Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لهذه الأسباب تعد ولاية "أيوا" حاسمة في الانتخابات التمهيدية الأميركية

المرشحون الديمقراطيون يتنافسون للفوز بالمعركة الأولى نحو البيت الأبيض

الرئيس جيمي كارتر كان أول من لفت الانتباه إلى أهمية التجمع الانتخابي في "أيوا" (رويترز)

مع نهاية الخريف وبدء الشتاء، تُولي الولايات المتحدة كل أربع سنوات اهتمامها فجأة بولاية ريفية صغيرة في الغرب الأوسط الأميركي هي أيوا. هناك، يبدأ المرشحون لانتخابات الرئاسة بالتدفق إليها، وخطف ودّ سكانها بصحبة وسائل الإعلام الرئيسة، أملاً في الفوز بدعم أي من الحزبين الجمهوري أو الديمقراطي، استعداداً لمعركتهم الأولى في طريق الألف ميل نحو البيت الأبيض. لكن لماذا تحظى ولاية أيوا بكل هذه الأهمية في الانتخابات الرئاسية الأميركية؟ ولماذا تُعدُّ معركتها حاسمة؟ وما السبب الذي جعلها كذلك؟

المرشحون الديمقراطيون الذين يتنافسون بينهم خلال ساعات، للفوز بأولى معاركهم على طريق نيل ترشيح حزبهم، في مواجهة الرئيس الجمهوري دونالد ترمب في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ربما لا يجدون في ولاية أيوا ما يجعلها نموذجاً يمثل القاعدة الانتخابية العريضة للحزب الديمقراطي. فبينما يتشكل الحزب الديمقراطي من مجموعات متنوعة من الشباب والبيض الليبراليين، والأميركيين ذوي الأصول الأفريقية و"اللاتينوز" المنحدرين من أصول تنتمي لأميركا اللاتينية وغير المتدينين وسكان المدن وضواحيها، تبدو أيوا مختلفة تماماً، حيث يمثل البيض 90 في المئة من سكانها، ويشكل كبار السن نسبة كبيرة منهم، كما أنها ولاية ريفية وليست حضرية، يبلغ سكانها حوالى ثلاثة ملايين نسمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أول اختبار

لكن فوز المرشحين لانتخابات الرئاسة في أيوا يعني للفائز أهمية كبرى، فهي الولاية الأولى التي تُظهر دعمها لمرشح ما، ولهذا هي الاختبار الأول من قبل ناخبين حقيقيين، وليس عبر استطلاعات رأي أو تخمينات، كما يصبح مستوى التأييد الذي يحظى به المرشح الرئاسي فيها مؤشراً مهماً إلى كيفية أدائه وقبول الناخبين له، ومن ثم يكتسب صدقية كبيرة، وهذا يعني تفضيلاً أكبر من وسائل الإعلام وزخماً كبيراً لحملة المرشح الانتخابية.

كما أن النتائج التي تخرج عن أيوا، تقدم دليلاً على طبيعة أداء الحملة الانتخابية للمرشحين، ما يجعلهم يسارعون إلى علاج مَواطِن الخلل إن وُجدت، وقد تدفع النتائج الضعيفة إلى خروج المرشح وانسحابه من السباق، في حين تُقدم النتائج القوية رسالة إلى قادة الحزب الديمقراطي الراغبين في فوز مرشح قوي ضد ترمب، ما يعزز كثيراً فرص المرشح للفوز بترشيح الحزب على مستوى الولايات المتحدة في نهاية السباق.

تأثير الإعلام

وبينما يسود اعتقاد تقليدي في أميركا، أنّ مَن يفوز بتأييد هذه الولاية في الغرب الأوسط، تكون لديه فرصة جيدة في باقي الولايات الأخرى، يشير آخرون إلى أن وسائل الإعلام هي من يصنع الدور المهم لاختيارات التجمعات الانتخابية في ولاية أيوا منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ كان المرشح الرئاسي جورج ماكغوفرين عام 1972، هو أول من نال هذا الاهتمام الإعلامي، بعدما فاز بنتيجة مفاجئة، وبشكل أفضل بكثير مما كان متوقعاً، ما أثبت أن الاهتمام الإعلامي يمضي خلف اختيارات المواطنين.

ويقول جوهان بيرغناس، مدير السياسة العامة في مؤسسة "فولكان" بولاية أيوا إن وجود الإعلام الكثيف هو ما يمنح الولاية هذه المكانة، وهو الذي يطلق على المرشحين تسمياتهم، فهذا حصان أسود، وذاك فرس الرهان، وهذه قذيفة موجهة، أما إذا لم يحقق مرشح ما التوقعات المأمولة منه، أو فشل في الفوز بلقب أو تسمية مناسبة من الإعلام، فقد يحظى بتغطية سلبية تؤثر في وجوده وربما استمراره في السباق.

