"المتروبوليتان"... حضارة العالم في متحف أميركي

 يحتضن معبدا فرعونيا وآلاف القطع الأثرية للشعوب... و7 ملايين شخص زاروه في 2018

متحف المتروبوليتان في حي مانهاتن بولاية نيويورك الأميركية (أ.ف.ب.)

داخل ذلك المبنى الضخم الواقع في حي مانهاتن بولاية نيويورك، الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1872، يمكن للزائر أن يرى مجموعة فريدة من أعظم فنون الحضارات البشرية التي تمتد على مدى أكثر من 6 آلاف سنة. ففي توليفة ثرية من الفنون والقطع الأثرية، يضم متحف "المتروبوليتان" للفنون أو كما يطلق عليه الأميركيون "ذا ميت The MET" معبداً فرعونياً كاملاً يرجع تاريخه إلى أكثر من ألفي عام، وتماثيل تعود للحضارة الإغريقية والرومانية جنباً إلى جنب مع دروع المقاتلين من جيوش العالم القديم ومجموعة غنية من لوحات العصر الذهبي في أوروبا، ناهيك عن الفنون الإسلامية وتلك التي تنتمي للحضارة الغربية.

 

 

لا يكفي يوم واحد للتجوُّل داخل الصالات الواسعة للمتحف الأكبر في الولايات المتحدة، الذي يحتفل في أبريل (نيسان) المقبل بمرور 150 عاماً على تأسيسه عام 1970 من قِبل مجموعة من المواطنين الأميركيين، بين رجال أعمال وممولين وكذلك فنانين ومفكرين كبار، والذين أرادوا إنشاء متحف لتقديم الفنون وتعليمها للشعب الأميركي ليصبح واحداً من أكبر المتاحف وأكثرها ازدحاماً في العالم، إذ جذب أكثر من سبعة ملايين زائر في عام 2018. "اندبندنت عربية" قامت بجولة خاصة داخل المبنى الرئيس للمتروبوليتان للتعرف عن قرب إلى الكثير مما يضمه من تاريخ العالم.

المتحف الذي يضم 17 إدارة تنسيقية لعرض ودراسة قطع فنية وأثرية من العصور والحضارات المختلفة حول العالم، تؤدي بوابته الرئيسة إلى القاعة الكبرى أو البهو، الذي ينتصب فيه تمثال ضخم يبلغ عمره نحو أربعة آلاف عام للملك أمنحتب الثاني (سابع ملوك الأسرة الفرعونية الـ18) جالساً إلى يمين البهو المؤدي إلى القسم المصري، ويضم القسم نحو 26 ألف قطعة ذات أهمية فنية وثقافية وتاريخية تعود إلى العصر الحجري القديم في مصر، وصولاً إلى العصر الروماني في القرن الرابع.

وتأسس القسم المصري عام 1906 للإشراف على مجموعة المقتنيات المصرية القديمة، التي أخذ عددها في التنامي منذ عام 1874 بفضل الهدايا الفردية وعمليات الاستحواذ الخاصة عبر المزادات، فضلاً عن "صندوق استكشاف مصر"، وهو منظمة بريطانية أجرت عمليات استكشاف أثرية في مصر وتبرعت بنصيب من اكتشافاتها للمؤسسات الأعضاء. وتُعرض المجموعة بالكامل في معارض Lila Acheson Wallace للفن المصري بجناح "ساكلر"، مع ترتيب القطع الأثرية زمنياً على 39 غرفة.

 

 

معبد دندور... هدية مصرية للولايات المتحدة

وكأحد أكثر الوجهات شهرة في الجناح، يقف معبد مصري كامل يعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد، بينما عمره 50 عاماً داخل متحف المتروبوليتان بعد نقله بموجب قرار من الرئيس الأميركي ليندون جونسون، آنذاك، في 27 أبريل (نيسان) عام 1967.

يقف معبد "دندور" الذي أهدته مصر للولايات المتحدة في حقبة الستينيات كأيقونة تحظى بأهمية خاصة من قبل إدارة المتحف والزائرين، وفي عام 2017 جرى الاحتفال بذكرى مرور 50 عاماً على نقله إلى المتحف حيث قام موظفو إدارات حفظ الفن والقطع المصرية بكتابة سلسلة مقالات تتعلق بهذا الأثر، بما في ذلك الزخارف التي تزين جدرانه الخارجية وتصميمه وتاريخه وطريقة نقله من مصر.

