Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد إطاحة البعتي... هل ترسم تونس ملامح جديدة لسياستها الخارجية؟

إقالة السفير تلت موقفه من "خطة السلام"... وباحث فرنسي: قيس سعيد يحاول إعادة صياغة ديبلوماسية بلاده

الرئيس التونسي قيس سعيد  (أ.ف.ب)

لم تمض ساعات على تقديم تونس، التي ترأس المجموعة العربية في مجلس الأمن كعضو غير دائم خلال عامي 2020 و2021، مشروع قرار فلسطيني يدين خطة السلام التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، حتى أفادت وسائل إعلام أميركية باستدعاء السفير التونسي لدى الأمم المتحدة منصف البعتي، إلى بلاده على خلفية موقفه من مشروع القرار الفلسطيني الذي يعلن انتهاك خطة ترمب للقانون الدولي.

سرعان ما صاغت مجلة "فورين بوليسي" استدعاء البعتي باعتباره ثمناً للدفاع عن الفلسطينيين، إذ أفاد ديبلوماسيون في نيويورك أن الرئيس التونسي المنتخب حديثاً قيس سعيد أقال السفير الذي لم تمض خمسة أشهر على توليه منصبه، بعد شكاوى من واشنطن، ومن ثم فإن الإطاحة تأتي كجزءٍ من محاولة احتواء الموقف سريعاً، تفادياً لحدوث خلاف كبير في العلاقات مع الولايات المتحدة في وقت مبكر من ولاية سعيد الرئاسية.

أسباب الإقالة

وأصدرت وزارة الخارجية التونسية بياناً، الجمعة، قالت فيه إن "البعتي لم ينسق بشكل مناسب موقفه داخل الأمم المتحدة مع الحكومة في بلاده". ووفقاً للبيان "أقيل السفير لأسباب مهنية بحتة تتعلق بأدائه الضعيف وعدم التنسيق مع الوزارة بشأن المسائل المهمة قيد المناقشة في الأمم المتحدة".

وبحسب الديبلوماسيين الذين تحدثوا لفورين بوليسي، حضر البعتي اجتماعاً لمجلس الأمن صباح الخميس، لكنه قال إنه في طريقه إلى بلده قبل نهاية اليوم، وقال أحد سفراء الأمم المتحدة "كان الجميع في حالة صدمة، لقد كان من بين أكثر السفراء احتراماً في الأمم المتحدة، وذكرت الحكومة أنه طُرد لأنه غير محترف، إنها مزحة." وأضاف "هذا يقلّل من مصداقية تونس"، لكن مصدراً آخر أشار إلى أن الرئيس التونسي يتطلع إلى إقالة كبار المسؤولين من الحكومة السابقة، ومن بينهم البعتي، التي حسمت شكوى من البيت الأبيض مصيره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مظلمة القرن... وثقافة الهزيمة

ويتعارض هذا المشهد مع خطابات الرئيس سعيد منذ وصوله إلى السلطة، إذ إنه كثيراً ما أبرز دعمه المطلق للقضية الفلسطينية، ووصف في تصريحات سابقة خطة إدارة ترمب للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل بـ"مظلمة القرن"، وانتقد ما سماه "ثقافة الهزيمة في العالم العربي".

وفي تعليقات لـ"اندبندنت عربية"، أشار ديفيد ريجولت روزي، باحث فرنسي متخصص في شؤون الشرق الأوسط ورئيس تحرير مجلة "التوجهات الاستراتيجية"، إلى الكثير من التكهنات بشأن أسباب إقالة البعتي، بينما كان بصدد صياغة قرار يتعلق بخطة السلام الأميركية المثيرة للجدل، لتقديمها بالتعاون مع إندونيسيا إلى مجلس الأمن في الحادي عشر من فبراير (شباط) الحالي.

ولفت الباحث إلى تبرير الرئاسة التونسية قرار استدعاء السفير بارتكابه خطأ ديبلوماسياً كبيراً تمثل في توزيع وثيقة سيجري اعتمادها لبلورة مشروع قرار أممي لإدانة الخطة الأميركية، من دون التشاور مع حكومة بلاده.

وأضاف أن "البعتي كان دبلوماسيا محنكاً ومن الواضح أنه يحظى باحترام كبير ومهنية عالية، وفقاً لشهادات زملائه في الأمم المتحدة، والأمر ربما يكون ذريعة للحفاظ على مظاهر ديبلوماسية معينة حول موضوع حساس للغاية".

تبدو الأمور معقدة

وفيما تداولت شائعات عن مكالمة هاتفية بين الرئيس قيس سعيد وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، أعرب فيها الأخير عن غضب الإدارة الأميركية من الموقف التونسي وذكره عمداً بالموقف التونسي الدقيق فيما يتعلق بصندوق النقد الدولي وغيره من المانحين، فضلاً عن الوضع الأمني بالنظر إلى الفوضى السائدة في ليبيا، قال الباحث الفرنسي "إن هذه الأوضاع لا تستبعد وجود محاولات من الرئيس سعيد لإعادة صياغة الديبلوماسية في بلاده"، مضيفاً "تبدو الأمور معقدة على أقل تقدير".

وفي إطار هذا الجدل جرى بالفعل تعديل الصيغة الأولى لنص مشروع القرار الفلسطيني، حيث تم حذف "إدانة" خطة السلام الأميركية، لينص على أن "المبادرة التي قُدِمت بشأن النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تبتعد عن المعايير المتفق عليها دولياً لحل دائم وعادل وكامل لهذا النزاع كما وردت في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة".

خطة فلسطينية بديلة

يأتي ذلك وسط موجة من النشاط الديبلوماسي في الأمم المتحدة عشية زيارة رفيعة المستوى لمجلس الأمن الأسبوع الماضي قام بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، والذي من المتوقع أن يشجب خطة ترمب أمام المجلس، ويدين خطط إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، وتقديم خطة سلام فلسطينية بديلة، وسيرافقه خلال زيارته إلى نيويورك، الرئيس الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت، الذي سيعبر أيضاً عن معارضته للخطة الأميركية.

وعلى الجانب الآخر، تناول كوشنر الغداء مع أعضاء مجلس الأمن في البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة، الخميس، حيث سعى من خلال المخططات والخرائط إلى كسب تأييد المتشككين في الخطة المكونة من 181 صفحة، والتي ستوفر للفلسطينيين سيادةً محدودة على شؤونهم، بحسب فورين بوليسي.

مئة عام من الصراع

قضى كوشنر وكبار مسؤولي الإدارة الأميركية سنوات في إقناع الدول العربية بدعم خطة ترمب للسلام، غير أن الخطة قوبلت بالرفض من جميع وزراء خارجية الجامعة العربية الـ22، باعتبارها "لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق وتطلعات الشعب الفلسطيني"، وفي توبيخ شديد، شبه الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط الخطة بـ"نظام الفصل العنصري"، وقال إن اقتراح ترمب "يلقي بذور مئة عام أخرى من الصراع والمعاناة".

المزيد من العالم العربي