون الأحمر على الشاشات ليقفز "مبارك مات" على القمة، يليه "حسني مبارك" ثم "وفاة مبارك" وبعدها "الملك اليوم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اليوم وبعد مرور سنوات عدة على تنحي الرئيس السابق الراحل، هدّأ الكثير من مشاعر الغضب تجاهه، وخمد العديد من رغبات الانتقام لما تسبب فيه من فساد وتجاهل لقضايا مجتمعية مصيرية من تعليم وصحة وتنمية وتنامٍ لجماعات دينية، وعادت الغالبية أدراجها إلى أعمالها واهتماماتها وتفاصيل حياتها اليومية. لكن مبارك ظل الحاضر الغائب طيلة هذه السنوات.

فمن مشهد مثوله في المحكمة داخل قفص الاتهام، الذي صدم الملايين بين رهبة وفرحة وغضبة، وتواتر أخبار وفاته غير مرة لدرجة حولت المسألة إلى مزحة متداولة ونكتة مستساغة، وتناقل أخبار إقامته في مستشفى عسكري مرة أو عودة إلى بيته مرة، لمتابعة حديث نادر يدلي به دون قدر كاف من المحتوى الصادم، لتواتر أحكام البراءة هنا وهناك، لعودة تدريجية إلى الهدوء والنسيان، يمكن القول أن مبارك الرئيس لم يعد له وجود يذكر، بل صار مبارك الإنسان والتاريخ الذي ظل محل شد وجذب دون هبد أو رزع.

اليوم ومع تأكيد خبر الوفاة، لم يقف المصريون في وقفة احتجاجية في محطة الشهداء مطالبين بعودة اسمه إلى محطته التي تغير اسمها في أعقاب أحداث يناير. لكن ركاب مترو الأنفاق حين بدأ الخبر في الانتشار ترحموا عليه وحوقلوا وانطلقوا في أحاديث مصرية صميمة تحلل ما فعله الرجل في مصر من محاسن ومساوئ على مدار 30 عاماً، مذيلة دائماً وأبداً بـ"الله يرحمه".

بالطبع يظهر بين الحين والآخر من يترحم عليه بحرقة من منطلق واقع أليم يعيشه وتدهور في وضعه الاقتصادي، وبالطبع يرد عليه من يترحم أيضاً لكن باعتراض على استساغة الفساد وهضم الإهمال لمجرد أن الحالة المعيشية كانت أفضل. وبالطبع يبادر من له ميول إخوانية فيصب الغضب على عصر مبارك والعصر الحالي طالباً الرحمة لنفسه، وهلم جرا.

لكن الشارع لم يتشح بالسواد، والنساء لم يبكين كما فعلن يوم وفاة الزعيم ناصر، والبيوت لم تنقسم بين مصدوم لطريقة الوفاة ومتوقع لها يوم اغتيال الرئيس الراحل السادات، والموقف العام لا ينبئ بأن أصحاب المحال سيضعون شارات سوداء على اللافتات. الرئيس السابق الراحل توفي عن عمر يناهز 92 عاماً، وهو ما يعد عمراً مديداً، لذلك انتفت صفة الفجأة. وهو ما أثار قدراً غير مسبوق من القيل والقال من قبل في إشاعات وفاة، لذا لم يقبل الجميع على تصديق النبأ وقت الإعلان. والغالبية تأثرت سلباً من قريب أو بعيد بسياساته، إن لم يكن أثناء حياته فبعد تنحيه.

جدل السوشيال ميديا 

المثير أن صفة "المتنحي" أو "المعزول" أو "المخلوع" اختفت تماماً من توصيفات المصريين، وهي الصفات التي كانت تستخدم بإفراط في الأشهر القليلة التالية لتنحيه وبفعل الأدرينالين الثوري وطموحات التغيير الجذري. حدث هذا في الشارع. أما أثير العنكبوت فالوضع بدا مختلفاً، حيث تفكير قبل التنظير وتدبير قبل التغريد.