وشُيد المعبد في عام 15 قبل الميلاد تقريباً، بأمر من الإمبراطور الروماني أوغسطس، الذي خلف كليوباترا السابعة، آخر حكام البطالمة في مصر، وخُصِص للإلهة الكبرى إيزيس وإلى ولدي حاكم نوبي محلي كان قد ساعد الرومان في حروبهم مع ملكة مروي في الجنوب. واكتُشِف هذا الأثر التاريخي في منطقة النوبة على بعد نحو 50 ميلاً جنوبي مدينة أسوان الحديثة، وجرى تفكيكه لإنقاذه من مياه بحيرة ناصر المرتفعة بعد بناء السد العالي، وقُدم إلى الولايات المتحدة كهدية من الحكومة المصرية تقديراً للمساهمة الأميركية في الحملة الدولية لإنقاذ الآثار النوبية القديمة.

 

 

غرفة دمشق

ويضم "المتروبوليتان" أيضاً مجموعة فريدة من مقتنيات الفن الإسلامي تعود إلى ما بين القرنين السابع والحادي والعشرين، إذ تعكس أكثر من 15 ألف قطعة التنوع الكبير في التقاليد الثقافية الإسلامية، مع أعمال من الغرب مثل إسبانيا مروراً بالمغرب ووصولاً إلى أقصى الشرق في آسيا الوسطى والهند. وتكشف المجموعة التأثير المتبادل للممارسات الفنية كالخط العربي وتبادل الزخارف ومنها النباتية والهندسية.

أما "غرفة دمشق" فهي واحدة من الأركان اللافتة وتقع في المعرض رقم 461، وهي عبارة عن غرفة استقبال تعود إلى أواخر العهد العثماني في مدينة دمشق، وجرى نقلها بالكامل وما يحيط بها من جدران وسقف خشبي مزخرف، وربما تعود إلى عام 1707.

وتشير الديكورات الداخلية المكتملة والمساحة الواسعة والديكور الأنيق للغرفة إلى أنها جزء من منزل عائلة ثرية، بينما يشير الشعر المدون على الجدران إلى أن صاحبها كان مسلِماً وربما ينتمي إلى النخبة الدينية التي يُعتقد انحدارها من نسل النبي محمد.

 

 

14 ألف قطعة سلاح

طالما كانت الأسلحة والدروع جزءاً حيوياً في جميع الثقافات تقريباً على مدار آلاف السنين، وهي محورية ليس فقط في الغزو والدفاع، ولكن أيضاً في المسابقات الرسمية والاحتفالات. وعلى مر التاريخ كانت أفضل الدروع والأسلحة عموماً هي تلك الأعلى من حيث القدرات الفنية والتقنية وتحمل ملامح المجتمع والفترة التي صنعت فيها، ما شكَّل جانباً فريداً من تاريخ الفن والثقافة المادية.

ويضم "المتروبوليتان" مجموعة حديثة نسبياً من الأسلحة، جُمِعت على مدار الـ125 عاماً الماضية، وعددها نحو 14 ألف قطعة، منها أكثر من خمسة آلاف أوروبية وألفان من الشرق الأدنى وأربعة آلاف من الشرق الأقصى. إنها واحدة من المجموعات الأكثر شمولية والموسوعية من نوعها.

وقسم الأسلحة والدروع الأوروبية الأكثر شهرة وجذباً لأعين السائحين، خصوصا أنه يعيد إلى الأذهان أفلاماً هوليوودية شهيرة مثل "حرب طروادة" و"أوديسيوس" وغيرها من الأفلام التي تحكي عن حقبٍ تاريخية قديمة ومثيرة.

والدروع الأوروبية التي يرجع تاريخها إلى ما قبل 1500 سنة نادرة، إلا أن القسم يمتلك مجموعة فريدة ومهمة منها تعود إلى القرنين الرابع عشر والخامس عشر، بما في ذلك خوذات وقطع من الدروع التي عُثر عليها تحت أنقاض قلعة البندقية في مدينة تشالسيس، الواقعة في إحدى الجزر اليونانية، وتشمل عدة أشكال مميزة وغير معروفة من الدروع التي كان يرتديها المحاربون في شرق البحر المتوسط ​​قبل عام 1470، عندما سقطت المدينة في يد الأتراك.

ومن القرن السادس عشر، هناك العديد من الأسلحة المزخرفة، بما في ذلك القطع المصنوعة لنخب ساكسونيا وقوات حرسهم الشخصي، وتشمل مجموعة مختارة من الدروع الإنجليزية المصنوعة في ورش العمل الملكية في غرينتش، التي أسسها هنري الثامن ودرعا شخصيا صُنع لهنري الثاني ملك فرنسا.