ليست كغيرها

أحد أهم الأسباب التي تميز ولاية أيوا أنّ نظام الانتخاب في الحزبين الديمقراطي والجمهوري يختلف فيها عن غيرها. ففي الحزب الديمقراطي، لا يذهب الناخبون المسجلون إلى التصويت في صناديق اقتراع داخل مقر انتخابي، لكنهم يشاركون في اجتماعات عامة قد تكون داخل مدرسة أو مكتبة عامة أو كنيسة أو مطعم لاختيار مرشحهم بالوقوف في قطاع من المكان المخصص لهذا المرشح، فإذا لم ينضم عدد يمثل 15 في المئة من الحاضرين، يصبح بإمكان المؤيدين لهذا المرشح إقناع الآخرين بالانضمام إليهم، في حين تحصل المجموعات الكبرى المؤيدة للمرشحين الآخرين على عدد من المندوبين يماثل نسبتهم من المجموع.

ولكن عام 2020، أدخل الحزب الديمقراطي في الولاية تغييرات تاريخية على عملية اختيار المرشحين منذ تأسست هذه العملية عام 1972، إذ سيتمكن الديمقراطيون المسجلون على قوائم الحزب من المشاركة في الاختيار باستخدام هواتفهم الذكية عبر ست مجموعات حزبية، فيصنف الناخبون ما لا يزيد على خمسة مرشحين للرئاسة، ومن ثم تُشكِّل اختيارات المجموعات الست النتيجة النهائية عبر تحديد نسبة من المندوبين الممثلين للمرشحين. والهدف من ذلك هو زيادة الشفافية والثقة والسماح لعدد أكبر من الناخبين بالمشاركة.

أما الحزب الجمهوري، فيتخذ أسلوباً أبسط، إذ يدلي أعضاء المجموعات الانتخابية بأصواتهم، ويمثل عدد المندوبين حسب نسبة فوز كل مرشح في المؤتمر العام للحزب الجمهوري على مستوى الولايات المتحدة الذي يختار مرشح الحزب في انتخابات الرئاسة.

خطأ البدء بولاية كبيرة

وتعتقد كارولين تولبيرن، أستاذة العلوم السياسية في جامعة أيوا، أنّ أحد الأسباب المهمة في عدم البدء بولايات عدّة معاً أو بولايات كبيرة الحجم وضخمة السكان مثل كاليفورنيا، 40 مليون نسمة، أو تكساس 29.5 مليون نسمة، هو أنها تتطلب إنفاق أموال هائلة حتى يكون المرشح قادراً على التأثير في الناخبين والوصول إليهم، وبذلك سيكون النجاح حليفاً للأثرياء على حساب المرشحين الذين لا يملكون مصادر تمويلية ضخمة لحملاتهم، كما أن ذلك سيحرم الولايات صغيرة الحجم من أي تأثير فاعل.

لكن الولايات الصغيرة مثل أيوا، فمتاحة لجميع المرشحين، ويمكن لأي منهم أن يتجول في الولاية بحافلة ويلتقي السكان ويعقد مؤتمرات انتخابية وفعاليات جماهيرية، فتصبح لديه فرصة حقيقية للتفاعل مع معظم المواطنين وهو أمر يستحق الحفاظ على استمراره، حسب قول تولبيرن.

هل من تغيير؟

يعتقد محللون سياسيون في واشنطن أن النظام الانتخابي الأميركي في مرحلة انتقالية، لن تستطيع الأحزاب على مستوى الولايات أو على المستوى الوطني تغييره، إلاّ إذا كانت هناك أسباب قوية لذلك، خصوصاً أن دخول أكثر من ملياردير السباق الانتخابي هذا العام ربما يُحدِث أثراً يغير النظام الانتخابي الحالي. فهناك الملياردير توم ستاير ينفق بسخاء في الولايات الأربع الأولى التي تشهد انتخابات تمهيدية، بل ربما ينفق على الإعلانات التليفزيونية بمعدل يماثل عشرة أضعاف ما ينفقه أي مرشح من منافسيه.

ويُعدُّ الملياردير مايكل بلومبيرغ، الاستثناء الوحيد بين المرشحين الديمقراطيين، إذ إنّه لم يُقدم على أي خطوة حتى الآن سوى سلسلة من الحملات التليفزيونية وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، من دون أي محاولة لخوض الانتخابات التمهيدية، انتظاراً ليوم الثلاثاء الكبير في مارس (آذار) المقبل.