"إنا لله وإنا إليه راجعون. رحم الله شهداء 25 يناير، وألهم ضحاياها الصبر والسلوان". "مات مبارك دافئاً هانئاً في سريره وأسرته حوله. سامحه الله عما فعله بمصر". توالت هي وغيرها، وفي المقابل تواترت "الجنازة العسكرية تليق بالرجل. كفى ظلماً". "الرئيس بطل الضربة الجوية في ذمة الله". "رحل من ظلمه المصريون" وغيرها. على أثير الشبكة العنكبوتية ومنصاتها الاجتماعية، وجد المدونون من رباطة الجأش ما تسمح لهم بذكر محاسن الرئيس الذي أحبوه، كما لم يفكروا مرتين قبل أن يصوبا غضبهم ولعناتهم عليه خوفاً من رد فعل غريب هنا أو تصرف غير مدروس هناك.

وكالعادة أسفرت الآراء والمواقف الخاصة بالرئيس الراحل الكثير من النقاش والجدال والتعليق والرفض والاتهام بالخيانة والوصم بالجهل، كعادة جدليات الشبكة العنبكوتية. لكن الغريب أن البعض جعل من صورة البروفايل الخاصة به صورة الرئيس الراحل ببدلته العسكرية وقتما كان قائداً للقوات الجوية، ونائباً لوزير الدفاع. آخرون وضعوا على حساباتهم الشخصية شارة سوداء أو عبارة "إنا لله وإنا إليه راجعون".

رجوع نبرات المكايدة والمناطحة حيث البعض عاد يقفز بسرعة للتذكرة بأحداث يناير 2011، والشباب الذين سقطوا ضحية ما جرى، والإشارة إلى المصاعب الاقتصادية وما يوصف بأنه "سوء تخطيط حالي" أو "ترتيب أولويات مغلوط"، أعاد إلى الذاكرة المصرية سنوات الاستقطاب الحاد التي هدأت وطأتها. ولحسن الحظ أن هذا التأجيج ظل حكراً على أثير العنكبوتي، الذي تأثر كثيراً بسبب انقطاع الكهرباء عن مناطق عديدة في مصر بسبب هطول الأمراض الشديد أول من أمس.

حق الجنازة العسكرية 

وبينما تتصاعد تمتمات طلب الرحمة للرجل من قِبل الموجودين على أرض الواقع في الشوارع والميادين، فرض موضوع آخر نفسه على الجميع. فكيف لتلفزيون الدولة أن يتأخر في خبر إعلان الوفاة والمفروض أن يكون الإعلان الأول على أثيره، لا سيما في ضوء التطوير الدائرة رحاه؟

السؤال المنطقي طرح نفسه في العديد من الأماكن العامة، حيث تسلل الخبر غير المؤكد عبر فيسبوك ما دعا البعض إلى تشغيل أجهزة التلفزيون، وتحديداً القنوات الرسمية، حيث لم يتم العثور على عواجل تنبئ بالوفاة. وقد أدى هذا إلى انصراف كثيرين متيقنين من أن الوفاة هذه المرة كغيرها مما أشيع على مدار السنوات التسع الماضية.

المعركة التالية بين المدونين والمغردين هي مدى أحقية الرئيس الراحل مبارك في جنازة عسكرية، وهي معركة معروفة الأبعاد مقدماً، حيث من يعتبرونه بطلاً وطنياً ولم يفرط في أرض أو يهرب وقت سنحت له فرصة الهروب سيطالبون بها، في حين من ينظرون إليه باعتبار أنه لا محاسن له سينكرون حقه فيها.

أما القاعدة العريضة من المصريين على أثير الواقع، فلا تعنيهم جنازة عسكرية أو مدنية، ولا عزاء في أكبر مساجد الجمهورية أو بيت الأسرة. كل ما يعنيهم أن رجلاً حكمهم على مدار ثلاثة عقود قد رحل، بينما لم يحسموا أمرهم حوله بعد إن كان حاكماً جيداً أم سيئاً أم خليطاً من الاثنين. لكن المحسوم حتى اللحظة هو طلب الرحمة مع تباين في حجم الدعاء بالسماح والغفران، بينما يظل أبلغ ما قيل شعبياً، "الله يرحمه ويحسن إليه. لو كنا ظلمناه ربنا يسامحه، ولو كان ظلمنا برضه ربنا يسامحه".