كما يضم هذا القسم مجموعة من الأسلحة القديمة التي استخدمتها شعوب في دول آسيا والشرق الأوسط، مثل إيران وتركيا والهند، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الأسلحة والدروع اليابانية التي تعود إلى الساموراي.

 

الفن الأوروبي

ويحظى الفن الأوروبي بالقسم الأكبر من المتحف، ففي الجانب الأيسر من القاعة الكبرى يوجد قسم مخصص للتماثيل يزخر بأعمال يونانية ورومانية يصل عددها إلى نحو 30 ألف عمل، منذ العصر الحجري الحديث أي نحو عام 4500 قبل الميلاد وحتى وقت تحول الإمبراطور الروماني قسطنطين إلى المسيحية في عام 312 ميلادياً. ويشمل القسم مقتنيات فنية للعديد من الثقافات في اليونان وإيطاليا، ولكن ليس وفقاً للحدود السياسية الحديثة، كما يضم أيضاً فنون اليونان في مرحلة ما قبل التاريخ.

وتؤدي القاعة الرئيسة الخاصة بقسم الدروع إلى آخر يضم 50 ألف قطعة في مجموعة المتحف الشاملة والمهمة تاريخياً لفن النحت الأوروبي، التي تعكس تطور عدد من الأشكال الفنية في دول أوروبا الغربية من أوائل القرن الخامس عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وتتنوع أحجام المنحوتات والوسائط، وتتراوح بين أعمال خشبية وقطع أثاث، وسيراميك وزجاج، وأعمال معدنية ومجوهرات، وأدوات حساب الوقت والرياضيات، وصولاً إلى المنسوجات.

ومن قاعة المنحوتات والتماثيل الأوروبية يمكن الوصول إلى قسم خاص بفنون العصور الوسطى والفن البيزنطي الذي يغلب عليه الطابع الديني. وتعد المجموعة التي يضمها المتحف الأكثر شمولاً في العالم، وتشمل فن البحر الأبيض المتوسط وأوروبا منذ سقوط روما في القرن الرابع وحتى بداية عصر النهضة في أوائل القرن السادس عشر، وكذلك الأعمال الفنية الأوروبية قبل العصور الوسطى التي أُنتِجت خلال العصرين البرونزي والحديدي المبكر.

 

 

فان جوخ داخل صندوق محصن

في الطابق الثاني صالة عرض كبرى تحتوي اللوحات الأوروبية الشهيرة التي يبلغ عددها أكثر من 2500 عمل فني من القرن الثالث عشر وحتى أوائل القرن العشرين، وبصرف النظر عن روائع الفنانين المتنوعة مثل جان فان إيك وكارافاجيو وغوستاف كليمت، يقدم "الميتروبوليتان" عرضاً فريداً للفن الشمالي والإيطالي المبكر، إلى جانب واحدة من أكبر مجموعات اللوحات الفنية الهولندية التي تعود للقرن السابع عشر، بما في ذلك الأعمال البارزة لفرانس هالس ورامبرانت ويوهانس فيرمير.

وتحظى لوحة "البورتريه" التي رسمها الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ لنفسه من خلال مرآة بهدف ثقل مهاراته، واختار لها عنوان "قبعة سترو" عام 1887، بمعاملة خاصة، إذ توضع داخل صندوق زجاجي محصن.

 

 

الجناح الأميركي... وأقسام للموسيقى والأزياء

ويخصص المتحف قسماً للفن الأميركي يضم نماذجاً من فن النحت في الولايات المتحدة تعود للقرن السابع عشر وحتى أوائل القرن التاسع عشر. ويضم هذا الجناح نحو 20 ألف عمل فني يشمل اللوحات والأعمال النحتية والزخرفية من الأميركيتين، بما في ذلك الأثاث والمنسوجات والسيراميك والزجاج والفضة والأعمال المعدنية والمجوهرات، وكذلك التصميمات الداخلية التاريخية والمعمارية، التي أنتجها كل من الفنانين المدربين تدريباً عالياً أو الهواة والفنانين، كما يضم فنون سكان أميركا الأصليين.

لم تنته الجولة عند هذا الحد، فهناك عشرة أقسام أخرى تضم مقتنيات تعكس تطور الأدوات الموسيقية من الثقافات المختلفة، وآخر يتعلق بالفن المعاصر والحديث، وكذلك الآسيوي والأفريقي وجزر المحيط الهادي وفنون الشرق الأدنى، فضلاً عن قسم خاص بالأزياء يضم 33 ألف قطعة ملابس وحلي تمثل الثقافات حول العالم على مدار سبعة قرون.

المزيد من ثقافة