فإذا نجح أي من الخطط الاستراتيجية للمرشحين الأثرياء في كسب تأييد الناخبين، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير، لأنه سيشكل طريقاً جديدة للفوز بما يُجبر الأحزاب على إحداث تبديل، وحتى إذا فشلت الأحزاب في ذلك، وظلت ولاية أيوا هي المحطة الأولى في قطار الانتخابات، فسيتضاءل دورها وتأثيرها حال فوز مرشح لم يعيرها اهتماماً، كما لن يهتم بها بعد ذلك باقي المرشحين.

لماذا كانت أيوا الأولى؟

ظلت هذه الولاية منذ عام 1972 هي أول من يعقد انتخابات تمهيدية لأيٍّ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لكن البداية التي جعلتها تصبح أول ولاية تشهد السباق الانتخابي، وتؤثر فيه بقوة تعود إلى العام 1968، ففي ظل الأجواء الساخنة التي رافقت مقتل داعية الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ والمرشح الرئاسي روبرت كيندي، وسخونة أجواء حرب فيتنام، تخلّى الرئيس ليندون جونسون عن الترشح لخوض دورة رئاسية ثانية، تاركاً المجال لنائبه هوبرت هامفري للقفز إلى سباق الانتخابات، غير أن دعمه لجونسون ولحرب فيتنام، أثار غضب معارضي الحرب، واجتاح متظاهرون مقر المؤتمر الانتخابي العام للحزب الديمقراطي بينما كان هامفري على وشك الفوز بترشيح الحزب له ضد كل من جورج ماكغوفيرن ويوجين ماكارثي، على الرغم من أن هامفري لم يخض أياً من الانتخابات التمهيدية، الأمر الذي سلّط الضوء على كثير من الخلافات والانقسامات بين ما يريده الرأي العام وما تسير عليه العملية السياسية.

ولهذا سعى قادة الحزب الديمقراطي إلى إصلاح الخلل في النظام الانتخابي بعد عام 1968، وشكلوا لجنة عُرفت باسم "ماكغوفيرن – فريزر" لتحسين عملية الترشح، وليكون للناخبين رأي مباشر حول من يجب أن يمثلهم في الانتخابات الرئاسية، ولضمان أن قادة الحزب لن يتلاعبوا مرة أخرى في اختيار المرشحين خلف الأبواب المغلقة، وهكذا قررت اللجنة أن تكون أمام قادة حزب كل ولاية مهلة، مدّتها 30 يوماً لإخطار قيادة الحزب المركزية بموعد بدء الانتخابات التمهيدية.

ولأن ولاية أيوا تمر بعملية ترشيح طويلة تجري على أربع مراحل وتنتقل من المقاطعات إلى الدوائر الانتخابية، ثم على مستوى الولاية قبل 30 يوماً من الإخطار بموعد بدء المرحلة الأخيرة، فقد جعل ذلك الولاية تبدأ انتخاباتها مبكراً عن أي ولاية أخرى.

كارتر وبوش وأوباما

وكان الرئيس جيمي كارتر عام 1976، أول من يلفت الانتباه إلى أهمية التجمع الانتخابي في أيوا، حيث افتقدت حملته الانتخابية لرؤية واضحة، كما لم تكن لديها أموال كافية لمنافسة باقي المرشحين في الولايات الأكبر، ولكن عندما فاز كارتر بترشيح ولاية أيوا، أصبح في بؤرة الاهتمام الإعلامي في وقت مبكر، ما جعله يكتسب زخماً كبيراً أوصله إلى مقعد الرئاسة في نهاية الانتخابات.

وعلى الرغم من أن ثلاثة رؤساء فقط من الذين فازوا بترشيح ولاية أيوا من الحزبين أصبحوا رؤساء للولايات المتحدة، وهم جيمي كارتر 1976 وجورج دبليو بوش عام 2000 وباراك أوباما عام 2008، إلاّ أنّ الولاية، ومعها ولاية نيو هامبشاير التي تحلُّ كمحطة ثانية في السباق الانتخابي، تُشكلان أهمية بالغة في أولويات المرشحين لانتخابات الرئاسة الأميركية، لدرجة أن الاعتقاد السائد حالياً يشير إلى أنّ من يفوز بترشيح الولايتين، تصبح حظوظه كبيرة للفوز بترشيح حزبه في نهاية السباق.