حاجة لبنان إلى السيولة تتقدم على تفعيل "سيدر"

دبلوماسي أوروبي: بعض الحكام يستخفون بالحراك ويحصرون الأزمة بالنازحين

تظاهرة احتجاجاً على الظروف الاقتصادية الصعبة في ذوق مصبح شمال العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

لا يملك أي من كبار المسؤولين اللبنانيين وحتى الجهات الخارجية المهتمة بمتابعة تطورات الأزمة السياسية والاقتصادية المالية، جواباً واضحاً حول قدرة الحكومة الجديدة على الحصول على الأموال لضخها في الأسواق، من أجل تجميد التراجع الذي يتحكم بالوضع النقدي وسوق الصرف، وبقدرة اللبنانيين على الحصول على بعض من مدخراتهم في المصارف بسبب نقص السيولة.

وتتوالى الاجتماعات الوزارية والنيابية من أجل إيجاد حلول لمسألة نقص السيولة التي تحول دون تزويد المصارف المودعين بأموالهم، وسط تصاعد إجراءات تقنين السحوبات بالعملات الأجنبية وحتى بالليرة اللبنانية، إذ يحصل المواطنون على مبالغ زهيدة للإنفاق على حاجاتهم اليومية، بينما باتت تحويلاتهم إلى أبنائهم في الخارج نادرة وتسبب ارتباكاً في انتظام تزويد الطلاب الذين يتابعون تحصيلهم العلمي في جامعات أجنبية. وتبحث لقاءات المسؤولين إمكان "قوننة وتشريع عملية السحوبات" بحيث لا تخضع للاستنسابية بين مصرف وآخر وبين الزبائن. كما أن هذه المشكلة باتت تضع جزءاً من القوى السياسية في مواجهة المصارف، التي تتهمها قوى سياسية بأن بعض أصحابها قاموا بتحويل أكثر من بليونين و300 مليون دولار إلى حسابات في سويسرا مع اندلاع الانتفاضة الشعبية، ما زاد أزمة السيولة حدة.

حكومة الحريري لم تجد حماسة عربية...

وفي وقت تشير مصادر وزارية إلى أن الحكومة ستسعى للحصول على ودائع أو على تمويل لبعض المشاريع من الهيئات الدولية، يمكن أن تلعب دوراً معنوياً في طمأنة الأسواق إلى إمكان تأمين السيولة للمصارف اللبنانية، فإن مصادر دبلوماسية أوروبية قالت لـ"اندبندنت عربية"، إنه "ليس هناك ما يؤشر حتى الآن إلى إمكان ضخ أموال لضمان السيولة في البلد".

وكان وزير المال غازي وزني أعلن قبل أسبوعين، أن البلد يحتاج في شكل عاجل إلى سيولة من أجل تمويل استيراد المواد الغذائية والطبية والأدوية والمحروقات. وتشير الأوساط الحكومية إلى أن ما سبق أن أعلنه رئيس الحكومة الجديدة حسان دياب بعد تأليف حكومته، عن أنه سيزور دول الخليج بعد حصول حكومته على ثقة البرلمان، يقصد به أنه سيسعى لدى هذه الدول للحصول على المساعدة المالية المطلوبة.

والمعروف أن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري كان قام بالمسعى نفسه قبيل اندلاع الثورة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بهدف اجتذاب ودائع عربية في المصرف المركزي اللبناني أو اكتتابات بسندات الخزينة، إلا أنه لم يتسن له متابعة اتصالاته في هذا الصدد لأنه اضطر للاستقالة بعد ثلاثة أسابيع. وقالت مصادر سياسية مطلعة على نتائج مسعى الحريري لـ"اندبندنت عربية"، إنه لم يجد أن الدول الخليجية متشجعة لخطوة كهذه. فالدول العربية والولايات المتحدة الأميركية كانت تعتبر أن حكومته تخضع لنفوذ "حزب الله" وحليفه رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي كان صهره وزير الخارجية جبران باسيل يعتمد سياسة خارجية معاكسة لمصالح واشنطن والدول العربية. وفي رأي هذه المصادر السياسية، ما ينطبق على حكومة الحريري لا يختلف كثيراً عن الموقف من حكومة دياب، على الرغم من أن باسيل بات خارجها، لأنها تألفت من قوى 8 مارس (آذار) ومن لون واحد. كما أن هذه المصادر ترجح أن يكون أحد أسباب اعتذار الحريري عن تولي المسؤولية الحكومية مجدداً هو إدراكه صعوبة تأمين مساعدات مالية للبلد.

تنبيه الخارج منذ يوليو

واعتبر مصدر دبلوماسي أوروبي في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن الحاجة إلى ضخ السيولة في السوق اللبنانية باتت تتقدم على تفعيل قرارات مؤتمر "سيدر". فالتوقعات عن قرب انخفاض السيولة بدأت تطل برأسها منذ يوليو (تموز) الماضي، حين جرى إخطار بعض العواصم الأوروبية بأن لبنان مقبل على هذه الأزمة. فالدبلوماسيون الغربيون كانوا يتابعون عن كثب مع حاكمية مصرف لبنان والجهات المصرفية والاقتصادية، المعطيات حول الأوضاع المالية. كما أنه جرى إخطار الحريري بالمشكلة أيضاً، إضافة إلى تنبيه بعض العواصم حول حاجة البلد إلى السيولة "لدرجة أن البلد قد لا يتمكن من استلحاق سيدر وبرامجه الاستثمارية". وأضاف المصدر "صحيح أن لبنان ليس مسؤولاً عن تراجع الدعم الدولي له وعن العوامل التي تتحكم بالاقتصاد العالمي منذ الأزمة العالمية عام 2008، ثم عن تراجع الاقتصاد في المنطقة نتيجة الوضع العربي الذي تأثر بالأزمة السورية وغيرها...

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن لو كان هناك حكم رشيد ولم يكن هناك هذا القدر من الفساد، الذي كان في السابق يعوضه جزئياً النشاط الاقتصادي، حيث كان النمو في لبنان في بعض السنوات ثمانية في المئة، ولو كانت الحكومة تعمل في شكل جيد ولم يحصل هذا القدر من التعطيل، سواء تسعة أشهر عند تأليفها ثم قرابة شهرين بسبب حادثة قبر شمون، وغيرها من الخلافات التي جمدت انعقادها، وأخرت خطة الكهرباء التي أبدت شركات عالمية استعداداً لتنفيذها في إطار شامل يدمج المرحلة الانتقالية القصيرة المدى بالمرحلة البعيدة المدى أي بناء المعامل، لربما كان أمكن على الأقل التخفيف من المعاناة عبر إطلاق مشاريع سيدر". ويذكر المصدر بأن "اعتماد البواخر لتوليد الطاقة في الحل الموقت شكل عنواناً للفساد. وهناك شعب في الشارع يصرخ ألماً وهناك مواطنون انخفضت قدرتهم الشرائية بسبب الأزمة المالية وانعكاسها على سعر الصرف، والمصارف لديها صعوبة في تأمين المال، والـ200 ألف وظيفة التي فقدت لن تعود بسرعة".

ويشير المصدر نفسه إلى أن بعض المسؤولين في لبنان يقللون من أهمية عمق انتفاضة الشعب اللبناني، وفريق رئيس الجمهورية يحصر المشكلة بأزمة النازحين السوريين في لبنان، في وقت العامل المهم الذي منع الحلول هو التجاذبات التي عطلت آلة الحكومة وحالت دون الإفادة من أموال "سيدر" التي كانت لترفع النمو الاقتصادي، والتي كانت لتحد من الهدر عبر الإصلاحات.

تأمين السيولة لا يلغي الإصلاحات

ويقر المصدر نفسه بأن مهمة الحكومة الجديدة ليست سهلة على الإطلاق، وبأن لا أجوبة واضحة حول كيفية تأمين الأموال والسيولة بعد نيلها الثقة. وهناك أفكار كثيرة تطرح لعلها تخفف من وقع الأزمة على الناس، مثل إعادة هيكلة الدين ومراقبة سوق القطع وغيرها... وأوضح أن الاتحاد الأوروبي مستعد للدعم، لكن هذا يتوقف على مقاربة المسؤولين للأزمة وعلى الإصلاحات بالطبع.

ويلفت إلى أنه حتى لو حصلت الحكومة الجديدة على أموال من دول الخليج، فإنه سيكون عليها في كل الأحوال أن تذهب إلى البنك الدولي وصندوق النقد وغيرها من الهيئات الدولية، لأن كل الجهات الخارجية متفقة على ضرورة الإصلاحات.

ويتساءل المصدر عما إذا كان اقتراح بعض المسؤولين اللبنانيين "لبننة" الوصفة التي يقدمها عادة صندوق النقد الدولي (فرض ضرائب وإلغاء تقديمات في القطاع العام وتقليصه) قابل للتطبيق في الوضع الحالي، وإذا كان الصندوق يقبل بالإجراءات التي يقترحها الجانب اللبناني.

ويعتبر أن تضمين الحكومة الجديدة في بيانها جدولاً زمنياً لتنفيذ بعض الخطوات يلقى صدى إيجابياً، في انتظار التطبيق. ويفترض الآن انتظار موقف الحراك الشعبي من البرنامج الذي ستقدمه، فهل سيعارضها في شكل منهجي، أم أن تعدد الآراء في داخله سيقود إلى انتظار أفعالها؟

المزيد من تحلیل